التخزين في عرض البحر… استراتيجية إيرانية قديمة لتهريب النفط

التخزين في عرض البحر… استراتيجية إيرانية قديمة لتهريب النفط

“إيران تخزّن النفط على ناقلات بحرية لتهريبه مع عودة العقوبات”، تصدَّر هذا العنوان مانشيتات الصحف في 11 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، وبالفعل كانت هذه بداية الأزمة الخانقة التي تعيشها إيران منذ إعلان العقوبات الأميركية التي تستهدف تصفير صادرات النفط الإيراني.

هذا التقرير الذي نشرته وكالة “بلومبيرغ”، سلَّط الضوء في وقت مبكر على الآلية التي تتبعها إيران حالياً في الالتفاف على العقوبات الأميركية، والتي لفتت انتباه شركات تتبع مسارات السفن العملاقة الناقلة للنفط إلى الاستراتيجية الإيرانية، التي أعلنت بالفعل تكدّس السفن المحملة بالنفط الإيراني في الوقت الحالي بعرض البحر.

وذكرت الوكالة، أن “إيران بدأت تخزين النفط على أسطولها من الناقلات بالبحر مرة أخرى مع فرض عقوبات أميركية على الدولة المتهمة بتمويل الإرهاب، لتحيي بذلك إيران استراتيجيتها القديمة في تهريب النفط”.

وأوضحت أن “تراكم النفط الخام بمنطقة التخزين العائمة في البحر بإيران يشير إلى فعّالية العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على النفط الإيراني”.

ويشير تراكم التخزين العائم حجم التحديات التي تواجهها طهران للعثور على مشترين، لأن جميع مشتري النفط الإيراني أوقفوا بشكل كامل الواردات منها، في حين أن المصافي الأوروبية تتراجع.

انخفاض حاد بصادرات نفط طهران
وفي تقرير حديث، أعلنت شركة “كبلر” لبيانات الطاقة، أن “تشديد العقوبات الأميركية أدى إلى انخفاض حاد لصادرات إيران من النفط الخام في يونيو (حزيران) الماضي”.

وأوضح التقرير أن “واشنطن أنهت إعفاءات من العقوبات كانت ممنوحة لكبار المشترين التقليديين للخام الإيراني، لكن قلة من تلك الدول تواصل استيراد كميات كبيرة”.

وبلغ إجمالي كميات النفط الخام التي حملتها إيران في نهاية يونيو (حزيران) 532 ألف برميل يومياً فقط، ما يزيد على 95% منها تُرك على متن سفن بالخليج شرقي الإمارات، مقارنة مع 984 ألف برميل يومياً في مايو (أيار) الماضي.

واتجه معظم الصادرات إلى تركيا والهند، خصوصاً الصين، التي تقول “كبلر”، إنها “استوردت 186 ألف برميل يومياً”.

وقدرت “كبلر” حجم صادرات إيران إلى الدول الثلاث بنحو 242 ألف برميل يومياً، مقارنة مع إجمالي صادرات قدره 300 ألف برميل يومياً، أو أقل، وفقاً لتقديرات مصادر في القطاع ومتتبعي حركة الناقلات.

46.1 مليون برميل المخزون البري في مايو الماضي
وفي منتصف مايو (أيار) الماضي، أظهرت بيانات حديثة لشركة “كايروس”، المتخصصة في رصد التدفقات النفطية، أن “المخزون البري في إيران بلغ 46.1 مليون برميل، من سعة إجمالية تبلغ 73 مليون برميل، ليسجل أعلى مستوياته منذ منتصف يناير (كانون الثاني)”.

ووفقاً لوكالة “رويترز”، أشارت بيانات الناقلات ومصادر بالقطاع إلى أن “صادرات إيران النفطية تراجعت في مايو (أيار) إلى 500 ألف برميل يومياً أو أقل، وهو ما يزيد على نصف المستوى المسجّل في أبريل (نيسان)”.

يأتي ذلك بعد إعلان واشنطن في مايو (أيار) الماضي، إنهاء الإعفاء من العقوبات الذي منحته إلى بعض كبار مستوردي النفط الإيراني، وهو ما نال من مصدر الدخل الأكبر لطهران.

وأوضحت الوكالة أن “مخزونات النفط الإيرانية تزداد في البر والبحر بفعل العقوبات الأميركية على الصادرات، وجهود طهران المضنية للإبقاء على حقولها المتقادمة قيد التشغيل وعلى تدفق الخام”.

لكن وفي ظل بنية تحتية ضعيفة وأسطول سفن متقادم بسبب عزلتها المتزايدة، فإن إيران ستحتاج إلى تخزين كميات النفط غير المبيعة إلى أن تعثر على مشترين.

وأظهرت البيانات أن “المخزون البري في إيران بلغ 46.1 مليون برميل، من سعة إجمالية 73 قدرها مليون برميل، ليسجل أعلى مستوياته منذ منتصف يناير (كانون الثاني)”.

فيما أشارت بيانات أخرى إلى أن “هناك 16 ناقلة إيرانية، تحمل نحو 20 مليون برميل، يجري استخدامها للتخزين العائم بعد أن ظلت ساكنة ما بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع”.

وفي شهر مارس (آذار) الماضي، قالت مصادر مطلعة، إن “إيران تسعى إلى تعزيز أسطولها عن طريق مشتريات سرية لناقلات مستعملة بعد توقف مباحثات لشراء سفن جديدة، وهو ما أبقى على خيارات أقل لطهران”.

