الصحافة العربية… رحلة الغروب

الصحافة العربية… رحلة الغروب

ليس جديداً أن نتحدث عن حجم الكتابات المعاصرة حول مستقبل الصحافة عموماً والعربية خصوصاً، وأعني بها هنا الصحافة الورقية تحديداً، فما أكثر الصحف التي أغلقت طبعاتها الورقية في الوطن العربي وخارجه واستأذنت القراء في ضرورة الانتقال إلى العصر الرقمي بكل دلالات الحداثة واحتمالات التغيير الذي هو سنة الحياة وطبيعة الكون الذي يمضي إلى الأمام دائماً، ولا يمكن أن توقفه تيارات معينة أو تعرقل تقدمه أفكار قديمة، وعلى الرغم من أنني أنتمي إلى جيل الصحافة الورقية كاتباً وقارئاً لعقود عديدة فإنني مؤمن أن التطور يفرض نفسه وأن الوقوف أمام حركة التاريخ يبدو كالانتحار على عجلات القطار، ولقد قالوا قديماً لكل زمان آية، وآية هذا الزمان الصحافة، ذلك لأن الصحوة العربية قد ارتبطت بالنهضة الصحفية، بل إن الثقافة المصرية الحديثة قد ولدت بالإسهام المشترك بين جيل الرواد المصريين وجيل الرواد القادمين من الشام من مختلف الديانات والأعراق بدءاً من الأخوين “تقلا” و”جورج زيدان” و”خليل مطران” و”روزاليوسف” وغيرهم من الكواكب التي سطعت في سماء الأدب والشعر والفن، والتي جرى تجسيدها في صحافة العصر حتى أن العواصم العربية كانت تنتظر وصول (الرسالة) التي كان يصدرها “أحمد حسن الزيات” في مصر، وكانت تشكل للعراقي والسوري والمغربي وأبناء الجزيرة والخليج مصدراً للمعرفة يسهم في الاستنارة مع إصدارات أخرى من دول عربية متعددة، ولقد ازدهرت الصحافة العربية مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين فصدرت “الأهرام” منذ ما يقرب من مائة وخمسين عاماً حيث صدرت أعدادها الأولى من مدينة الإسكندرية التي كان “الشوام” يفضلونها ويشعرون بقربها من مزاجهم الساحلي، وبرزت أسماء كبيرة تكتب في الصحافة من مختلف الأقطار العربية حيث الثقافة هي الجامع الأكبر الذي يلتف حوله العرب برغم خلافاتهم والضغوط الخارجية عليهم والمشكلات الداخلية التي تحيط بهم فضلا عن النزعات القطرية والانتماءات المحلية، ولقد عرفنا لسنوات طويلة أهمية الصحافة في حياتنا حتى أن مؤرخاً كبيراً بحجم الراحل “يونان لبيب رزق” اعتبر أن صحيفة الأهرام هي ديوان الحياة المعاصرة.ولا شك أن الذي يريد أن يتعقب الأحداث والشخوص والمواقف، فإن عليه أن يمضي وراء الصحف وأعدادها التي صدرت مرتبطة بمناسبات معينة أو وقائع مهمة، ولكن واقع الحال يشير إلى أن الأمور قد تغيرت وأن التكنولوجيا الحديثة قد قدمت للقارئ بديلاً عن الصحافة الورقية بأخرى مقروءة بطريقة أكثر يسراً وربما جاذبية أيضاً، وها نحن المنتمون إلى أجيال ارتبطت بالورق نشد الرحال صادقين نحو الصحافة الإلكترونية إيماناً منا بأن ذلك هو التطور الطبيعي وأنه لا يجب أن يعوم المرء ضد التيار، وأسمح لنفسي هنا بإبداء بعض الملاحظات:

أولاً: إن المعركة ليست يسيرة بين الصحافة الورقية في مرحلة غروبها والصحافة الإلكترونية في بدايات شروقها، فالمواجهة محتملة والصدام قادم عند نقطة معينة تمثل الفارق بين أجيال مضت وأجيال جديدة تتجه نحو المستقبل، فأنصار الصحافة الورقية لا تزال لديهم عواطف قوية تجاهها وهم لا يتصورون معرفة الأخبار بدون الصحيفة الورقية التي تأتيهم كل صباح التي تعودوا عليها لعقود طويلة حتى ارتبطت لديهم بفنجان القهوة أو قدح الشاي، ثم إن للورق جاذبية حميمة لدى من يتعاملون معه ويرتبطون بالكلمات المطبوعة فوقه.

