“إحراق الشرق الأوسط”.. ماذا تريد إسرائيل من توسيع رقعة النار؟

“إحراق الشرق الأوسط”.. ماذا تريد إسرائيل من توسيع رقعة النار؟

في مطلع عام 1981، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتمي لحزب الليكود مناحم بيغن يدرك أنه سيواجه معركة بالغة الصعوبة للاحتفاظ بمنصبه خلال الانتخابات المقررة منتصف العام المذكور، وفي الحقيقة، فإن أحدا في إسرائيل -بمن فيهم بيغن نفسه- لم يكن يتوقع أن الليكود سيبقى في الحكم بعد انتخابات يونيو/حزيران في ظل المنافسة الشرسة المتوقّعة من التحالف العمالي بقيادة شيمون بيريز وإسحاق رابين، في وقت كان ائتلاف الليكود الحاكم يعاني فيه من صراع داخلي واسع إضافة إلى اتهامات كبيرة بالفساد، فضلا عن الضغوط الدولية بسبب المناوشات المستمرة للطائرات الإسرائيلية وقتها في أجواء لبنان.

في ذلك التوقيت، كانت استطلاعات الرأي تشير إلى هزيمة ساحقة متوقعة لحزب الليكود مع حصة من الأصوات لا تتجاوز 20% من إجمالي الأصوات الانتخابية، مقابل توقع ذهاب نصف تلك الأصوات تقريبا للتحالف العمالي المعارض، غير أن الليكود نجح خلال الأشهر الأخيرة قبيل الانتخابات في اتخاذ إجراءات علاجية سريعة لتحسين الموقف الشعبي المتردي للحزب عبر تعديل السياسات الضريبية لتحسن أوضاع شرائح كبيرة من الناخبين وزيادة الدعم على المنتجات النفطية، كما استغل(1) الحزب موقفه في السلطة لتعزيز سياسته العدائية في الأرض المحتلة وزيادة النشاط في الجنوب اللبناني، بالتزامن مع حملة إعلامية ضخمة ضد رموز التحالف العمالي لإظهارهم كأشخاص غير وطنيين حال أبدوا اعتراضهم على هذه السياسات.

آتت خطة الليكود أُكلها في تحسين مؤشرات أداء الحزب مع اقتراب موعد الانتخابات، لكنها لم تكن كافية لسد الهوة الضخمة مع منافسيه، وكان على الليكود أن يراهن على الورقة التي يُجيد زعماؤه توظيفها جيدا وهي “الأمن القومي”، وفي السابع من يونيو/حزيران، وقبل ثلاثة أسابيع فقط من موعد الانتخابات، منح بيغن تصريحا مفاجئا للطيران الإسرائيلي -بناء على إرشاد استخباراتي واسع النطاق- لشن ضربة جوية ضخمة عُرفت باسم العملية “أوبرا”(2)، أو العملية “بابل”، لاستهداف المفاعل النووي العراقي “أوسيراك” في قلب الأراضي العراقية على بُعد 17 كيلومترا فقط من العاصمة بغداد باستخدام سِرب من طائرات “إف – 16” المقاتلة المحملة بقنابل “مارك – 84” شديدة التدمير، وبعد أن نجحت الطائرات الإسرائيلية في المناورة عبر الأجواء الأردنية والسعودية، فإنها استطاعت في نهاية المطاف إمطار هدفها بوابل من القنابل المدمرة، قبل أن تنجح في خداع الدفاعات الجوية العراقية والعودة إلى إسرائيل بسلام.

ورغم ردود الفعل(3) الدولية السلبية تجاه العملية في الغرب، والغضب الكبير الذي أثارته في واشنطن إلى درجة أن إدارة الرئيس رونالد ريغان قررت التعبير عن استيائها عبر حظر تسليم سِرب من طائرات “إف – 16” إلى إسرائيل، قوبلت العملية باحتفاء كبير في إسرائيل، ومثّلت نجاحا هائلا للأجهزة الأمنية الاستخباراتية والعسكرية، ونجاحا سياسيا لحكومة الليكود بقيادة مناحم بيغن، لذلك ورغم أن الخطة في البداية كانت الحفاظ على سرية الضربة ومحاولة إخفاء مسؤولية إسرائيل عن العملية كما جرت العادة في الأنشطة الاستخباراتية الكبرى خارج الحدود، فإن حكومة بيغن لم تستطع مقاومة إغراء الاستفادة من الضربة لتحسين نقاطها السياسية في الانتخابات المقررة نهاية الشهر نفسه.

