ما هي خيارات المجتمع الدولي لمواجهة القرصنة الإيرانية

ما هي خيارات المجتمع الدولي لمواجهة القرصنة الإيرانية

أدى احتجاز إيران ناقلة نفط، تحمل العلم البريطاني، في مضيق هرمز الجمعة الماضي، إلى تصعيد التوتر في المنطقة، كما وضع المجتمع الدولي أمام اختبار اتخاذ القرار الذي ستكون له تداعيات بعيدة المدى. وبينما يتطلع البريطانيون لحسم قرار من سيكون رئيس الوزراء الذي سيخلف تيريزا ماي لمعرفة الخطوة القادمة، ترى واشنطن أن على دول العالم أن تدافع على أمن سفنها من مخاطر القرصنة الإيرانية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لن تستطيع بمفردها للحفاظ على سلامة السفن في الخليج.

لندن- أعلنت إيران الاثنين أنها ألقت القبض على 17 جاسوسا يعملون لحساب وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) وحكمت على بعضهم بالإعدام. ولا تعدّ مثل هذه الإعلانات أمرا غريبا في إيران وكثيرا ما يكون هدفها الرأي العام المحلّي. لكن التوقيت يشير إلى أن طهران تتعمّد التصعيد مع القوى الغربية، خاصة بعد الهجمات الأخيرة على ناقلات بالقرب من مضيق هرمز، والتي كان أحدثها اختطاف ناقلة تحمل العلم البريطاني، في عملية قرصنة تضع المجتمع الدولي أمام معادلة صعبة بخصوص الرد على إيران، وما سينجرّ عنه في المستقبل من تداعيات إما تردع إيران وإما تدفعها نحو مزيد من التصعيد.

عندما صعّدت الإدارة الأميركية ضد إيران، في الفترة الماضية، سواء من خلال تواتر العقوبات أو من خلال الإعلان عن توجيه ضربة عسكرية، ردّت إيران بلهجة هادئة أنها لا تريد الحرب.

وتكفّل بهذه المهمة الرئيس حسن روحاني، الذي غالبا ما يتولّى الحديث عندما تكون هناك رغبة في الترويج لخطاب التهدئة وتجميل صورة إيران.

لكن، بمجرّد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرار التراجع عن توجيه الضربة العسكرية لإيران في اللحظات الأخيرة، تغيّر الخطاب الإيراني، وصمت حسن روحاني ليتقدّم الصفّ المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والحرس الثوري الإيراني، الأول متوجها للداخل الإيراني بخطاب المقاومة وشعارات الشيطان الأكبر وأميركا المترددة، والثاني بنشر الفوضى في مضيق هرمز والخليج العربي وصولا إلى اختطاف السفن.

ويأتي خطف الحرس الثوري للناقلة ستينا إمبيرو، التي ترفع علم بريطانيا، وطاقمها، في مضيق هرمز، ضمن هذا التصعيد، الذي تراهن عليه طهران من أجل توجيه رسالة إلى الداخل الإيراني، الذي بدأ يُظهر تململا من النظام برمّته، وأيضا توجيه رسالة متعددة العناوين إلى الخارج، سواء الحلفاء في الاتفاق النووي أو الولايات المتحدة والمجتمع الدولي كما أذرع إيران في المنطقة. وتراهن إيران في تحركاتها على حقيقة أن العالم اليوم متردّد إزاء فكرة المخاطرة بحرب عسكرية بالمفهوم التقليدي للحرب المدمّرة.

توحي التحرّكات الإيرانية الأخيرة للمتابع بأن مصدرها واثق من نفسه ومن قدراته على المواجهة وتحمّل تبعات هذا التصعيد، الذي وصل حدّ نزول أفراد من الحرس الثوري الإيراني من طائرات هليكوبتر واحتجاز ناقلة بريطانية في مضيق هرمز، ردّا على احتجاز بريطانيا لناقلة نفط إيرانية قبل أسبوعين.

لكن بالعودة إلى التجارب السابقة، كما تحليل عمق الوضع الإيراني، يكشفان أن هذه القوة الظاهرة ليست سوى نمر من ورق، وأنّ جزءا كبيرا منها مستمد أساسا من حالة الارتباك الدولية والانقسام الواضح بين صانعي القرار الدولي من جهة، وتعدّد جبهات الأزمات في الشرق الأوسط والعالم من جهة أخرى، من أزمة تركيا وصواريخ أس-400 إلى الحرب التجارية وسياسات ترامب المركّبة.

