الاجتماع الأمني الثلاثي في القدس: الأهداف والنتائج

الاجتماع الأمني الثلاثي في القدس: الأهداف والنتائج

استضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يومي 24 و25 حزيران/ يونيو 2019، اجتماعات في القدس، ضمّت مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، وأمين مجلس الأمن القومي الروسي، نيكولاي باتروشيف، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات. وتناولت الاجتماعات قضايا إستراتيجية تمسّ المنطقة، وفي مقدمتها الوضع في سورية والوجود الإيراني فيها. ويدل عقد هذا الاجتماع في إسرائيل على عمق العلاقة التي أنشأها نتنياهو، خلال السنوات الأخيرة، مع كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. كما يشير أيضًا إلى الأهمية التي باتت تحتلها إسرائيل في استراتيجية القوتين الكبريين في المنطقة، وحرصهما الواضح على أمنها ومصالحها، في ترجمةٍ فعلية لتفاهم ترامب – بوتين في قمة هلسنكي في تموز/ يوليو 2018 على “إعطاء أولوية لضمان أمن إسرائيل”، وهو الأمر الذي فاخر به نتنياهو بأن اجتماع القوتين العظميين “في إسرائيل”، للبحث عن تسوية مسألةٍ معقدة مثل سورية، دليلٌ على المكانة الدولية التي تحظى بها. والأهم من ذلك، من وجهة نظرنا، في تقدير الموقف هذا، هو الاعتراف الدولي بالدور الإقليمي لإسرائيل. ما الأهداف التي سعى إليها الاجتماع؟ وما النتائج التي خرج بها؟ وهل يؤشّر إلى بداية تنسيق ثلاثي روسي – أميركي – إسرائيلي في المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بالأزمة السورية، وما موقع إيران منه؟
تفاهمات عامة

نظرًا إلى الطبيعة السرية التي اتسمت بها اجتماعات القدس، لم يكشف النقاب عن تفاصيل

“تناولت الاجتماعات قضايا إستراتيجية تمسّ المنطقة، وفي مقدمتها الوضع في سورية والوجود الإيراني فيها”
المحادثات بين الأطراف الثلاثة، أو النتائج التي توصلت إليها، لكن تسريبات وسائل إعلام إسرائيلية وغربية تحدثت عن أن النقاش الرئيس في الاجتماع تمحور حول استعداد واشنطن وتل أبيب للمساعدة في تأهيل النظام السوري، إقليميًا ودوليًا، في مقابل أن تساعد روسيا في إخراج القوات الإيرانية، والمليشيات المدعومة منها، من سورية، وهو العرض الذي سبق أن طرحه وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، خلال زيارته سوتشي في منتصف أيار/ مايو 2019، ولقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كما جرى طرح الموضوع بهذه الصيغة أيضًا خلال زيارة نتنياهو أخيرا لموسكو، مطلع نيسان/ أبريل 2019، والتي أنهت توترًا استمر ستة أشهر بين روسيا وإسرائيل، بعد أن تسببت إسرائيل في إسقاط طائرة روسية في أيلول/ سبتمبر 2018، خلال اشتباك فوق الساحل السوري. في تلك الزيارة، اقترح نتنياهو تشكيل “فريق مشترك للعمل على سحب جميع القوات الأجنبية من سورية”، إضافة إلى استئناف “التنسيق العسكري” بين الطرفين.

وعلى الرغم من أن اجتماعات القدس لم تحقق اختراقًا بخصوص مصير الوجود الإيراني في سورية، فإن الأطراف الثلاثة اتفقوا على تواصل الاجتماعات بينهم، للتفاهم على مستقبل سورية، وعلى ألا تكون سورية قاعدةً لتهديد جيرانها (والمقصود إسرائيل طبعًا)، وأن استقرار سورية يعتمد، في نهاية المطاف، على خروج القوات الأجنبية منها. كما جرى الاتفاق على أن تعزّز الرقابة على المناطق الحدودية السورية، لتقليص حجم الأسلحة التي تنقلها إيران عبر سورية إلى حزب الله في لبنان، وأن تستمر إسرائيل في التمتع بحرية العمل في الأجواء السورية لـ “حماية مصالحها”، بموجب التفاهمات القائمة مع الجانب الروسي، وذلك وفق وسائل الإعلام الإسرائيلية. كما تم الاتفاق على أن ترفع هذه التوصيات إلى الرئيسين، بوتين وترامب، خلال اجتماعهما على هامش قمة العشرين التي عقدت في أوساكا في اليابان، في الفترة 28 – 29 حزيران/ يونيو 2019.
المصالح الروسية