وفي هذه المرة، آتت سياسات بيغن أُكلها على الوجه الذي أراده تماما، ونجح الليكود في قلب موقفه الانتخابي والفوز بالاقتراع بفارق أقل من 1%، محققا 48 مقعدا في الكنيست مقابل 47 مقعدا لتحالف المعارضة، ليُشكّل مناحم بيغن الحكومة مجددا متحدا مع مجموعة من الأحزاب اليمينية الصغيرة، قبل أن يضطر للاستقالة بعد عامين، تاركا قيادة الائتلاف الحاكم لخليفته في حزب الليكود إسحاق شامير.

كانت العملية “أوبرا” هي المرة الأخيرة التي قامت فيها إسرائيل بشن عمل عسكري مباشر داخل الأراضي أو الأجواء العراقية، حيث امتنعت إسرائيل منذ ذلك الحين عن استهداف العراق بشكل مباشر لقرابة ثلاثة عقود، وحتى حين قام صدام حسين بإمطار تل أبيب وحيفا والنقب بـ 39 صاروخا من طراز سكود خلال الأيام الأولى من حرب الخليج الثانية -في سابقة لقيام أي دولة باستهداف العمق الإسرائيلي حتى ذلك التوقيت- فإن إسرائيل امتنعت عن الرد استجابة لنصيحة الولايات المتحدة بالتزام الهدوء لحين انتهاء العمليات العسكرية في الكويت.

غير أن ذلك الهدوء العسكري الطويل في العلاقات الإسرائيلية العراقية قد بلغ نهايته بشكل مفاجئ خلال الشهرين الماضيين حين أقدمت حكومة الليكود الإسرائيلية، هذه المرة بزعامة بنيامين نتنياهو، على استهداف العمق العراقي في أربع مناسبات متتالية. وكانت البداية في 19 يوليو/تموز الماضي حين وقع انفجار استهدف قاعدة لميليشيات الحشد الشعبي في محافظة صلاح الدين شمالي بغداد، وبعد ذلك بثلاثة أيام فقط ظهرت تقارير حول حدوث انفجارات في معسكر أشرف في محافظة ديالي بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية، وهي قاعدة أخرى تستخدمها ميليشيات الحشد الشعبي، ولاحقا، في الثاني عشر من أغسطس/آب المنصرم، هزّ تفجيرٌ مستودعَ ذخيرة مرتبطا بالحشد الشعبي بالقرب من قاعدة الصقر العسكرية جنوب بغداد، وأخيرا وليس آخرا، أصابت الانفجارات منشأة لتخزين الأسلحة بالقرب من قاعدة بلد الجوية على بُعد 80 كيلومترا شمال العاصمة بغداد.

ورغم أن إسرائيل لم تعلن علنا مسؤوليتها عن أيٍّ من هذه الحوادث الأربعة، فإن نتنياهو، وعلى طريقة بيغن، لم يكن ليمانع في أخذ بعض الفضل المصحوب بالنقاط الشعبية عن هذه العمليات، خاصة وهو يجد نفسه محاصرا باتهامات الفساد على بُعد أسابيع قليلة من انتخابات حاسمة، وكان ذلك واضحا بشكل خاص في الطريقة التي أجاب بها نتنياهو حين سُئل عن إذا ما كانت إسرائيل يمكن أن تضرب أهدافا إيرانية في العراق، حيث أكد(4) أن أجهزته الأمنية سوف “تعمل في أي مكان ضد دولة تريد القضاء علينا” حد كلماته، مضيفا أنه أعطى أجهزته الأمنية الحرية “لفعل أي شيء ضروري لإحباط خطط إيران”، مشيرا إلى أنه “لن يمنح طهران حصانة في أي مكان”.

