ما دمره داعش من آثار، تستعيده الطباعة ثلاثية الأبعاد

ما دمره داعش من آثار، تستعيده الطباعة ثلاثية الأبعاد

للثقافة جنودها القادرون دائما على الفوز على أعدائها، هم لا يستخدمون أسلحة ولا متفجرات بل أفكارا وتقنيات تجعل الحياة تستمر بعيدا عن الظلام، من ذلك مشروع الفنون والثقافة الرقمية لشركة “غوغل” ومتحف الحرب الإمبراطوري بلندن الذي يبحث في معرض له كيفية تدمير الحرب للنسيج الثقافي للمجتمعات وكيفية إنقاذ ما يدمره المتطرفون بطرق مبدعة.

لندن – يمثل شكل أسد يزأر، بحجم رغيف الخبز، آخر خطوة في المعركة للحفاظ على الثقافة التي دمرها الصراع الذي أججه الدواعش في العراق.

ويعتبر التمثال نسخة طبق الأصل من تمثال ضخم يبلغ عمره 3000 عام من معبد عشتار في نمرود قرب الموصل.

كان التمثال الحجري واحدا من العديد من القطع الأثرية التي تنتمي لمتحف الموصل الذي دمره تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن اجتاح المدينة في عام 2014.

وتم تصميم نسخة “أسد الموصل” طبق الأصل، والتي يمكن رؤيتها الآن على الإنترنت، من الصور التي تم الحصول عليها من زوار متحف الموصل وطُبعت بطريقة ثلاثية الأبعاد كجزء من مشروع الفنون والثقافة الرقمية لشركة “غوغل”.

ويتم عرض نسخة “أسد الموصل” في متحف الحرب الإمبراطوري بلندن في معرض يبحث في كيفية تدمير الحرب للنسيج الثقافي للمجتمعات، وفي الخطوات المبدعة والبطولية التي يتم اتخاذها في الكثير من الأحيان للحفاظ عليها.

وقالت تشانس كوغنور، عالمة الآثار الرقمية في مشروع “غوغل آرتس آند كلتشر”، إن المعرض “يسلط الضوء على إمكانات التكنولوجيا، سواء من حيث الحفاظ على الثقافة رقميا، أو رواية القصص المذهلة حول طرق تكنولوجية جديدة في الحفاظ عليها”، كما يوضح المعرض حقيقة مؤسفة، وهي أن الثقافة كانت منذ فترة طويلة ضحية للصراع، وغالبا ما يستهدف المقاتلون المتاحف والآثار وحتى الموسيقى. وقال منسق متحف الحرب الإمبراطوري، باريس آغار، الأربعاء، “تستهدف الحروب تدمير الثقافة، لكن المعرض يبعث برسالة مفادها، أننا (الحروب) انتصرنا عليك، وفرضنا قوتنا عليك، ذلك لأن الثقافة تعني الكثير بالنسبة لك”.

المشاريع المدعومة دوليا لتدريب الحرفيين وعلماء الآثار في سوريا والعراق تساعد على إعادة ما ضاع من كنوز تاريخية

وكان الدليل على مدى الارتباط القوي بين الناس وبين المباني التاريخية والأعمال الفنية، الرعب الذي امتد في جميع أنحاء العالم في شهر أبريل بسبب مشهد حريق كاتدرائية نوتردام في باريس.

أما الأحداث التي كانت أكثر إثارة للصدمة مما يفعله هؤلاء الذين يدمرون الثقافة فهي، سرقة بعض الأعمال الفنية التي تعود للنازية، وفيديو تدمر فيه طالبان تمثال بوذا باميان في أفغانستان، والذي يبلغ من العمر ألف عام، وأيضا لقطات لمقاتلي داعش وهم يدمرون بعض التماثيل الثقيلة في متحف الموصل.

ويغطي المعرض قرنا من الدمار، ابتداء من تدمير الجيش الألماني لجامعة لوفان ومكتبتها في بلجيكا أثناء الحرب العالمية الأولى، إلى قصف المكتبة الوطنية والجامعية في سراييفو أثناء الحرب البوسنية في عام 1992.

كما يظهر الدمار الذي حدث عام 1940 لكاتدرائية كوفنتري في إنكلترا على يد القوات الجوية الألمانية “لوفتفافه”، إلى جانب تدمير كنيسة “فراون كيرشه” في درسدن شرق ألمانيا جراء قصف الحلفاء عام 1945، لكن تمت إعادة بناء كليهما لاحقا بطرق مختلفة جدا، حيث تم بناء كاتدرائية حديثة إلى جانب أطلال كاتدرائية كوفنتري القديمة، وتم بناء كنيسة درسدن من جديد بعد الاستعانة بالمخططات الأصلية.

وتروي صور الدمار قصصا عن المقاومة والإنقاذ، حيث يقدم المعرض محاولات “رجال الآثار” إنقاذ الأعمال الفنية التي نهبها النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية، ويحكي كذلك قصة خالد الأسعد، وهو عالم كرس حياته لدراسة موقع تدمر القديم في سوريا، ولكنه قُتل على يد داعش في عام 2015.

وقد بذلت بعض الجيوش جهودا لمنع النهب والدمار، حيث أنشأ الجيش البريطاني مؤخرا وحدة لحماية الممتلكات الثقافية، ويتضمن المعرض مجموعة من “بطاقات التوعية بعلم الآثار” الموزعة على القوات الأميركية في العراق وأفغانستان.

قد تساعد المشاريع المدعومة دوليا لتدريب الحرفيين وعلماء الآثار في سوريا والعراق على إعادة ما ضاع.

وقد اتخذ القانون الدولي خطوات صغيرة نحو تقديم المخالفات الثقافية للعدالة.

وفي عام 2016، أُدين المتطرف الإسلامي أحمد الفقي المهدي بتدمير المواقع الثقافية للتراث العالمي في تمبكتو في مالي، وتعتبر أول إدانة لجرائم التدمير الثقافي من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

يقول آجار “لقد كانت الموروثات الثقافية دائما جزءا من الحرب، كل ما تغير في السنوات الأخيرة هو الوعي ومحاولة إيقاف تدميرها وسرقتها”.

ويعتبر العرض واحدا من ثلاثة معارض أُقيمت في المتحف تحت عنوان “كلتشر أندر أتاك” (الثقافة تحت القصف)، أما المعرض الثاني فيقدم كيفية قيام المتاحف البريطانية بإخلاء كنوزها ومقتنياتها من لندن لإبقائها آمنة خلال الحرب العالمية الثانية، وما هي المقتنيات التي تركتها وراءها.

ويقدم المعرض الثالث، وهو “ريبيل ساوندز”، الموسيقى باعتبارها مقاومة، ويصور محبي موسيقى الجاز السريين في ألمانيا النازية، وبعض الرعاع وهم يتقاتلون من أجل الحق في الاحتفال خلال “المشكلات” العنيفة في أيرلندا الشمالية، وتبني محطة إذاعية في بلغراد حرية التعبير وموسيقى التكنو الصربية في حرب التسعينات، وصورا لبعض الموسيقيين في مالي الذين رفضوا حظرا إسلاميا على الموسيقى.

يُفتح معرض “كلتشر أندر أتاك” الجمعة ويستمر حتى 5 يناير القادم، والدخول مجاني.

العرب

Print Friendly, PDF & Email