رئيس الوزراء العراقي يقترب من استكمال حكومته دون ضمان تحصينها من السقوط

رئيس الوزراء العراقي يقترب من استكمال حكومته دون ضمان تحصينها من السقوط

الطبقة السياسية العراقية تغرق بشكل متزايد في صراعاتها على المناصب الحكومية وما وراءها من مكاسب مادية ومعنوية، وتنساق بالتالي في انفصالها عن هموم ومطالب الشارع الذي يستعدّ لموجة احتجاجات عارمة يتوقّع أن تبلغ هذا الصيف مديات كبيرة قد تصل حدّ تهديد استقرار الحكومة وزعزعة الأحزاب المتنافسة على المناصب.

بغداد – لم يحصّن “الاختراق” الذي حقّقه رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي، الإثنين، بالتوصّل إلى ملء الفراغ في وزارات العدل والدفاع والداخلية، حكومته من محاذير السقوط تحت وقع الاحتجاجات الشعبية على ضعف الأداء الحكومي وسوء الخدمات، وفي ظل الافتقار إلى دعم واضح من الكتل السياسية التي انساقت مجدّدا في صراع شرس على حصص في المناصب الحكومية.

واستبقت أطراف سياسية عراقية حراك الشارع الناقم على غياب الخدمات وتفشي الفساد، لتضيّق الخناق على الحكومة، في وقت تعمقت الخلافات داخل الكتل البرلمانية، بسبب الجدل المستمر بشأن اقتسام المناصب التنفيذية.

وبينما كانت الأنظار تتجه نحو تحضيرات نشطاء في محافظات عراقية مختلفة، لإطلاق موجة احتجاجات جديدة، على وقع الفشل الحكومي في توفير التيار الكهربائي، وسط ارتفاع شديد في درجات الحرارة، تلقى تحالف الإصلاح، أكبر كتل البرلمان العراقي، وأحد أبرز حراس حكومة عادل عبدالمهدي، لطمة موجعة، بتنحي عمار الحكيم عن رئاسته، معلنا امتناع تيار الحكمة الذي يقوده، عن المشاركة في أي جهد سياسي داعم للحكومة.

وجاء قرار الحكيم بعد أخذ ورد لأسابيع، بشأن آلية شراكة الكتل السياسية في حكومة عبدالمهدي، إذ يرى تيار الحكمة أنه تعرض للتهميش، لصالح أطراف أخرى.

وقبل الحكيم، كان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قرر إبعاد ائتلاف النصر الذي يتزعمه، أحد مكونات تحالف الإصلاح، عن مفاوضات تشكيل الحكومة، مشيرا إلى أنه لن يكون جزءا من المحاصصة الطائفية والحزبية.

وبالتزامن مع هذه التطورات، شن مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي واسع التأثير، هجوما على كتلة “سائرون” التي يرعاها، وهي أبرز مكونات تحالف الإصلاح، متهما قادتها بالتكالب على المناصب الحكومية.

وربطت مصادر بين هجوم الصدر ومفاوضات سياسية أقصت أحد الضباط البارزين في قوات جهاز مكافحة الإرهاب من سباق الترشح لشغل حقيبة الداخلية في حكومة عبدالمهدي.

ويعتقد الصدر أن كتلته البرلمانية، ربما تورطت أكثر مما يجب في دعم حكومة عبدالمهدي، التي تتهم بالفشل في التعاطي مع أزمات البلاد الداخلية، واستسلامها لرغبات الأحزاب الطائفية والقومية في توزيع المناصب الحكومية.

وعدت هذه المؤشرات، أدلة على تحول مزاج الصدر نحو خيار المعارضة الذي يستهويه منذ انخراطه في النشاط السياسي بعد العام 2003، ويعمّق صلاته بقاعدته الشعبية العريضة.

ومع موقفي الصدر والحكيم، وإعلان العبادي “المعارضة التقويمية”، لم يبق من تحالف الإصلاح سوى شخصيات سنية، مثل نائب رئيس الجمهورية السابق أسامة النجيفي، تفتش هي الأخرى عن صيغة تضمن لها موقعا سياسيا مؤثرا.

