منظومة أس-400 تعمق الخلاف الأمريكي-التركي

منظومة أس-400 تعمق الخلاف الأمريكي-التركي

أعلنت وزارة الدفاع التركية الأحد استمرار وصول معدات منظومة “أس 400” الدفاعية الروسية إلى البلاد، لليوم الثالث على التوالي.وقالت الوزارة -في بيان نشرته على حسابها في موقع تويتر- “يستمر شحن معدات منظومة أس 400”. وفي هذا الإطار هبطت طائرة سابعة في قاعدة مرتد الجوية بالعاصمة أنقرة.

والجمعة، أعلنت وزارة الدفاع التركية وصول أول مجموعة من أجزاء منظومة “أس 400” الروسية إلى مطار عسكري في أنقرة.من جانبها، قالت مصادر دبلوماسية روسية إن عملية تسليم منظومة الصواريخ “أس 400” إلى تركيا ستتم على ثلاث دفعات؛ الأولى والثانية جوا والثالثة بحرا.وتعد منظومة “أس 400” واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي تطورا بالعالم حاليا، وهي من إنتاج شركة “ألماز-أنتي”، المملوكة للحكومة الروسية.

ودخلت المنظومة الخدمة في الجيش الروسي عام 2007، وتعد ترقية لمنظومة الدفاع الجوي “أس 300″، التي تم تطويرها في تسعينيات القرن الماضي.وأعلنت وزارة الدفاع التركية في تغريدة أن “التسليم… يتم كما هو مقرر”. وأرفقت التغريدة بصور تظهر وصول المعدات إلى قاعدة مرتد الجوية قرب أنقرة، وبدأت عملية التسليم الجمعة. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: ما هي الظروف البيع الروسي والشراء للتركي لصواريخ “إس 400″؟

 وضعت الأحداث التي جرت في سوريا بعد ثورة 2011 البلدين في موقعين متناقضين، فقد وجدت فيها روسيا فرصة لتطبيق استراتيجيتها العسكرية الثابتة في الوصول إلى المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط، وكذلك تطبيق استراتيجيتها السياسية في دعم الأنظمة الدكتاتورية ضد أي شكل من أشكال التغيير الجماهيري، أما تركيا فوجدت نفسها في الموقع الداعم للمعارضة السورية بعد أن رفض النظام أي تسوية سياسية وخاض حربا دموية ضد المتظاهرين، ومثّلت لحظة إسقاط تركيا لطائرة سوخوي 24 روسية عام 2015 ذروة المواجهة بين البلدين، وفتح ذلك الباب لتوتّر سياسيّ شديد بينهما ولإقرار موسكو عقوبات مؤثرة على بعض قطاعات الاقتصاد والسياحة التركيين.
شكّل استنكاف إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، (إضافة إلى حلف «شمال الأطلسي»)، وكذلك الاتحاد الأوروبي، عن دعم تركيا في المواجهة المذكورة، في بدء رسم خطّ سياسيّ جديد في تركيّا، ساهمت أيضاً في تشكّله، تراكمات كثيرة، منها موقف الولايات المتحدة الأمريكية الداعم لميليشيات حزب العمال الكردستاني في سوريا، الذي تعتبره أنقرة تهديدا كبيرا لأمنها ولوحدة كيانها السياسي، ورفض خططها لتشكيل «منطقة آمنة» داخل سوريا، غير أن النقطة الفاصلة كانت محاولة الانقلاب العسكريّ التي جرت في تموز/يوليو 2016، والتي لم تقم الدول الغربية بإدانتها بسرعة، كما أن شكوكا كثيرة انتابت الأتراك حول إمكانيّة وجود موافقة أمريكية على ذلك الانقلاب، فيما تدوولت انباء أن الاستخبارات الروسية، في المقابل، قامت بإبلاغ جهاز الاستخبارات التركي باحتمال وقوع الانقلاب قبل ساعات من حدوثه.

ترى تركيا أن هذا النظام يمثل ضرورة استراتيجية في وقت تواجه فيه تهديدات على حدودها الجنوبية مع سوريا والعراق. وتقول إنها عندما أبرمت صفقة النظام الصاروخي أس- 400 مع روسيا لم تقدم لها الولايات المتحدة وأوروبا بديلا مناسبا.وقالت تركيا إن النظام الروسي يحقق توقعاتها من ناحيتي السعر والتكنولوجيا، وإنها تأمل في التعاون مع روسيا في تطوير الجيل الجديد من هذا النظام، وهو منظومة أس- 500، وكذلك الاستفادة من نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.وتقول أنقرة إن صواريخ أس- 400 لا تمثل تهديدا مباشرا للجيش الأميركي. واقترحت تشكيل مجموعة عمل فنية يمكن أن تضم حلف شمال الأطلسي لبحث المخاوف الأميركية من الأثر المحتمل لهذا النظام على الطائرات المقاتلة الأميركية أف35-. وتقول تركيا إن الولايات المتحدة لم ترد على اقتراحها حتى الآن.