كانت هذه هي نسخة نتنياهو الخاصة والمراوغة جدا لتبني هجمات العراق الأخيرة، أو بالأحرى نسخته المصغرة من العملية “أوبرا” للألفية الجديدة، وإذا كانت تصريحات نتنياهو غير المباشرة قد تركت بعض الشك، فإن تسريبات المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا إلى صحيفة وول ستريت جورنال مؤكدين(5) مسؤولية إسرائيل عن هجمات 19 يوليو/تموز في محافظة صلاح الدين لم تترك مجالا للشك حول تورط إسرائيل المباشر في العراق للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، وهو تغيّر ضخم في الإستراتيجية الإسرائيلية يُثير التكهنات حول دوافع الكيان العبري من توسيع ساحة معركته بالوكالة ضد إيران من سوريا -التي شهدت 200 غارة جوية إسرائيلية ضد أهداف إيرانية خلال العامين الماضيين- إلى العراق ولبنان، وهي الدول الثلاث التي شكّلت حاجزا جغرافيا لمنع اشتعال حرب مباشرة بين طهران وتل أبيب خلال العقود الماضية.

الرئيس المؤمن
منذ تأسيس الكيان المحتل عام 1948، لم يعترف العراق أبدا بالدولة العبرية الجديدة وأعلن الحرب عليها مبكرا بوصفها كيانا معتديا على أراضٍ عربية، وقام على الفور بإغلاق خط أنابيب النفط الواصل بين الموصل وحيفا الذي بناه البريطانيون في الثلاثينيات، كما كانت بغداد جزءا من التحالف العسكري العربي الذي شن حملة فاشلة لاستعادة السيطرة العربية على فلسطين التاريخية، وفي أعقاب الحرب كان العراق الدولة العربية الوحيدة التي لم توقّع على اتفاق لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، لذا فإن بغداد تُعدّ في حالة حرب متواصلة مع إسرائيل منذ عام 1948، من الناحية النظرية.

وخلال العقود الأولى من عمر الاحتلال الإسرائيلي، كان العراق حريصا على إثبات أن عداءه مع الكيان العبري ليس مجرد خصومة خطابية، لذلك كانت بغداد حريصة على المشاركة في جميع الحروب العربية ضد الدولة الصهيونية، رغم كون العراق الدولة الوحيدة التي لا تمتلك حدودا مباشرة مع إسرائيل التي تورّطت عسكريا في هذه الحروب، فخلال حرب الأيام الستة عام 1967 قام العراق بنشر أسراب من الدبابات والجنود والطائرات المقاتلة على حدود الأردن مع إسرائيل، لكن الحرب انتهت قبل أن يتمكّن العراقيون من المشاركة بشكل فعلي في القتال، أما في حرب عام 1973 -ورغم أن القيادة في مصر وسوريا لم تخطر العراق سابقا بنيّتها خوض الحرب- فإن بغداد قامت بنشر عدد من التشكيلات العسكرية على الجبهة السورية بما يشمل أكثر من 30 ألف مقاتل ونحو 500 دبابة، ويُعتقد أن تلك القوات العراقية لعبت دورا حاسما في منع توغل الإسرائيليين في سوريا وصولا إلى العاصمة دمشق.

صخلال السنوات التي قضاها العراق تحت حكم صدام حسين، استمرت البلاد في سياساتها المعادية لإسرائيل ولم تُظهِر بغداد أبدا أي علامة على رغبتها في تحسين العلاقات

الجزيرة

خلال السنوات التالية التي قضاها العراق تحت حكم صدام حسين، استمرت البلاد في سياساتها المعادية لإسرائيل ولم تُظهِر بغداد أبدا أي علامة على رغبتها في تحسين العلاقات مع الدولة العبرية رغم مسارعة مصر ثم الأردن -وهما من دول الطوق التي تمتلك حدودا مباشرة مع إسرائيل- لتطبيع علاقاتهما معها، ونتيجة لذلك فإن إسرائيل بدأت منذ أواخر السبعينيات في النظر إلى العراق باعتبارها أحد أكبر التهديدات الأمنية رغم عدم وجود حدود مباشرة بين البلدين، وتبقى المفارقة التي لا يمكن تجاهلها في هذا السياق هي أن إسرائيل تعاونت(6) مع نظام الثورة الإسلامية الناشئ في إيران لاستهداف المفاعل النووي العراقي مطلع الثمانينيات، فبعد أن فشلت هجمات طائرات الفانتوم الإيرانية في تدمير مفاعل “أوسيراك” بشكل كامل خلال عملية “السيف المحترق” في سبتمبر/أيلول عام 1980، فإن إيران قامت بمشاركة المعلومات الاستخباراتية حول مفاعل الماء الخفيف العراقي مع الإسرائيليين، وكانت هذه المعلومات هي حجر الزاوية في العملية “أوبرا” التي نُفِّذت خلال العام التالي ودفعت الطموحات النووية العراقية لسنوات طويلة إلى الوراء.