على مدى سنوات، نجح النظام الإيراني في فرض سيطرته في الداخل من خلال شعارات المقاومة وخطاب المظلومية المبنيّ على مؤامرة الشيطان الأكبر، وحلفائه، ضد الدولة الإيرانية ومشروعها القومي واستهداف حقها في امتلاك السلاح النووي.

لكن، في السنوات الأخيرة، مع تغيّر المعطيات إثر توقيع إيران الاتفاق النووي، وتوغلها عسكريّا في المنطقة، بدأت طهران تجني الآثار الجانبية لهذا التغيير، وكلما تمددت في الخارج ضاق الوضع في الداخل.

واليوم، يجد النظام الإيراني أنصارا له في اليمن والعراق وسوريا أكثر من داخل البلاد، حيث تقاتل جماعات تحت راية هذا النظام في حين بدأ أغلبية الشعب الإيراني، المكوّن من 60 بالمئة من الشباب، في إظهار تمرّده، حتى أن الأمر وصل به لرفع شعارات مطالبة بإسقاط النظام للمرة الأولى منذ الثورة الإيرانية في سنة 1979.

ووجدت إيران في التطوّرات الأخيرة فرصة لإعادة ترتيب الصفّ الداخلي، سواء بالترغيب أو الترهيب، خاصة وأنه يوما يعد يوم يقترب اختبار تغيير المرشد الأعلى.

ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ترى لجنة من الخبراء أن هوية الرجل الذي سيخلف خامنئي كمرشد أعلى للثورة الإسلامية ستشير إلى اختيار طهران بين المواجهة أو التفاوض مع جيرانها وواشنطن.

ويسيطر المرشد الأعلى الذي يمثّل الشخصية الدينية والسياسية العليا على القوات المسلحة والحرس الثوري ووزارة الداخلية ويدير سياسة إيران الخارجية. ويقرأ المتابعون الخطاب الإيراني ضمن سياق الرغبة في شراء الوقت. ويشير مهدي خلجي، الخبير في الشؤون الإيرانية، في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إلى أن خامنئي يريد أن يترك إرثا لضمان بقاء النظام لفترة طويلة بعد رحيله.

وتقول باربرا سلافين، وهي مديرة مبادرة مستقبل إيران في المجلس الأطلسي في واشنطن، إن الدولة العميقة ستعمل على اختيار شخص من شأنه أن يحفظ مراكز قوة النظام واستمراره.

ومثل هذا الاختيار كان سيكون سهلا في سنوات سابقة أما اليوم، وفي ظل حالة الاحتقان الداخلي نتيجة الأوضاع الاقتصادية، فسيكون الأمر أصعب.

من هنا، عاد الترويج لخطاب القوة المزعومة وانتهاك القوانين الدولية، فما يهم النظام الإيراني اليوم هو ضمان صلابة الأرض من تحت أقدامه، خاصة وأنه يعلم أن المجتمع الدولي، وحلفاءه الأوروبيين، بشكل خاص، يسعون مثلها إلى شراء الوقت في انتظار الانتخابات الأميركية في سنة 2020، علّها تدفع بترامب خارج البيت الأبيض.

في سياق استعراض القوة، أعلنت إيران أنها ألقت القبض على 17 جاسوسا يعملون لحساب وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) وحكمت على بعضهم بالإعدام، الأمر الذي نفاه البيت الأبيض، فيما رد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بأن لإيران تاريخ من الكذب”.

وأضاف بومبيو، في تصريحات نقلتها شبكة “فوكس نيوز” الإخبارية الأميركية، “إنه جزء من طبيعتهم.. الكذب على العالم”.

وعرض التلفزيون الرسمي الإيراني صورا قال إنها لضباط في وكالة المخابرات المركزية الأميركية كانوا على اتصال بالجواسيس المشتبه بهم.

وقالت وزارة الاستخبارات في بيان أذاعه التلفزيون الرسمي أن الجواسيس السبعة عشر اعتقلوا خلال السنة الفارسية التي انتهت في مارس 2019.

وذكر تقرير آخر أنّ أحكاما بالإعدام صدرت على بعضهم. ولا تعدّ مثل هذه الإعلانات أمرا غريبا في إيران وكثيرا ما يكون هدفها الرأي العام المحلي. لكن التوقيت يشير إلى أن طهران قد تشدّد موقفها في مواجهة مع القوى الغربية أثارت مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.

وعلق ترامب على خبر اعتقال الجواسيس بقوله “إنه ليست سوى مزيد من الأكاذيب والدعاية (مثل إسقاط الطائرة المسيرة) يطلقها النظام المتدين الذي يفشل بشكل كبير ولا يدري ما يفعل”.

