تونس “المحايدة” أم “المنحازة” سؤال يُربك المتسابقين نحو قصر قرطاج

تونس “المحايدة” أم “المنحازة” سؤال يُربك المتسابقين نحو قصر قرطاج

منذ أن أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس عن قائمة المقبولين لخوض الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها والتي ستجرى في 15 سبتمبر القادم، بدأ المتنافسون حتى قبل إعطاء إشارة انطلاق الحملة الانتخابية التي ستكون من 2 سبتمبر إلى غاية 13 من الشهر نفسه يتسابقون نحو الظهور الإعلامي، قصد تقديم الملامح الكبرى لبرامجهم وتحديدا في ما يتعلق بالصلاحيات الدستورية المباشرة لمنصب رئيس الجمهورية المنحصرة في السياسة الخارجية والدفاع والأمن.

إلى حدود هذه اللحظة، وبعد أن سخّرت أهم وسائل الإعلام وخاصة منها التلفزيونية حيّزا هاما من برامجها، لتقديم المرشحين لجمهور الناخبين، بدت جلّ الأسماء المتسابقة نحو قصر قرطاج غير حاسمة بصفة نهائية في بعض النقاط التي تخصّ صميم مهام الرئيس المقبل.

رغم المجهودات المبذولة، من قبل مديري الحملات الانتخابية في ما يخص الجانب الاتصالي للمرشح، ظهر جزء هام من المرشحين وكأنه يخوض حملة انتخابية تخص منصب رئيس الحكومة وليس منصب رئيس الجمهورية، حيث ركّز جلّهم على البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وهي مهام توكل من الناحية الدستورية، لأحزاب الحكم الفائزة بالانتخابات التشريعية ولرئيس الحكومة الذي يتم التوافق حوله بين الكتل البرلمانية في ما بعد.

كيف ستصوغ السياسة الدبلوماسية وما هي توجهاتك في علاقة بالعلاقات الخارجية للبلاد في حال فوزكم بالرئاسة؟ هذا هو السؤال الذي بدا مُربكا بصفة تكاد كليّة لجميع المتنافسين، ورغم وجود بعض الاستثناءات، فإنّ خارطة التصوّرات بدت مُنقسمة إلى ثلاثة أشكال من الرؤى، حيث يوجد من يدافع عن وجوب بقاء تونس في خانة “الحياد التام” في علاقاتها الخارجية، ويرى جزء آخر أنّ الوقت قد حان لاتخاذ مواقف أكثر جرأة وتكون “منحازة”، فيما يذهب طيف آخر من المرشحين إلى الدفع نحو قلب القاعدة التقليدية للسياسة الخارجية التونسية، خاصة في علاقة بجيرانها وتحديدا في الملف الليبي.

تاريخيّا، تميّزت السياسة الخارجية للدولة التونسية منذ السنوات الأولى لبناء الدولة الوطنية إبان الاستقلال عن المستعمر الفرنسي في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بالحياد والحكمة والرصانة والعقلانية وعدم التهوّر، لكن مع اتخاذ خطوات جريئة في بعض القضايا العربية التي تهمّ خاصة القضية الفلسطينية، وتُرجم ذلك عقب القصف الإسرائيلي على تونس وتحديدا في منطقة حمام الشط، حين استهدفت قيادات منظمة التحرير الوطني الفلسطينية وعلى رأسها الراحل ياسر عرفات.

بدوره، حاول الرئيس الراحل مؤخرا الباجي قائد السبسي، العودة إلى هذه القاعدة الدبلوماسية “البورقيبية”، لإصلاح ما أفسدته فترة حكم “الترويكا” خاصة فترة الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، الذي خرج عن نواميس الدولة التونسية باصطفافه التام للمحور القطري – التركي في جل القضايا العربية والإقليمية.

العودة، إلى رؤى وتصوّرات المتسابقين اليوم لخلافة قائد السبسي في قصر قرطاج، فإنّ مجرّد جرد بسيط لمضامين خطابتهم السياسية يمكّنك، من الوقوف عند حقيقة قد تبدو ثابتة، وهي أنّ جلّ المرشحين فشلوا إلى الآن في اختبار “السياسة الخارجية”، وأنّ جلّهم يحصر الملفات الخارجية لتونس في قضيتين أساسيتين، العلاقة مع سوريا أو محاولة الظهور بخطاب معمّق بشأن الأزمة الليبية، دون تقديم حلول واقعية وملموسة أو التطرّق أيضا إلى ما يجب أن يكون عليه شكل العلاقات الخارجية الأخرى المعقّدة إقليميا ودوليا.

ويقول المرشح عبدالكريم الزبيدي، في حوار على قناة تلفزيونية محليّة، “أعدُ الناخبين إن نجحت في الانتخابات بإعادة العلاقات مع سوريا وإعادة فتح السفارة التونسية في دمشق، وكذلك إعادة نشاط السفارة السورية في العاصمة تونس”.

ويضيف بأنه سيتمسك بثوابت الدبلوماسية التونسية القائمة على احترام العلاقات المتبادلة مع الدول الصديقة والشقيقة، ومواصلة لعب دور الحياد والوساطة بين مختلف الفرقاء في مختلف البلدان التي تعيش حالة من التوتر.