لم يكن استهداف مفاعل “أوسيراك” مجرد عملية عسكرية ضد أحد الأصول الإستراتيجية في دولة معادية، ولكنه عبّر عن تحوّل نوعي في العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي طالما ركّزت قبلها على دول الجوار المباشر، لذا فقد وسعت العملية مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ليشمل جميع الدول المعادية في المحيط الجغرافي للأرض المحتلة حتى لو لم تكن هذه الدول تملك حدودا مباشرا مع إسرائيل، وبخلاف ذلك، أصبح قصف المفاعل النووي العراقي سابقة لما صار يُعرف باسم “عقيدة بيغن” نسبة إلى “مناحم بيغن” والتي تنص على أن إسرائيل يجب أن تعمل لمنع أي دولة معادية لها من امتلاك أسلحة نووية.

لكن مع تراجع البرنامج النووي العراقي بعد العملية “أوبرا”، لم يكن لدى إسرائيل ما يكفي من الدوافع للاستثمار في صراع عسكري مع دولة تبعد مئات الكيلومترات عن حدودها، خاصة وأن نظام صدام حسين أصبح أبعد ما يكون عن أن يُمثّل تهديدا لإسرائيل بعد أن أغرق نفسه في صراعات إقليمية مُكلّفة بدءا من حرب السنوات الثماني مع إيران ومرورا بغزوه للكويت وليس انتهاء بالاشتباك الدبلوماسي مع الولايات المتحدة الذي انتهى بالغزو الأميركي للعراق عام 2003، ورحيل نظام صدام حسين الذي غيّر بشكل دائم حسابات التفاضل والتكامل في العلاقات الإسرائيلية العراقية. ورغم أن عراق ما بعد الغزو لم يسارع لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فإن النسخة المُعدَّلة من القومية العراقية في عراق ما بعد الاحتلال كانت أكثر تصالحا مع قبول وجود إسرائيل كأمر واقع وربما النظر في إقامة علاقات معها في نهاية المطاف، فضلا عن كون الحرب أثمرت(7) عن صعود العديد من النخب والقوى التي تربطها صداقة وثيقة مع تل أبيب مثل الأكراد والمعارضيين العراقيين الذين أقاموا لفترات طويلة في المنفى في الولايات المتحدة والغرب.

عقيدة نتنياهو

مع انهيار العراق بعد الاحتلال الأميركي تلاشت التهديدات المحتملة ضد إسرائيل من قِبل الدول التي لا تتشارك معها في حدود مباشرة، وتركّزت التهديدات الأمنية للدولة العبرية مجددا في الأرض المحتلة سواء في الضفة وبشكل أساسي في الجنوب حيث قطاع غزة، إضافة إلى الجبهة الشمالية حيث يتمركز حزب الله في الجنوب اللبناني، وبشكل أقل الجبهة الشمالية الشرقية على الحدود مع سوريا، وانزوت بشكل كبير عقيدة بيغن مع تلاشي الأخطار النووية في المنطقة حتى عام 2007 حين قامت إسرائيل بتوجيه ضربة للمفاعل النووي السوري في دير الزور ضمن عملية استخباراتية عُرفت باسم عملية البستان.

بعد ذلك بعامين شهدت العقيدة العسكرية لإسرائيل تحوّلا دراميا مع صعود زعيم الليكود بنيامين نتنياهو مجددا إلى السلطة حاملا عقيدة أمنية تتعامل مع نظام الثورة الإسلامية الإيراني بوصفه الخطر الأكبر على وجود إسرائيل، ومع عدم امتلاك إيران لحدود مباشرة مع إسرائيل وتشغيلها لبرنامج للطاقة النووية يهدف لبناء أسلحة نووية في نهاية المطاف، كان ذلك يعني إحياء نتنياهو لـ”عقيدة بيغن” بشكل ما لكن مع إحلال إيران الإسلامية محل عراق صدام حسين، وهو ما عنى بالضرورة أن إسرائيل ينبغي لها منع إيران من امتلاك أسلحة نووية في أدنى الأحوال، وأن تُسخِّر جهودها لمنع طهران من ترسيخ نفوذها في محيط الدولة العبرية -بأي شكل- في أقصاها.