يبدو أن الاتفاق على عقد الاجتماع الأمني الثلاثي في القدس تم في أثناء زيارة نتنياهو أخيرا إلى روسيا، والتي قال نتنياهو إنها جاءت لشكر بوتين على الجهد الذي بذله في العثور على جثة الجندي الإسرائيلي في سورية وتسليمها إلى إسرائيل. ويبدو أن هدف بوتين من موافقته على عقد هذا الاجتماع في إسرائيل الحصول على دعم نتنياهو، وتأثيره لدى ترامب، من أجل دعم الجهد الروسي للتوصل إلى حل للمسألة السورية، بما يضمن إعادة تأهيل النظام السوري دوليًا، وهي الجهود التي كبحتها إدارة ترامب، بعد أن نجحت روسيا في إقناع بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين باستئناف علاقاتهما مع النظام السوري، ونقلت الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، على متن طائرة روسية في زيارته إلى دمشق في كانون الأول/ ديسمبر 2019.

وترى روسيا أن التعاون الإسرائيلي، ومن خلاله الأميركي، ضروري في المرحلة المقبلة، لترجمة مكاسبها الميدانية إلى نصر سياسي، وتحصينها عبر إعادة تأهيل النظام وجذب الاستثمارات اللازمة للبدء بإعادة الإعمار. ولا شك في أنها تأمل في أداء دورٍ في الوساطة السياسية، وليس فقط الأمنية، بين نظام الأسد وإسرائيل.

وتطرح روسيا أيضًا أفكارًا لإقناع واشنطن بالانسحاب من مناطق شرق الفرات، عبر صيغة تشمل انسحاب جميع القوات الأجنبية، بما فيها الإيرانية، من سورية. وهو الطرح الذي أعلنه بوتين، خلال زيارة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، موسكو، في أيار/ مايو 2018. وأعرب ترامب في نيسان/ أبريل 2018 ثم في كانون الأول/ ديسمبر 2018، عن رغبته

“ترى روسيا أن التعاون الإسرائيلي، ومن خلاله الأميركي، ضروري في المرحلة المقبلة”
في سحب القوات الأميركية من سورية، لكن إدارته تراجعت في المرتين، بسبب ضغط إسرائيل ومعارضة البنتاغون، ما أثار امتعاض موسكو التي كانت تأمل في انسحاب واشنطن بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وعودة النظام إلى السيطرة على هذه المنطقة الواسعة والغنية بمواردها الطبيعية.

وخلال الاجتماع الثلاثي، عرضت روسيا التوصل إلى اتفاقٍ تسحب واشنطن بموجبه قواتها من شرقي سورية بالتنسيق مع موسكو، على أن تضبط قوات النظام السوري المدعومة بالقوات الروسية الأمن في هذه المناطق، وتستمر في مواجهة بقايا تنظيم داعش، في مقابل تحديد الوجود العسكري الإيراني في سورية، وإبعاده عن الحدود “الإسرائيلية” لمسافة 100 كم، في المرحلة الأولى، تمهيدًا لإنهائه تمامًا بمجرّد التوصل إلى حل للمسألة السورية.

ومنذ تدخلها العسكري في سورية في أواخر أيلول/ سبتمبر 2015، توصلت روسيا إلى تفاهماتٍ مع إسرائيل، احترمت بموجبها خطوطها الحمراء، وأكّدت مرارًا أنها تتفهم مصالح إسرائيل الأمنية في سورية، وتأخذها في الحسبان. وفي الوقت نفسه، اعتبرت روسيا الوجود العسكري الإيراني شرعيًا، وأنه جاء استجابة لطلب النظام السوري، وأن إيران كانت شريكًا مهمًّا لها في الحرب في سورية. ولكن مع تمكّنها من حسم الجزء الأكبر من الصراع العسكري لصالح النظام، تقلصت الحاجة إلى دور إيران ومليشياتها في سورية، كما بدأت تظهر، في الفترة الأخيرة، تناقضاتٌ جدّية بين المصالح الإيرانية والروسية في سورية، وقد يفسر هذا الأمر امتناع طهران عن المشاركة في الهجوم الجاري حاليًا على إدلب. كما حاولت روسيا، في الفترة الأخيرة، تعزيز نفوذها في أجهزة النظام السوري على حساب إيران، وخصوصا الجيش السوري والأجهزة الأمنية، تمهيدًا للمرحلة المقبلة التي تستدعي التوصل إلى تسويةٍ في سورية لإعادة إعمارها.
الموقف الإسرائيلي

تولي إسرائيل أهمية كبرى للوجود العسكري الإيراني في سورية، وتزعم أنه يمثل الخطر الأكبر عليها اليوم، وبات اهتمامها بالتصدّي له، على الأقل لجهة الخطاب، يتقدّم على اهتمامها بوقف المشروع النووي الإيراني. وتتهم إسرائيل إيران بأنها لا تسعى فقط إلى الحفاظ على النظام السوري، وهو ما تتفهمه إسرائيل، وتتسامح معه، وإنما تسعى أيضًا إلى إقامة وجود عسكري دائم في سورية، ما يمكّنها، إذا أرادت، من فتح جبهةٍ عسكريةٍ ضد إسرائيل من سورية، إلى جانب لبنان، لتشكلا معًا قوة ضغط على إسرائيل، في حال تعرّضت إيران لهجوم. وترى إسرائيل أن هذا يسهم في تحقيق تواصل إقليمي بري من إيران وحتى لبنان مرورًا بالعراق وسورية؛ ما يمكّن إيران من نقل أسلحة نوعية وتحريك قوات عسكرية إلى سورية ولبنان متى شاءت.