وبنفس الطريقة تقريبا، يطرح المرشح الرئاسي محسن مرزوق رؤيته الدبلوماسية بقوله “حتما سنعيد العلاقات مع سوريا لإصلاح خطأ سابق اقترفه المنصف المرزوقي في عهد حكومة ‘الترويكا’ وذلك من أجل إخراج سوريا من عزلتها”.

لكنّ مرزوق يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في علاقة بليبيا، حيث يشدّد على وجوب الخروج من مفهوم “الحياد” واختيار الاصطفاف إلى جانب طرف ما، خاصة في ظل تواصل التهديدات المحدقة بليبيا مع وجود دعم تركي للميليشيات في طرابلس، وهو ما يتنافى مع قرارات مجلس الأمن الذي يمنع تسليح هذه المليشيات.

في المقابل، يوجد مرشحون آخرون أمثال اليساري والنقابي عبيد البريكي، الذي يدفع إلى وجوب الخروج من منطق الحياد في بعض القضايا الإقليمية وعلى رأسها القضية الليبية، لكن بقوله حرفيا لدى استضافته على قناة تلفزيونية محلية، “يجب أن نتعامل مع كل الأطراف في ليبيا”. وبدا مرتدا على موقفه وغير حاسم في مسألة العلاقات الخارجية، خاصة عندما قال “لا يجب على تونس أن تصطف وراء سياسة المحاور لكن يجب عليها الاختيار بين الفرقاء”.

ويرى مرشحون آخرون من بينهم حمة الهمامي، زعيم ائتلاف الجبهة الشعبية، وكذلك اليساري منجي الرحوي مرشح حزب الجبهة الشعبية (أسس حزب الجبهة الشعبية بعد خلاف مع الهمامي وخروج حزبه الوطنيين الديمقراطيين الموحد من ائتلاف الجبهة الشعبية) أنه آن الأوان، لتونس أن تتعامل مع شركائها الخارجيين، وخاصة دول الغرب بندية تامة خاصة في ما يتعلق بالاتفاقيات الاقتصادية والعلاقة مع صندوق النقد الدولي، وهو الجهة المالية المانحة رقم واحد في تونس مع تشبثهم بنفس الخطاب تقريبا المراهن على إعادة سوريا إلى محيطها العربي.

أما على الطرف الآخر، فإن مرشحين آخرين، أمثال محمد عبو، زعيم حزب التيار الديمقراطي، يطرحون برنامجا يقوم وفق تعبير عبو “على وجوب أن تكون السياسة الخارجية مركزة بصفة تامة على محيطها الأفريقي عبر تخصيص كل الممهدات اللوجستية للاستثمار في القارة”.

ويرجع عبو فشل الدبلوماسية التونسية إلى عدم كفاءة السفراء والدبلوماسيين الذين يصفهم أنهم عيّنوا بمنطق المحاباة، ورغم تأكيده على وجوب ترسيخ العلاقات المغاربية أي ليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا، فانه لم يحسم موقفه في ما يخص القضية الليبية رافعا فقط شعار التحاور بين الفرقاء.

أما مرشحو تيار الإسلام السياسي، وهم عبدالفتاح مورو مرشح حركة النهضة والرئيس الاسبق المنصف المرزوقي وسيف الدين مخلوف (مرشح إسلامي مستقل) وكذلك حمادي الجبالي، القيادي السابق بحركة النهضة (رئيس الحكومة في 2011-2013)، إضافة إلى الخبير الدستوري قيس سعيد المراهن على خزان التيار السلفي، فإنهم وعلى الرغم من تبنّيهم لخطاب ناعم يراهن على العلاقات الودية مع كل الأطراف، فإنهم يروّجون لقواعدهم خطاب مخالفا لما يعلنونه مفاده البقاء في المعسكر المصطف وراء المحور التركي-القطري.

ويقول عبدالفتاح مورو، في حوار تلفزيوني، إن “فزت بكرسي الرئاسة، فإن تونس ستبقى منفتحة على كل الأصدقاء وعلاقاتها وطيدة مع كل الأشقاء بلا استثناء وقائمة على التجدد خاصة في القارة الأفريقية”.

لكن معظم المتابعين للخطاب السياسي الانتخابي الذي تروّجه حركة النهضة لا يصدقون ما يتم ترويجه في الحملة الانتخابية، فالحركة الإسلامية مازالت لم تخرج من المحور التركي – القطري، وهي إلى الآن متمسكة على سبيل المثال بمعاداة النظام المصري، في إطار التعاطف مع جماعة الإخوان، ومازالت أيضا متباهية بالعلاقات مع تركيا ورافضة للتعامل مع سوريا.

بعد هذا الجرد البسيط لكل مواقف المرشحين، يبدو واضحا وبإجماع، كل المتابعين، أنهم نجحوا إلى حد ما في إقناع الناخبين في ما يتعلق بمضامينهم التي تخص السياسة الأمنية والدفاعية المعتمدة على اجترار شعارات مكافحة الإرهاب وكشف ملفات الإرهاب، فيما بقي السؤال المتعلّق بالحياد أو الانحياز غير محسوم ومفتوح على كل التأويلات، وغير مصطف إلى فائدة مشروع على حساب مشروع آخر.

العرب

Print Friendly, PDF & Email