ثم جاء الربيع العربي ليحوّل أبشع كوابيس نتنياهو إلى حقيقة حيث تسبّبت سلسلة من الانتفاضات الشعبية والحروب الأهلية وموجات التمرد المسلح في تحطيم الفضاء الجغرافي الفاصل بين إيران وإسرائيل، وقبل ذلك تدمير الهياكل السياسية العازلة بين الخصمين اللدودين مع انهيار الأنظمة السياسية في سوريا والعراق وزيادة الجمود في النظام السياسي اللبناني، ومع فقدان هذه الدول الثلاث للهياكل الرسمية للدولة فإنها تحوّلت(8) -نظريا- إلى مجرد مسارح مباشرة للمواجهات الإقليمية وعلى رأسها المواجهة بين طهران وتل أبيب، وبالنظر إلى التفوّق الواضح لإيران وحرسها الثوري الإسلامي في فضاءات الحرب غير النظامية وتوظيف الوكلاء، وفي ظل مشروع طهران السياسي طويل الأمد لامتلاك طريق مباشر إلى البحر الأحمر عبر أراضي العراق وسوريا ولبنان، كان الانهيار السياسي لهذه الدول فرصة لا تُقدَّر بثمن بالنسبة إلى إيران، ورغم أن تحركات طهران في أعقاب الربيع العربي لم تكن مُوجّهة ضد إسرائيل بأي شكل، كان الفزع يزداد في الدولة العبرية مع كل خطوة إضافية تخطوها إيران والميليشيات الموالية لها فوق الأرض المحترقة في بلاد الشام والرافدين.

ونتيجة لذلك، بدأت تل أبيب تدرك أن أي إستراتيجية لمواجهة إيران ينبغي أن تُصمَّم وفق قواعد اللعبة الإيرانية ذاتها التي لا تعترف بحدود الجغرافيا في دول الجوار المنهارة سياسيا، وكان ذلك يعني أن على الإسرائيليين أن يستخدموا تفوّقهم العسكري التقليدي من أجل تحجيم تحركات إيران غير التقليدية وذلك عبر استهداف الميليشيات الموالية لطهران، سواء الميليشيات الشيعية وكتائب الحرس الثوري العاملة في سوريا أو ميليشيات الحشد الشعبي في العراق أو حزب الله في لبنان، وكانت سوريا هي نقطة البداية المختارة للعمليات الإسرائيلية لعدة أسباب منطقية، أولها أنها تشترك مع إسرائيل في حدود مباشرة ما يعطي ذريعة لتل أبيب للتدخل بدعوى حماية عمقها الأمني والإستراتيجي، وثانيها أن سوريا تحوّلت بالفعل إلى ملعب للعديد من القوى الإقليمية والدولية التي تُكدّس قواتها ومعداتها العسكرية في الصراع بما يعني أن أحدا لن يلتفت لأي دعاوى تتهم إسرائيل بانتهاك السيادة السورية، وثالثها أن سوريا كانت تُعدّ بالفعل النقطة الأكثر زخما ونشاطا في إستراتيجية طهران الإقليمية، وبخلاف نشاطها في دعم نظام الأسد وترسيخ نفوذها في سوريا، قامت طهران ببناء وتشغيل عدد من المصانع لإنتاج وتجميع الصواريخ الدقيقة فوق الأراضي السورية حسب المزاعم الإسرائيلية.

ولطالما كانت صواريخ إيران والفصائل الموالية لها تُمثّل هاجسا لدى صناع القرار في تل أبيب خاصة مع التطور السريع لهذه القذائف، ليس فقط من حيث المدى ولكن أيضا من حيث الدقة، حيث تُعدّ صواريخ إيران الدقيقة أكثر خطورة بكثير من الصواريخ غير الدقيقة مع قدرتها على إصابة هدف محدد في دائرة يبلغ نصف قُطرها 15 قدما، بخلاف الصواريخ غير الدقيقة التي تحتاج إلى إطلاق أعداد كبيرة منها لإصابة أهدافها، ولما كان مدى الصواريخ الدقيقة التي تمتلكها إيران يتراوح بين مئة وستمئة كيلومتر (100-600 كم) فإن طهران لا تستطيع إصابة إسرائيل مباشرة عبر إطلاق هذه الصواريخ من أراضيها، وهي تحتاج إلى نقلها إلى مسافة أقرب، سواء لبنان وسوريا أو حتى العراق، إذا كانت ترغب في استخدامها لاستهداف إسرائيل أو حتى إدخالها في معادلة توازن الردع بين القوتين.

