خان شيخون بوابة دمشق لفرض معادلة جديدة في إدلب

خان شيخون بوابة دمشق لفرض معادلة جديدة في إدلب

دمشق – تحقق القوات الحكومية السورية تقدما صوب بلدة خان شيخون الاستراتيجية الخاضعة لسيطرة الفصائل المقاتلة والجهادية، وسيعني استعادة المنطقة انعطافة حاسمة ليس فقط ميدانيا بل وأيضا سياسيا.

وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على تصعيد قصفها على مناطق في شمال غرب سوريا، تعمل القوات الحكومية بغطاء جوي روسي على التقدم ميدانيا داخل محافظة إدلب.

وتتعرض إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة منذ 30 أبريل لقصف عنيف من قبل الجيش السوري وحليفته روسيا. وتكثّف القصف منذ نحو أسبوع في ريف إدلب الجنوبي، بعدما اقتصرت غالبية الاشتباكات على ريف حماة الشمالي المجاور منذ بدء التصعيد.

ويسعى الجيش للسيطرة على خان شيخون في محاولة لفصل ريف إدلب الجنوبي عن ريف حماه الشمالي حيث توجد فصائل مقاتلة وإسلامية أبرزها جيش العزة، وهذا السيناريو المتمثل في تقسيم مناطق المعركة إلى كانتونات سبق وأن تم انتهاجه في معركة الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق وقبلها حلب.

وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن إن القوات الحكومية “باتت الأربعاء على بعد أربعة كيلومترات من خان شيخون من جهة الغرب، ولم تعد تفصلها عن المدينة إلا أراض زراعية”.

وفي المنطقة الواقعة شرق خان شيخون، تدور الأربعاء معارك عنيفة بين القوات الحكومية من جهة وهيئة تحرير الشام والفصائل المعارضة من جهة ثانية، في ظل محاولات القوات الحكومية السيطرة على تلة استراتيجية تقع على بعد نحو ستة كيلومترات من المدينة.

وقال عبدالرحمن إن المدينة “أصبحت عمليا بين فكي كماشة من جهتي الشرق والغرب”. وتمكنت القوات الحكومية الأربعاء من السيطرة على خمس قرى غرب خان شيخون، قريبة من بلدة الهبيط التي سيطرت عليها الأحد بعد معارك شرسة ضد هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) وفصائل إسلامية ومعارضة.

وأوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن السيطرة على هذه القرى تمّت “بعد القضاء على آخر تجمعات إرهابيي تنظيم جبهة النصرة والمجموعات التابعة لها فيها”.

وتتزامن المعارك مع قصف كثيف وغارات سورية وأخرى روسية على ريف إدلب الجنوبي، حيث قتل مدني في قرية معرة حرمة إثر غارة روسية.

وتسببت الغارات والمعارك بحركة نزوح واسعة من المناطق التي لا تزال تضم مدنيين. وأفاد شهود عيان عن توجه عشرات السيارات والحافلات المحملة بالسكان وحاجياتهم من المنطقة الجنوبية باتجاه مناطق الشمال التي لا يشملها التصعيد.

وقرب مدينة سرمدا شمالا، قال أبوأحمد (55 عاما) الذي فرّ مع عائلته من مدينة معرة النعمان “الطيران يقصف والمدفعية تقصف.. والحالة سيئة جدا”.

وتابع بحسرة “نريد النجاة بأرواحنا.. تركنا الغنم وتركنا بيوتنا وهربنا” بعدما طال القصف في الأيام الأخيرة المدينة.

وقالت زوجته أم أحمد التي جلست قربه في سيارته من طراز بيك آب وهي تحمل طفلين صغيرين “تركنا بيتنا وأملاكنا وأرضنا المليئة بالمحاصيل من البطيخ والعنب والتين”.

ومنذ بدء القوات الحكومية تصعيدها على إدلب ومحيطها، باتت مناطق بأكملها خصوصا في ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي شبه خالية من سكانها. وأحصت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 400 ألف شخص هربا من القصف والمعارك.

وأوقعت المعارك المستمرة بين الطرفين الأربعاء وفق المرصد 27 مقاتلا من الفصائل الجهادية والمقاتلة مقابل 14 من الجيش والمسلحين الموالين له.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على الجزء الأكبر من محافظة إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة. كما تنتشر فيها فصائل إسلامية ومعارضة أقل نفوذا.

ومنطقة إدلب ومحيطها مشمولة باتفاق روسي تركي منذ سبتمبر 2018، نصّ على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مناطق سيطرة الحكومة والفصائل. كما يقضي بسحب الفصائل المقاتلة أسلحتها الثقيلة والمتوسطة وانسحاب المجموعات الجهادية من المنطقة المعنية. إلا أنه لم يتم استكمال تنفيذه، وسط اتهامات لأنقرة بالمماطلة.

وأرسى الاتفاق هدوءا نسبيا، قبل أن تبدأ دمشق تصعيدها منذ نهاية أبريل وانضمت إليها روسيا لاحقا، ما تسبب بمقتل 820 مدنيا وفق المرصد، ودفع أكثر من 400 ألف شخص إلى النزوح، بحسب الأمم المتحدة.

وأعلنت دمشق مطلع الشهر الحالي موافقتها على وقف لإطلاق النار استمر نحو أربعة أيام، قبل أن تقرر استئناف عملياتها العسكرية، متهمة الفصائل بخرق الاتفاق واستهداف قاعدة حميميم الجوية التي تتخذها روسيا مقرا لقواتها في محافظة اللاذقية الساحلية.

ويعتقد على نطاق واسع أن الهدنة التي تم التوصل إليها خلال اجتماع كازخستان الأخير لم تكن سوى مناورة الهدف منها إرباك الفصائل الجهادية، وأن هناك اتفاقا روسيا تركيا يقضي بعودة إدلب إلى الحكومة السورية.

وإلى جانب كونها كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي، يمّر في خان شيخون وبلدات مجاورة في إدلب جزء من طريق استراتيجي سريع، يقول محللون إن دمشق ترغب في استكمال سيطرتها عليه.

ويشكل الطريق شريانا حيويا يربط بين أبرز المدن تحت سيطرة الحكومة من حلب شمالا مرورا بحماة وحمص وسطا ثم دمشق وصولا إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

ويقول الباحث في مركز عمران للدراسات نوار أوليفر إن دمشق وموسكو “لن تترددا في السيطرة على كل ما ستتمكنان من قضمه” في إدلب.

ويضيف “تسعى قوات النظام ومن خلال الدعم الروسي الكبير ليس فقط إلى فتح الطريق الدولي، ولكن فرض واقع جديد على المنطقة والفصائل وحليفتها تركيا، واستخدامه كأداة أو سلاح في أي عملية تفاوض حالية أو مستقبلية”.

العرب

Print Friendly, PDF & Email