ثانياً: إن المواجهة محسومة لصالح تيار التقدم الذي يبارك ميلاد الصحافة الإلكترونية ويرى أنها هي المستقبل وأنه من غير المستحب أن يظل البعض رافضاً لها خصوصاً أن المرء عدو ما يجهله، لذلك فإن الذين يبتعدون عن الصحافة الإلكترونية إنما لأنهم لم يتعودوا عليها ولم يتعاملوا طويلاً معها كما أن الإنسان مرتبط بماضيه وهناك دائماً حنين للورق الأصفر والأخضر والأبيض والعلاقة التاريخية الحميمة مع الصحيفة أو المجلة، من هنا فإن المقاومة أحياناً تكون صعبة والتمسك بالماضي شديداً.

ثالثاً: إن الأجيال الجديدة التي ارتبطت بعالم الإنترنت وتعودت على التعامل مع الشاشة الصغيرة سوف تكون منحازة بالضرورة لمسار التقدم ومستجيبة للطبعات الإلكترونية من الصحف والمجلات، لأنه لا مناص من المضي مع التيار الجارف لتدفق المعلومات السريع الذي يتغير كل دقيقة ويعطي للمتابع كل ميزات الصحيفة الورقية، بل وأكثر منه فضلاً عن تدفق المعلومات والقدرة على متابعة الأحداث وهو أمر لم يكن ميسوراً منذ عدة عقود، فالصحافة الإلكترونية تمضي مع منظومة متكاملة في إطار تكنولوجيا المعلومات وهو أمر يعزز وجودها ويبشر بامتداد تأثيرها كما أنه يجعلها مقترنة بالأجيال الجديدة ويشارك معها لحظة غروب الصحافة الورقية لا في الوطن العربي وحده ولكن في العالم كله.

رابعاً: يردد دعاة الحماس للصحافة الورقية أنها صحافة ودية تظل أمام قارئها كل الوقت وتبقى وثيقة كلما احتاج إليها وهذا قول مردود عليه، فالصحف الورقية تبلى وتتأثر بعنصر الزمن بينما الصحافة الإلكترونية تتطور مع التقدم التكنولوجي وظهور تقنيات جديدة للتسجيل والحفظ خصوصاً أن التقدم في هذا المجال يبدو كاسحاً بشكل ملحوظ، كما أن هذا التطور التكنولوجي قد أدى إلى أن يقرأ الناس في كل مكان من العالم ذات الأخبار في نفس الوقت وهو تطور غير مسبوق لابد أن نحتفي به وأن نتوقف عن مقاومته.

خامساً: تبقى نقطة مهمة وهي أهمية أن تظل الكتابة الإلكترونية بلغاتها الأصلية، فالصحيفة العربية المطبوعة لابد أن تكتب إلكترونياً باللغة العربية أيضاً حتى لا تهجر الأجيال الجديدة لغتها القومية تحت دعاوى التقدم التكنولوجي والتطور العلمي، ولقد لاحظنا في السنوات الأخيرة تهميشاً واضحاً للغة القومية وتدهوراً في مستوى الكتابة بها ولكن يظل الأمر مرهوناً بدرجة الحرص على اللغة العربية وتطوير أساليب الكتابة الإلكترونية بها لأننا بذلك نكون قد أسدينا للغة العربية وللصحافة الإلكترونية خدمة جليلة في ذات الوقت، وقد يكون في التقدم الإلكتروني علاج لضعف اللغة العربية ومحاولة للارتقاء بها من حيث الانتشار والتأثير لتواكب اللغات العالمية الأخرى المناظرة لها خصوصاً وأنها واحدة من اللغات الرسمية الكبرى في الأمم المتحدة.

هذه ملاحظات تدور حول غروب الصحافة الورقية وشروق الصحافة الإلكترونية وإن كنا نظن أنه ليس ثمة ما يمنع من وجودهما متوازيين مع نسبة أكبر بالضرورة للصحافة الإلكترونية باعتبارها صحافة المستقبل مع الاحتفاظ بنسبة محدودة من الصحافة الورقية تكريماً للماضي ودفعاً لمرحلة الانتقال بين النوعين من الصحافة الورقية والإلكترونية وإرضاءً لأذواق القدامى من الأجيال التي ارتبطت بالصحافة الورقية وأيضاً استعداداً لأذواق الأجيال الجديدة ممن يرتبطون بالصحافة الإلكترونية. إن المثقفين العرب يجب أن يتطلعوا جميعاً إلى هذا التحول بصورة إيجابية وأن يبتعدوا عن كل محاولة تؤدي إلى الإحساس بالغربة تجاه المستقبل وآلياته وتقنياته، ونحن هنا لا نقول وداعاً للصحافة الورقية ولكننا نقول مرحباً للصحافة الإلكترونية.

اندبندت العربي

Print Friendly, PDF & Email