ونتيجة لذلك فإن إسرائيل كانت حساسة دوما(9) تجاه أي عمليات نقل للصواريخ عبر الأراضي السورية إلى حزب الله اللبناني حتى خلال السنوات الأولى للحرب السورية حين كان الكيان العبري عازفا عن التدخل، وحتى بعد تغيير إسرائيل لإستراتيجيتها بعد عام 2017 ظلّت مصانع ومراكز تحشيد وإطلاق الصواريخ وقواعد الطائرات بدون طيار الإيرانية الأهداف الأبرز للعمليات الإسرائيلية، وفي هذا الصدد، يُقدَّر أن إسرائيل شنّت أكثر من 200 غارة جوية على سوريا منذ عام 2017 ركّزت خلالها على تدمير البنية التحتية للصواريخ والطائرات بدون طيار واستهداف أبرز القادة المسؤولين عن تشغيل هذا النوع من الأسلحة، حيث يبدو أن الصواريخ الدقيقة والطائرات الموجّهة أصبحت تحتل في عقيدة تنتياهو مرتبة الخطورة نفسها التي كانت الأسلحة النووية تشغلها في عقيدة بيغن.

من دمشق إلى بغداد

بحلول نهاية العام الماضي 2018، أصبح من الواضح أن إستراتيجية إسرائيل الجديدة في سوريا تعمل بنجاح، وأن العمليات الجوية الإسرائيلية نجحت بالفعل في تدمير العديد من الأصول الإستراتيجية لطهران وأعاقت نشاطها في سوريا، كما أصبح من الواضح أيضا أن إيران أخطأت تقدير حجم التأثير المحتمل للتدخل الإسرائيلي على عملياتها على الأرض، وأخطأت قبل ذلك حين اعتقدت أن تل أبيب ستحافظ إلى النهاية على سياسة النأي بنفسها عن التورط في شباك الحرب السورية، لذا مع تعرض إيران لانتكاسات تشغيلية كبيرة في سوريا، فإنها قررت الرد عبر نقل جزء من أنشطتها الصاروخية إلى العراق، وإعادة إحياء وتشغيل مصانع الصواريخ العراقية في الزعفرانية شرقي بغداد وفي جرف الصخر شمال كربلاء وأيضا في كردستان العراق، وجميعها كانت تخضع لسيطرة ميليشيات شيعية مرتبطة بإيران.

بالتزامن مع ذلك، ظهرت تقارير أولية حول قيام إسرائيل بشن غارات استهدفت عمليات نقل أسلحة للميليشيات العراقية في منطقة البوكمال في محافظة دير الزور قُرب الحدود السورية مع العراق نهاية 2018، لكنّ إسرائيل امتنعت عن القيام بمزيد من العمليات في هذه المنطقة فيما يبدو بسبب تحفّظ القيادة المركزية الأميركية التي تخوّفت من استهداف الموالين لإيران لأكثر من 5000 جندي أميركي يعملون في العراق، لكن يبدو أن الأمور تغيّرت بشكل درامي بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو المفاجئة لبغداد نهاية مايو/أيار الماضي والتي يُشاع أنه قام خلالها بتزويد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بصور فضائية لمستودعات أسلحة إيرانية في العراق، محذرا من أنه إذا لم يتم تفكيك البنية التحتية للقدرات الصاروخية الإيرانية في العراق، فمن المحتمل أن تتعرض إلى هجوم قريب.

بعد زيارة بومبيو مباشرة، وفي مطلع يوليو/تموز الماضي، أصدر عبد المهدي مرسوما بضم وحدات الحشد الشعبي رسميا إلى الجيش العراقي، وفي التاسع عشر من الشهر نفسه بدأت الهجمات مجهولة الهوية السابق الإشارة إليها في استهداف قواعد الحشد الشعبي في العراق، وفي البداية، كانت أصابع الاتهام مُوجَّهة إلى الولايات المتحدة نظرا لكونها القوة المسيطرة بشكل فعلي على أجواء العراق وبسبب الشكوك في أن الطائرات بدون طيار الإسرائيلية أو حتى مقاتلات “إف – 35” الشبحية -عند العمل في وضع التخفي- لن تكون قادرة على الطيران من الأجواء الإسرائيلية إلى العراق دون التزوّد بالوقود، لكن مع مرور الوقت وتقدُّم التحقيقات العراقية وتسريبات المصادر الأميركية إلى الصحف الغربية، أصبح من الراجح أن إسرائيل وليس الولايات المتحدة هي مَن قامت بشن هذه الضربات.