وقال “اقتصادهم ميت، وسيتدهور أكثر. إيران في حالة سيئة للغاية”.

وفرضت واشنطن العقوبات على إيران بعد انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق الذي وقّعه سلفه باراك أوباما، والذي أتاح لإيران الدخول في نظام التجارة الدولية في مقابل فرض قيود على برنامجها النووي. وأصبحت دول أوروبية بينها بريطانيا عالقة وسط الأزمة. فقد اختلفت هذه الدول مع قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي، لكنها لم تتمكّن حتى الآن من منح إيران طريقة أخرى للحصول على المنافع الاقتصادية التي تلقت وعدا بها في إطار الاتفاق.

وتستفيد إيران في سياساتها من الوضع الدولي المضطرب، نتيجة سياسات ترامب وبسبب تداعيات أخرى مثل البريكست وأزمة الاتحاد الأوروبي الداخلية والحرب التجارية. وبالتالي، فإن تواصل هذه الأزمات هو ما تحتاجه إيران بالضبط لا الحرب التي ستكون هي من أكبر الخاسرين فيها. وفي فشل واشنطن في تجييش المجتمع الدولي وإقناعه بضرورة المشاركة في تكوين تحالف لحماية السفن في مضيق هرمز من التهديدات الإيرانية، دافع أيضا يقوي حالة الاندفاع الإيرانية.

خطوة بريطانيا المقبلة

ردّا على موجة الهجمات الأخيرة في الخليج التي اتّهمت إيران بالوقوف وراءها، قررت الولايات المتحدة تأمين حركة ناقلات النفط في المنطقة للتخفيف من خطر حوادث محتملة في المستقبل. وستتضمن العملية نشر سفن حربية وطائرات دوريات إضافية، بالإضافة إلى تجهيز ناقلات النفط التي تمر عبر المنطقة بكاميرات وعدد من أجهزة المراقبة الأخرى.

لم تلاق الدعوة الأميركية استجابة سريعة، خاصة من حلفاء واشنطن التقليديين، على غرار بريطانيا، التي تجد نفسها اليوم أمام اختبار مصيري لدبلوماسياتها وعموم سياستها، مع تواصل احتجاز طهران للناقلة البريطانية. وقد وجدت واشنطن في العملية الأخيرة فرصة لتوجيه نقد ضمني للدول التي لم تلبّ النداء لطلبها لمواجهة عمليات القرصنة الإيرانية.

وقال مايك بومبيو في تعليقه على احتجاز الناقلة البريطانية إنه يتعيّن على بريطانيا “تحمّل مسؤولية حماية سفنها بنفسها”. وتواجه بريطانيا حليفة إيران في الاتفاق النووي، المشغولة باختيار رئيس وزراء جديد خلفا لتيريزا ماي، تحديات في الرد. ويقول خبراء في شؤون المنطقة إنه لا توجد خطوات واضحة كثيرة تذكر يمكن لبريطانيا أن تتخذها في هذا الظرف المضطرب.

ويترقب البريطانيون، وإيران، والعالم، الإعلان عن هوية رئيس الوزراء البريطاني الجديد، لمعرفة الخطوة القادمة.

وتبدو حظوظ بوريس جونسون الأوفر، وهو رجل لا يمكن التنبؤ بسياساته، ويفضّل الولايات المتحدة على أوروبا. وتطالب بعض الشخصيات البارزة، مثل إيان دنكان سميث، بمعرفة ما إذا رفضت بريطانيا عرضا أميركيا قدّم لمساعدتها لتجاوز هذه الأزمة. تصارع بحرية المملكة المتحدة لإيجاد حل، وراج حديث عن إرسال دعم إضافي من سلاح الجو الملكي البريطاني.

وقال باتريك وينتور، الكاتب في صحيفة الغادريان، إن الوضع في الخليج يعني أن المملكة المتحدة تواجه اختبارا لتحالفاتها وقوتها.

كما أحيا احتجاز الناقلة ستينا إيمبيرو وعجز البريطانيين في الحيلولة دون حصول ذلك النقاش داخل المملكة المتحدة حول قوتها العسكرية.

ورأى العميد البحري المتقاعد أليكس بورتون في حديث لقناة بي.بي.سي أنه “لا شكّ بأن تقليص عتاد البحرية الملكية منذ عام 2005، وخفض عدد مدمراتها وفرقاطاتها من 31 إلى 19 اليوم، كان له أثر على مدى قدرتنا على حماية مصالحنا في كافة أنحاء العالم”.

العرب

Print Friendly, PDF & Email