الأزمة الإيرانية في ميزان المصالح الروسية

الأزمة الإيرانية في ميزان المصالح الروسية

لا شك في أن المواقف الصادرة عن الإدارة الروسية بمختلف مستوياتها في الأيام الأخيرة تثير علامات استفهام كثيرة. فمن الموقف الذي أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقباله وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في سوتشي عشية إعلان إيران خفض مستوى التزاماتها بنود الاتفاق النووي المتعلقة بحجم مخزونها من اليورانيوم المخصب وإنتاج الماء الثقيل، بأن موسكو لا تلعب دور “الإطفائي” في الأزمات المشتعلة بين واشنطن وطهران، إلى المواقف الأخيرة التي أعلنها أمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف من مدينة القدس بعد القمة الثلاثية التي جمعته مع نظيريه الأميركي جون بولتن والإسرائيلي مئير بن شبات بشأن الأزمة السورية ورفضه الموقفين الأميركي والإسرائيلي باعتبار إيران “التهديد الرئيس على الأمن القومي”، وصولاً إلى اعتباره الغارات الجوية الإسرائيلية في سوريا التي تستهدف القواعد والمواقع التابعة للقوات الإيرانية وحلفائها على الأراضي السورية أنها أمر “غير مرغوب فيه”. وبعد المواقف التي أدلى بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد في موسكو والتي تضمنت موقفاً روسياً واضحاً من الأزمة الإيرانية – الأميركية، حيث دعا إلى ضرورة العودة إلى الحوار لقطع الطريق على حلول تستدعي اللجوء إلى القوة العسكرية، إذ إن ذلك قد يؤدي إلى أزمات جديدة في المنطقة.