في الحقيقة، لدى إسرائيل ما يكفي من الدوافع والوسائل والفرص أيضا لتوسيع نطاق عملياتها المناهضة لإيران إلى الأراضي العراقية، فمن الناحية العسكرية لدى إسرائيل مصلحة قوية في ضرب مصانع ومخزونات الصواريخ في العراق مبكرا قبل أن تنجح إيران في خلق تراكم للأسلحة في جبهة جديدة يمكن أن تستخدمها -نظريا- لاستهداف إسرائيل جنبا إلى جنب مع جبهة حزب الله في الجنوب اللبناني، وفي الوقت نفسه فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحزب الليكود الحاكم يمتلكان كل الدوافع السياسية الممكنة لشن هذه الهجمات من أجل تعزيز شعبية نتنياهو كمدافع عن أمن إسرائيل قبيل انتخابات سبتمبر/أيلول الحالي الحاسمة، خاصة مع المأزق السياسي المحتدم لرئيس الوزراء بسبب اتهامات الفساد وبسبب فشله المُذِل في تشكيل حكومة بعد انتخابات أبريل/نيسان الماضي.

على مستوى القدرات، تمتلك(10) إسرائيل أيضا جميع الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا النوع من الهجمات، بداية من جهاز الاستخبارات القوي القادر على جمع المعلومات وتخطيط وتنفيذ الأنشطة التخريبية “الموساد”، ومرورا بسلاح الجو المزود بأحدث الطائرات والتقنيات والذي يعتبر الأقوى في منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي يفتقر فيه العراق إلى الدفاعات الصاروخية المُتقدِّمة التي يمكنها استهداف الطائرات الإسرائيلية وتمييزها عن نظيرتها الأميركية، وبخلاف ذلك، فإن تل أبيب ستبقى قادرة على الاحتفاظ بقدرة معقولة على إنكار أنشطتها في العراق نظرا لأنها تقوم بتشغيل أنواع الطائرات نفسها التي تشغلها واشنطن ما يجعل من الصعب تعقّب الهجمات وربطها مباشرة بإسرائيل إذا لم ترغب في الاعتراف بها، وأخيرا فإن إسرائيل صارت تمتلك وجودا قويا وراسخا في سوريا يُمكّنها من تسيير عملياتها دون مواجهة الصعوبات اللوجيستية المرتبطة بتحريك الطائرات مباشرة من الأراضي المحتلة، ويعضد ذلك ما كشفه موقع ميدل إيست آي البريطاني مؤخرا حول كون بعض الهجمات الإسرائيلية في العراق تم شنها من قواعد تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (الكردية) في سوريا، بدعم وتمويل من المملكة العربية السعودية.

وأخيرا، يُعتبر العراق في الوضع الراهن مسرحا أكثر من مُواتٍ(11) لتوسّع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية، فمن ناحية تُعتبر الولايات المتحدة -حليف إسرائيل الأكبر- هي القوة الأجنبية الرئيسة العاملة في العراق وتتمتع بنفوذ كبير على الحكومة العراقية يمكنها استخدامه لحماية تل أبيب وتغطية آثارها بعكس الوضع في سوريا حيث تُعدّ روسيا القوة الأبرز، ومن ناحية أخرى تحظى إسرائيل بأكبر قدر من الدعم سبق أن حظيت به من أي إدارة أميركية على مدار تاريخها، وهي تسعى لاستغلال هذا الدعم لفرض حقائق جديدة على الأرض، هذا بخلاف الدعم غير المسبوق للتحركات الإسرائيلية من قِبل خصوم إيران من دول الخليج العربية وعلى رأسهم السعودية، وختاما فإن إسرائيل تُدرك أن الحكومة العراقية الحالية والمؤسسة التشريعية المرتبطة بها هي أقل الحكومات ارتباطا بإيران في العراق منذ الاحتلال الأميركي، وأن مسألة نفوذ إيران في العراق صار معضلة تؤرق العديد من النخب الحكومية العراقية.