سيناريو يتكرر مع كل عقوبات
وأشارت دراسة حديثة، أعدَّها مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة تحت عنوان “كيف تتبع الشركات الدولية السلوك الإيراني تجاه العقوبات؟”، إلى أن “إيران تُصر على أن بمقدورها مواصلة مبيعاتها من النفط الخام للأسواق الدولية رغم العقوبات الأميركية المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني منذ نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، التي تحظر صادرات الخام والمنتجات المكررة الإيرانية لكل دول العالم”. وربما يمكن تفسير ذلك بأن طهران قد يكون لديها من الأساليب التي ربما تمكّنها من تجاوز العقوبات الأميركية، وذلك مثلما جرى عليه الأمر عند تشديد العقوبات الدولية عليها خلال الفترة بين عامي 2012 و2015.

وقالت الدراسة إن “إيران لجأت مؤخراً إلى استخدام مجموعة من الأساليب لإخفاء وجهات شحنات من النفط المنقولة عبر البحر، ولعل أهمها إغلاق أنظمة التتبع لناقلاتها والمعروفة بنظام (إيه. آي. إس)، وهو نظام تتبع آلي متصل بالأقمار الصناعية تستخدمه السفن”.

لكن بموجب القانون الدولي، فإن السفن التجارية ملزمة بحمل أجهزة تتبع بالقمر الصناعي على متنها عند الإبحار إلى وجهاتها المختلفة حول العالم، وذلك من أجل تمكين السلطات البحرية من تحديد مواقع السفن وتحسين السلامة البحرية، وهو أمر ينطبق أيضاً على ناقلات النفط والغاز الطبيعي.

وطبقاً لشركات تتبع السفن، فقد بدأت طهران في إيقاف تشغيل أنظمة التتبع الآلي لناقلاتها منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حتى بات معظم أسطول الناقلات الإيرانية غير قابل للتتبع، في أمر يُعرف في مجال الشحن البحري بـ”التعتيم الكامل” للسفن.

وقامت إيران بعمليات تمويه أخرى لإخفاء وجهات صادراتها، ومنها إرسال إشارات لا سلكية إلى مواقع تحميل خاطئة، وتغيير أعلام السفن، ونقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، إضافة إلى إجراء تعديلات مستمرة على مواعيد الناقلات، وهذا كله ما قد يعقّد من عملية تتبع الناقلات ومعرفة وجهات الشحنات المنقولة.

ما الأسواق التي تستهدفها إيران في عمليات التهريب؟
وكشفت بيانات شركات تتبع السفن بالفترة الأخيرة عن ثمة ملامح أساسية متعلقة بالسلوك الإيراني في تهريب منتجات النفط للأسواق الدولية، إذ إن الأسواق الآسيوية، لا سيما الصين، هي الملاذ الرئيس لمبيعات النفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية.

وإلى جانب الرفض الصيني العقوبات الأميركية أحادية الجانب، يمثل الخام الإيراني خياراً جاذباً لمصافي النفط الصينية، لا سيما مع تقديم طهران مزيداً من الخصم على المبيعات وتسهيلات للسداد، إلى جانب تحمّل تكلفة النقل والتأمين للعملاء. وعليه، واصل بعض الشركات الصينية استيراد النفط الإيراني، حتى بعد إلغاء الإعفاءات الأميركية لصادرات النفط الإيرانية في مايو (أيار) الماضي.

وطبقاً لما رصدته شركة “تانكر تراكز” الأميركية، فقد جرى نقل عدد من شحنات الخام الإيراني إلى الصين في الفترة الأخيرة، ومنها شحنة تابعة إلى الشركة الوطنية للنفط الإيرانية، بمقدار مليون برميل لأحد عملائها في الصين، وهو “مجمع جين کشي للتكرير والبتروكيماويات”، وذلك على متن الناقلة “سؤز مكس سالينا”، وغادرت محطة جزيرة خارج الإيرانية في 24 مايو (أيار) الماضي.

مسارات بحرية مباشرة
وعادةً ما تُنقل شحنات النفط الإيراني للعملاء في الصين عبر اتباع الناقلات مسارات بحرية مباشرة، إلا أنه في بعض الأحيان تُنقل الشحنات إلى مضيق “ملقا” بالقرب من سواحل ‏ماليزيا البحرية، على أن تُحمّل على سفن وناقلات أخرى لتصل إلى وجهاتها النهائية في الصين لاحقاً. كما يجرى في  بعض الأحيان نقل النفط الإيراني من سفينة إلى أخرى في المياه الواقعة بين سريلانكا وجزر المالديف وفقاً لبيانات تتبع السفن.

ومن المحتمل أن تستقبل أوروبا في القريب العاجل أول ناقلة محملة بالنفط الإيراني وذلك منذ أواخر عام 2018 مع تطبيق العقوبات الأميركية على طهران. وطبقاً لوحدة “لويدز مارين إنتليجنس” البريطانية، فقد رُصِدَت ناقلة نفط تدعى “غريس 1” ترفع علم بنما، وعلى متنها مليونا برميل من النفط الإيراني، وغادرت الخليج العربي في 14 مايو (أيار) الماضي، وفي طريقها إلى أن تعبر مضيق جبل طارق، وصولاً إلى أوروبا في 4 يوليو (تموز) الحالي، ولعل ذلك يأتي بعد أيام قليلة من بدء الاتحاد الأوروبي تفعيل آلية “أنسيتكس” بهدف تفادي العقوبات الأميركية، وذلك في 28 يونيو (حزيران) الماضي.

اندبندت

Print Friendly, PDF & Email