وتوقع مراقبون أن ترتد هذه الهزة السياسية، على تحالف البناء، الطرف الثاني في معادلة تشكيل الحكومة العراقية، الذي يضم معظم الأطراف السياسية العراقية القريبة من إيران.

لم يبق للحكومة من رعاة إلا حلفاء إيران ما يضعها في مواجهة استحقاقات سياسية صعبة أبرزها شكل العلاقة مع واشنطن

وقال الباحث في الشأن السياسي العراقي إحسان الشمري إن انفراط عقد تحالف الإصلاح لن يسمح بصمود تحالف البناء، متوقعا تحول العملية السياسية في العراق نحو معادلة تحالفات جديدة.

ومن شأن هذه التحولات أن تنعكس على تماسك حكومة عبدالمهدي، التي لم يتبق لها من رعاة، إلا حلفاء إيران، ما يضعها في مواجهة استحقاقات سياسية صعبة، أبرزها شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، في ظل التصعيد الكبير بينها وبين إيران في المنطقة.

ومن المفارقات، أن خسارة الحكومة العراقية لجزء من غطائها السياسي في البرلمان العراقي، تتزامن مع توصل رئيسها عادل عبدالمهدي إلى تفاهمات لاستكمال كابينته الوزارية التي كانت منقوصة من أربع حقائب.

وصوت البرلمان العراقي، الاثنين، على تمرير مرشحي حقائب الداخلية والدفاع والتربية والعدل، بعد مفاوضات معقدة، يبدو أنها لم ترض الإيرانيين، بعدما استبعدت مرشحهم المفضل فالح الفياض من المنافسة على منصب وزير الداخلية، لكنها لم ترض مقتدى الصدر أيضا، لأنها استبعدت كذلك مرشحه عبدالغني الأسدي، الضابط الكبير في جهاز مكافحة الإرهاب، للحقيبة نفسها.

وصدّق مجلس النواب، الإثنين، على تعيين ثلاثة أسماء رشحها رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي لشغل مناصب وزير الدفاع والداخلية والعدل، ولم يتبق سوى منصب واحد فقط شاغر بالحكومة وهو منصب وزير التعليم.

وأقر البرلمان تعيين نجاح الشمري وزيرا للدفاع وياسين الياسري وزيرا للداخلية وفاروق أمين وزيرا للعدل. إلا أنه رفض ترشيح سفانة الحمداني لمنصب وزيرة التعليم.

وأثارت شهور من الجمود في مساعي تشكيل الحكومة مخاوف من مزيد من التوترات في الدولة التي تكافح لإعادة البناء والتعافي بعد ثلاثة أعوام من الصراع مع تنظيم الدولة الإسلامية.

ويواجه عبدالمهدي مهمة شاقة أيضا تتمثل في حل المشكلات الاقتصادية المزمنة ونقص إمدادات المياه والكهرباء.

وقال نواب إن رئيس الوزراء سيقدم الخميس ترشيحا آخر لمنصب وزير التعليم كي يصوت عليه البرلمان.

وستظل حكومة عبدالمهدي حتى بعد استكمالها مفتقرة لدعم سياسي وحزبي واضح ورهينة صراع الأحزاب على المناصب والمكاسب، حيث تُجمع المصادر أن التحالف الهش بين تحالفي الإصلاح والبناء الذي شكل الحكومة العراقية، انهار سريعا بمجرد بدء مفاوضات توزيع المئات من المناصب التنفيذية الحيوية، التي يعد بعضها أهم من منصب الوزير، نظرا لارتباطها بملفات مهمة.

وترى الأحزاب السياسية أن هذه المناصب، وجميعها ما دون درجة وزير، ستضمن لمن يحصل عليها حضورا مؤثرا في هيكل الدولة التنفيذي، حتى إذا انهارت الحكومة، لذلك تدفع نحو التصويت على شاغليها في البرلمان، لمنحهم شرعية البقاء أطول مدة ممكنة.

ويقول مراقبون إن الطبقة السياسية العراقية تستغرق في عزلتها عن الشارع الذي يجهز لتظاهرات ربما تهدد وجود الحكومة والأحزاب نفسها، من خلال خوض صراعات سياسية على المناصب والحصص، لتعظيم مصادر تأثيرها داخل الجهاز التنفيذي لإدارة البلاد.

العرب

Print Friendly, PDF & Email