وتعارض الولايات المتحدة الصفقة، وتقول إن النظام الصاروخي الروسي لا يتوافق مع شبكة دفاع حلف شمال الأطلسي، وإن هذه الصواريخ يمكن أن تمثل خطرا على الطائرات الأميركية المقاتلة الشبح أف – 35 التي تصنعها شركة لوكهيد مارتن، وهي الطائرات التي تساعد تركيا في صناعتها وتعتزم شراءها أيضا.

علاوة على ذلك تخالف الصفقة التركية تشريعا أميركيا يعرف بقانون التصدي لخصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات، وهو قانون يقضي بأن تفرض واشنطن عقوبات على الدول التي تشتري معدات عسكرية من موسكو.ومن شأن صفقة الصواريخ أيضا تعقيد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وذلك من خلال زيادة التوترات مع أنقرة في وقت تمارس فيه واشنطن ضغوطا على المستوى الدولي لعزل إيران عبر وقف صادراتها النفطية.كانت تركيا مشتريا كبيرا للنفط الإيراني منذ زمن لكنها أوقفت شراءه حتى الآن. وهناك أيضا خلافات بين الولايات المتحدة وتركيا بشأن الصراع في سوريا وقضايا أخرى.

في محاولتها لإقناع تركيا بالتخلي عن الصواريخ الروسية، عرضت الولايات المتحدة أن تبيع لها نظام باتريوت للدفاع الصاروخي الذي تصنعه شركة ريثيون الأميركية. وقال وزير الدفاع التركي إن مسؤولين أتراكا وأميركيين دخلوا في مناقشات حول قضايا السعر ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك في العرض الأميركي الذي تلقته أنقرة في أواخر مارس الماضي. غير أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق حتى الآن. وقدمت أيضا عدة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي بطاريات صواريخ باتريوت لحماية حدود تركيا الجنوبية خلال الصراع في سوريا.

قالت واشنطن مرارا إن تركيا ستواجه “عواقب حقيقية وسلبية” إذا مضت قدما في شراء النظام الصاروخي الروسي، تشمل وقف شراء الطائرات أف35- وكذلك مشاركتها في برنامج صناعة الطائرة وتعرضها لعقوبات بمقتضى قانون التصدي لخصوم أميركا من خلال العقوبات.وإذا أبعدت الولايات المتحدة تركيا عن برنامج المقاتلة أف- 35 وفرضت عقوبات على شريكتها في حلف شمال الأطلسي فسيكون ذلك واحدا من أكبر الخلافات بين البلدين في التاريخ الحديث.

ومع ذلك عبّر رجب طيب أردوغان مرارا عن ثقته في علاقته مع الرئيس دونالد ترامب الذي أبدى تعاطفا مع الموقف التركي. وفي اجتماع مع أردوغان في يونيو حمّل ترامب إدارة الرئيس السابق باراك أوباما مسؤولية الفشل في مساعدة تركيا في الحصول على صواريخ باتريوت عوضا عن النظام أس- 400.من الناحبة النظرية، بإمكان الرئيس الأميركي عدم تطبيق قانون التصدي لخصوم أميركا من خلال العقوبات، أو إرجاء تطبيقه. ومع ذلك قال مسؤولون أميركيون إن إدارة ترامب ما زالت تعتزم فرض عقوبات على تركيا واستبعادها من برنامج المقاتلة أف- 35.

إقرار عقوبات أمريكية على تركيا سيكون سلاحا ذا حدّين، فهو سيعني مزيدا من التباعد السياسي والعسكري بين واشنطن وأنقرة، وهذا يعني بالضرورة مزيدا من التقارب بين تركيا وروسيا، وهو أمر إذا تصاعد سيشكّل معادلة جديدة غريبة، فتركيا، المنضوية تحت راية حلف «شمال الأطلسي»، والتي تشكل ثاني أكبر قوة عسكرية فيه بعد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ستعتمد أكثر فأكثر على التعاون العسكري مع روسيا التي لا تكفّ عن إظهار تحدّيها العلنيّ لأي تقدّم يقوم به «الناتو» في أوروبا أو في أماكن أخرى، وهذه المعادلة العسكريّة ستدفع الغرب إلى خيارين صعبين: إما التخلّي عن تركيا لصالح روسيا مع ما قد يشكّله ذلك من إخلال كبير بموازين القوى في أوروبا وآسيا، أو محاولة استعادتها مع ما يستلزم ذلك من تفهّم واقعيّ للأسباب التي دفعت إلى هذه المعادلة الجديدة.

وحدة الدراسات التركية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email