قد تختار الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق وسوريا تماشيا مع سياسة تقليص الوجود العسكري الأميركي خارج الحدود، ما سيترك إسرائيل في مواجهة منفردة مع إيران

الجزيرة

بعبارة أخرى، تراهن إسرائيل ربما أن الحكومة العراقية الحالية ستكون راغبة في غض الطرف عن أي هجمات تستهدف المصالح العسكرية الإيرانية على الأراضي العراقية حتى وإن اضطرتها ضغوط الكتل التشريعية الموالية لإيران لإدانة هذه الهجمات واتخاذ موقف رمزي ضدها، خاصة في ظل الحديث عن وجود علاقة وثيقة في الخفاء بين بغداد وتل أبيب، حيث يعقد المسؤولون الأمنيون ومسؤولو الاستخبارات في البلدين اجتماعات منتظمة، بما في ذلك اجتماعات عُقدت في إسرائيل، وهي علاقات متنامية وغير مسبوقة فسّرها السفير العراقي لدى الولايات المتحدة فريد ياسين بوجود “مجتمع عراقي قوي في إسرائيل يعتز بخصائصه وتقاليده العراقية”، على حد وصفه.

تراهن تل أبيب أيضا أن الديناميات السياسية الحالية في العراق سوف تلعب في مصلحتها، حيث يمكن أن تزيد الهجمات الإسرائيلية في البلاد من السخط الشعبي ضد وحدات الحشد الشعبي والفصائل الموالية لإيران باعتبار أن أنشطة هذه الجماعات هي السبب الرئيس وراء أي هجوم إسرائيلي، غير أن ما تتجاهله إسرائيل ربما هو أن هذه الدينامية يمكن أن تلعب بشكل معاكس أيضا، حيث قد تسعى الفصائل المرتبطة بإيران للرد عبر استهداف مصالح وأصول الولايات المتحدة بدلا من الانتقام من إسرائيل نفسها، كما يمكن أن توجّه هذه الفصائل عملياتها الانتقامية ضد حلفاء إسرائيل الافتراضيين في الخليج مثل السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، وفي حال حدث ذلك ليس من الصعب أن نتوقع تطور الأمور بسرعة إلى حرب أميركية إيرانية يدور جزء كبير منها فوق الأراضي العراقية، خاصة مع التوتر القائم بين البلدين بالفعل منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.

إسرائيل صارت تشعر بالجرأة لتوسيع حملتها ضد المصالح الإيرانية على مختلف الجبهات دون إثارة رد فعل كبير

غيتي إيميجز

ورغم أن إسرائيل قد لا تُمانع في ذلك السيناريو، تشير حسابات المخاطر والفوائد على المدى الطويل إلى أن تل أبيب قد تكون أكبر المتضررين منه، فبدلا من خوض حرب مُكلِّفة ضد إيران في العراق قد تختار الولايات المتحدة على النقيض سحب قواتها من العراق وسوريا تماشيا مع سياسة تقليص الوجود العسكري الأميركي خارج الحدود، ما سيترك إسرائيل في مواجهة منفردة مع إيران التي ستكون مضطرة في مرحلة ما للرد على الإجراءات الإسرائيلية من أجل الحفاظ على صورتها الشعبية، فضلا عن إمكانية أن تتسبّب الإجراءات الإسرائيلية في انهيار الحكومة العراقية الهشة ما سيترك العراق مُقسَّما بحكم الواقع بين الفصائل المسلحة التي تتفق فقط على العداء المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل.

وعلى الرغم من هذه المخاطر، يبدو أن نتنياهو قد حسم خياراته بالفعل -على الأقل في الوقت الراهن- كما يظهر من الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله اللبناني، في 24 أغسطس/آب الماضي ثم المواجهات التي استمرت بعدها، وهي هجمات غير مسبوقة منذ الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006 وتُعدّ -تقنيا- خرقا صريحا لوقف إطلاق النار بين الطرفين، وهي تصرفات تدل مجتمعة -أكثر ما تدل- على أن إسرائيل صارت تشعر بالجرأة لتوسيع حملتها ضد المصالح الإيرانية على مختلف الجبهات دون إثارة رد فعل كبير، يقودها في ذلك رئيس وزراء مهووس بالسلطة لا يمانع في إحراق الأرض من حوله إذا كان ذلك يعني البقاء في منصبه لأطول وقت ممكن.

الجزيرة