وقد تمكّنت إسرائيل، بالتنسيق والتعاون مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، من

“تولي إسرائيل أهمية كبرى للوجود العسكري الإيراني في سورية، وتزعم أنه يمثل الخطر الأكبر عليها اليوم”
الحد من محاولات إيران إنشاء وجود عسكري دائم ذي أهمية في سورية، من خلال مئات الغارات التي قامت بها ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية، على امتداد الأعوام الماضية. ولكن إسرائيل لم تعد تطمح إلى معالجة مسألة الوجود العسكري الإيراني في سورية فحسب، وإنما تطمح أيضًا إلى أداء دور في تحديد مستقبل سورية. وعلى الرغم من أن إسرائيل سعت إلى إطالة أمد الحرب السورية أطول فترة ممكنة، وإلى استثمارها لانتزاع اعترافٍ أميركي بضم الجولان السوري المحتل إليها في مرحلة حكم ترامب، فقد باتت تتجاوب، في الفترة الأخيرة، مع المساعي الروسية لإيجاد تسوية في سورية، تضمن بقاء الأسد في الحكم تحت النفوذ الروسي، شريطة أن يتم تقليص الوجود العسكري الإيراني وتحجيمه، على أمل إبعاده نهائيًا، بعد التوصل إلى تسويةٍ نهائيةٍ للصراع في سورية. ويرجّح أن تسعى إسرائيل، في مقابل اعترافها بنظام الأسد، والمساعدة في إعادة تأهيله دوليًا، إلى إنشاء قنوات اتصال عسكرية سرّية للتنسيق معه بشأن قضايا الأمن والحدود.
الموقف الأميركي

بعد القضاء على الجزء الأكبر من قدرات تنظيم داعش، ينحصر الاهتمام الأميركي، في المرحلة الراهنة في سورية، في تهميش النفوذ الإيراني، وتحقيق الاستقرار في مناطق شرق الفرات عبر دعم قوات سورية الديمقراطية، ومنع حصول صداماتٍ بينها وبين تركيا. وفي حين يرغب ترامب في الانسحاب سريعًا من المنطقة، تريد إدارته أن يتم ذلك بموجب تفاهمٍ يؤدّي أيضًا إلى تقليص وجود إيران العسكري في سورية، وإنهائه كليًا في نهاية المطاف. وسوف يعتمد النجاح في تحقيق هذا الهدف على مدى تعاون روسيا. ولذلك وافقت واشنطن على فكرة عقد الاجتماع الثلاثي في القدس، باعتبار أن ذلك يمثل فرصة لمناقشة تفاصيل العرض الذي قدمه بومبيو في لقائه أخيرا ببوتين في سوتشي في أيار/ مايو 2019، والذي تضمّن استعدادًا لمقايضة الاعتراف ببقاء الأسد في مقابل إخراج إيران من سورية.
خاتمة

لم يخرج اجتماع القدس الثلاثي الأمني باتفاقات حاسمة، لكنه فتح الباب أمام حصول تنسيقٍ أكبر بين الأطراف الثلاثة بشأن الوضع السوري ومصير الوجود الإيراني فيها. ومع اتفاق الأطراف على الاجتماع مجدّدًا، فالأرجح أن يتحول هذا المسار الثلاثي إلى مسار جديد من مسارات إدارة الصراع في سورية، ريثما يتم التوصل الى حل نهائي له. وحتى ذلك الوقت، من المتوقع أن تستمر روسيا في ضبط الدور العسكري الإيراني في سورية، وأن تستمر في السماح لإسرائيل بحرية العمل فيها، على أمل أن تنتزع موافقةً أميركيةً وإسرائيليةً ببقاء النظام السوري، وإعادة تأهيله وفرض الحل السياسي الذي يتوفق ورؤيتها.

أصبح هناك مساران دوليان للتعاطي مع الشأن السوري حاليًا، أحدهما ثلاثي: روسي – إيراني – تركي، والثاني ثلاثي كذلك: روسي – إسرائيلي – أميركي. تغيب إسرائيل عن الأول، وتغيب إيران عن الثاني، وتحضر روسيا في المسارين، ويغيب العرب والسوريون عن المسارين كليهما.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

Print Friendly, PDF & Email