وزيرا الخارجية الروسي والإماراتي قبيل مؤتمرهما الصحافي المشترك في موسكو في 26 يونيو الحالي (رويترز)
وفي محاولة لفهم هذا التطور والعودة الروسية إلى المواقف التصعيدية، يجب القول إن ارتفاع وتيرة التوتر والمواجهة بين واشنطن وطهران إلى حدود المواجهة العسكرية المفتوحة، خصوصاً بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني الطائرة المسيّرة الأميركية فوق مياه خليج عمان، دفع الإدارة الروسية إلى التحرّك من منطلق الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية على حد سواء، بخاصة أن هذه الإستراتيجية تقوم على مبدأ الحفاظ على توازن القوى بين اللاعبين على مساحة منطقة غرب آسيا، الأمر الذي يمنحها “ميزة” لعب دور الوسيط بين الدول المتنافسة أو المتصارعة، لذلك فإن إلحاق أي هزيمة بإيران “الحليف الذي لم يصل إلى مستوى الإستراتيجي لموسكو” يعني بالنسبة إلى القيادة الروسية اختلال ميزان القوى لمصلحة واشنطن وحلفائها، ما ينعكس سلباً على تحقيق موسكو أهدافها وسياساتها في هذه المنطقة، لذلك لم يكن مستغرباً، وانطلاقاً من هذه الهواجس، أن تعتمد موسكو هذا الموقف الذي يتسم بنوع من التشدد والانتقاد الشديد للسياسات الأميركية ضد إيران، وتحديداً في مسألتَي الاتفاق النووي والوجود الإيراني على الساحة السورية.
القيادتان الروسية والإيرانية لم تبذلا جهداً سياسياً كبيراً لإخفاء الأبعاد التي قام عليها الاتفاق العسكري بينهما، الذي أدى إلى اتخاذ الكرملين قرار الدخول المباشر في الحرب السورية إلى جانب النظام وفي إطار الاتفاق على الرؤية الإيرانية، وإن قام أولاً على مبدأ الحفاظ على أمن دولة إسرائيل وعدم حصول اعتداءات عليها انطلاقاً من الأراضي السورية، على ألا تقوم إسرائيل بأي عمل عسكري قد يؤدي إلى خلط الأوراق ويضع النظام السوري على طريق الزوال. وحرص الجانب الروسي على توضيح هذا الموقف للجانب الإيراني، انطلاقاً من اعتبارين، الأول هو التزامها العلاقات الثنائية مع تل أبيب والقوانين الدولية، والثاني وجود جالية كبيرة من اليهود الروس يصل عددهم إلى مليوني شخص تقريباً يشكلون جزءاً أساسياً من القوات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
قد يكون من مصلحة روسيا من الناحيتين الاقتصادية والتجارية أن تذهب واشنطن في عقوباتها ضد إيران إلى حدها الأقصى والأقسى، لأن عزل طهران وقطع علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع المجتمع الدولي، على الأقل في مجالَي النفط والغاز سيصبان في المصالح الروسية، من خلال فتح الطريق أمامها لتعويض الحصة الإيرانية من هاتين المادتين الإستراتيجيتين في الأسواق العالمية، إضافةً إلى الفائدة التي ستجنيها من خلال فتح قنوات تجارية ورفع مستوى التجارة البينية لتتجاوز قيمتها الـ 1.7 مليار دولار في الوقت الحالي.
إلا أن العودة الروسية إلى اعتماد لغة متشدّدة ورفع مستوى انتقاداتها لأسلوب الإدارة الأميركية في إدارة الأزمة مع إيران تأتي من المخاوف الروسية حيال ألا يقف التصعيد عند المستويات الكلامية والمواقف التصعيدية المتبادلة، وأن ينتقل إلى المستوى العسكري والمواجهة المباشرة، ما يعني أن تكون المصالح الروسية في مواجهة خطر الخسارة الحقيقية، خصوصاً أن مشاركتها في أزمات المنطقة – باستثناء الأزمة السورية والقائمة على الشراكة مع الإيراني، وضمن توازنات دولية وإقليمية قد تنقلب لغير مصلحتها في أي لحظة – و تجبرها في حال حصول المواجهة إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً وفعالية مما كان عليه موقفها في أزمة احتلال العراق في العام 2003 أو تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الأزمة اليوغسلافية 1998- 1999 أو ما تعتبره “خديعةً” تعرضت لها في الأزمة الليبية في العام 2011.
نتنياهو قبل القمة الثلاثية: إسرائيل لن تتنازل عن غور الأردن
ما يحرّك الموقف الروسي هو المصالح الإستراتيجية لإدارة الكرملين في إطار الحفاظ على الثوابت الدولية التي لا تتعارض مع هذه المصالح، وهي تطمح إلى توظيف المعطيات التي تشهدها منطقة غرب آسيا تحديداً والساحة الدولية عموماً في تعزيز طموحاتها بالعودة إلى تكريس دورها كأحد أقطاب التأثير في القرارات الدولية وحلّ النزاعات. وتسعى موسكو إلى فعل ذلك أيضاً في النزاع الأميركي – الإيراني، بما يساعدها على العودة كقوة عالمية، مدركةً أن الفشل في احتواء الأزمة الإيرانية قد يتحول إلى عامل يؤثر سلباً في هذه الطموحات وهذه الإستراتيجية.
هذه الهواجس التي تصل إلى حد المخاوف لدى الإدارة الروسية من احتمال تراجع دورها وتأثيرها في أزمات الشرق الأوسط، قد تكون وراء الرهانات المعقودة على ما ستخرج به القمة الثنائية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتن على هامش قمة العشرين في أوساكا اليابانية، والتي مهّدت لها بمواقف تصعيدية أدت إلى انتهاء قمة “القدس” بين مسؤولي الأمن القومي في روسيا وأميركا وإسرائيل إلى نتيجة غير واضحة، باستثناء التمسك الروسي باستمرار الوجود الإيراني في سوريا تحت سقف الضمانات السابقة والقديمة التي قدمتها موسكو إلى تل أبيب. كما تبنّى لافروف مفردات الموقف الإيراني من قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي والتحذير من الوقوع في مستنقع المواجهة العسكرية. ولعلّ الأخطر في موقف لافروف هو دعوة دول الخليج وإيران إلى الاتفاق على إرساء نظام أمني مشترك برعايةٍ من الدول الإسلامية ومجلس التعاون الخليجي والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي رؤية تختلف في آلياتها لكنها تتفق في نتيجتها مع دعوة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى عقد اتفاقية عدم اعتداء ومنتدىً أمني إقليمي.
يبقى أن التحوّل الروسي إلى اعتماد موقف متشدّد مما تتعرّض له إيران من إجراءات أميركية، لا بد من التوقف فيه عند تداعيات التطوّرات الأخيرة التي شهدتها محافظة إدلب والمعركة التي خاضها النظام السوري بدعم روسي وحياد إيراني، وانتهت بالدعوة إلى وقف النار بعد فشل الجيش السوري في تحقيق أيّ تقدم، بل أدّت إلى خسارة النظام مناطق كانت تحت سيطرته.

اندبندت