كيف استفادت الصين من العقوبات الأميركية على إيران؟

كيف استفادت الصين من العقوبات الأميركية على إيران؟

في خضم الخلافات السياسية على الرسوم الجمركية التي قامت الولايات المتحدة بفرضها على البضائع الصينية، أوردت وكالة “إيلنا” للأنباء في إيران أن مصادر في الخارجية الصينية أكدت للوكالة أن الصين ستستمر في شراء النفط الإيراني، رغم إلغاء الإعفاءات الأميركية.

وكانت المتحدثة باسم الخارجية الصينية أكدت قبل ذلك أن الصين ستواجه العقوبات الأميركية على النفط الإيراني.

وأفادت مجلة “بتروليم إيكونومست” (Petroleum Economist) بأن الصين تعتزم استثمار 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، التي تتضرر جراء العقوبات الأميركية.

ونقلت المجلة المختصة في شؤون الطاقة عن مصدر رفيع المستوى على صلة بوزارة النفط الإيرانية؛ قوله إن هذا الاستثمار الهائل يشكل النقطة الرئيسية في اتفاق جديد بين الدولتين، وتم تأكيده أثناء زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى الصين في أغسطس/آب الماضي.

كما تعهدت بكين -حسب المجلة- بالاستثمار بـ120 مليار دولار أخرى في قطاع النفط والبنى التحتية الصناعية في إيران.

ورغم العقوبات المفروضة على إيران؛ فحسب إحصاءات البنك الدولي فإن الاقتصاد الإيراني لديه ناتج محلي إجمالي يقدر بـ450 مليار دولار أميركي، وناتج قومي إجمالي يعادل 1750 مليار دولار أميركي، وهذا يعني أن ثمانين مليون إيراني يشكلون سوقا اقتصادية كبيرة مغرية لأي مستثمر كان.

وكانت الولايات المتحدة فرضت عقوبات على شركة نفط “جوهی جنررانغ” الصينية بسبب استمرارها في شراء النفط من إيران.

ولكن الحرب الاقتصادية التي شنتها الولايات المتحدة ضد الصين وإيران أدت إلى تقارب لا سابقة له بين الدولتين، واليوم يتم الحديث عن مشاريع واستثمارات صينية تزيد على أربعمئة مليار دولار بين البلدين.

سياحة
قامت إيران بإلغاء التأشيرات للمواطنين الصينيين الذين يريدون السفر إليها، الأمر الذي من شأنه أن يفتح المجال أمام آلاف من السياح الصينيين للقيام بالسفر إلى إيران.

وستقوم إيران بإعطاء رخص إنشاء فنادق ومشاريع سياحية لشركات صينية مختصة للسياح الأجانب في بعض المناطق السياحية والمناطق الحرة في البلاد بشكل استثمار طويل الأمد.

ولربما لا يعلم البعض سبب رفع التأشيرات عن المواطنين الصينيين من جانب واحد، لكن الصين ترسل ما يزيد على مئة مليون سائح بشكل مجموعات سياحية لدول العالم كل عام، ويصرف السياح الصينيون ما يعادل 120 مليار دولار سنويا، حسب الإحصاءات المنشورة من قبل منظمة السياحة الصينية.

وحسب القوانين الصينية، لا يستطيع معظم الصينيين السفر إلى حيثما يشاؤون، بل إن الحكومة الصينية تقوم بتعيين الجهة التي يستطيعون السفر إليها عبر المكاتب السياحية التابعة لها.

وكان الرئيس الصيني شين جين بينغ زار طهران عام 2016، والتقى خلالها المرشد الإيراني علي خامنئي، ورئيس إيران حسن روحاني، وجرى بحث موضوع مساعدة الصين لإيران في المجالات الاقتصادية.

وقتها، قال الرئيس الصيني ممازحا المرشد الإيراني “كم هو دخلكم من النفط؟ افسحوا المجال كي نرسل لكم سياحا صينيين إلى إيران ونحن نضمن لكم ضعف مدخولكم من النفط نقدا من السياح الصينيين”.

ويبدو أن إيران أخذت بنصيحة الزعيم الصيني بعد أن قامت الولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات عليها، وبدأت تفسح المجال أمام دخول هؤلاء السياح إليها.

مسار النفط نحو الصين
ترفض وزارة النفط الإيرانية إصدار أي معلومات عن حجم صادرات النفط أو الجهات التي يتوجه إليها هذا النفط، لكن حسب بعض المصادر في شركة النفط الإيرانية فإن الصينيين يحاولون استغلال ورقة إيران للضغط على الولايات المتحدة.

وحسب إحصاءاتهم، فإن الصينيين استوردوا نحو 230 ألف برميل من النفط الإيراني يوميا قبل أن يرفعوا حجم الاستيراد إلى ما يزيد على 650 ألف برميل يوميا. كما أنهم يقومون باستيراد كميات أخرى وبأسعار مخفضة بشكل غير رسمي من الإيرانيين.

وتشير إحصاءات بلومبيرغ إلى أن الصينيين استوردوا ما يزيد على 12 مليون طن من النفط الخام الإيراني بشكل رسمي منذ بداية العام الحالي، حيث تم تسليم عشرة ملايين طن إلى المصافي الصينية، في حين تم تخزين مليوني طن في مخازن تابعة لشركة النفط الإيرانية في الصين.

وتضيف إحصاءات بلومبيرغ أن نحو عشرين مليون برميل نفط إيراني تم تعبئتها في عشر حاملات نفط، وهي في البحار وفي طريقها إلى الصين، وبعضها ينتظر خارج المرافئ لتخلية مخزونها.

وحسب تقرير بلومبيرغ، فإن الصينيين اشتروا هذا النفط من إيران بتخفيضات كبيرة ومغرية جدا.

مشاريع
لكن التعاون الاقتصادي بين البلدين لا يقتصر على مجال شراء النفط فقط، فالإيرانيون استطاعوا إقناع الصينيين باستثمارات تجعل إيران مستقبلا قلب مشروعها المعروف بمشروع “حزام واحد طريق واحد” أو مبادرة الحزام والطريق.

ولا تختصر آفاق ورؤى التنين الصيني على مد طريق تعبر من إيران إلى أوروبا، بل إن الصينيين يخططون للاستفادة من اليد العاملة الرخيصة والفتية في إيران في إنتاج بضائعهم خارج البلاد وتصديرها مباشرة من إيران.

وكي تسهل إيران هذه الفرصة أمام الصينيين، فإنها قامت بفتح مناطق صناعية حرة على الحدود العراقية والباكستانية والتركية وضفاف بحر عمان والخليج، حيث تم السماح للشركات الصينية بتأسيس معاملهم في هذه المناطق، ومعفاة من جميع الرسوم لمدة طويلة تصل إلى 25 عاما، حيث ستقوم الصين بإنشاء معامل ضخمة، مثل معامل السيارات، وسيتم تصدير السيارات الصينية إلى المنطقة من هذه المناطق الحرة.

وتقوم الصين بدفع ثلث ثمن النفط الذي تستورده من إيران عبر تنفيذ مشاريع إنمائية في إيران، مثل السكك الحديدية والطرق والمواصلات وبناء المصانع، في حين أن الثلث الآخر يتم دفعه عبر تصدير بضائع صينية إلى إيران، والثلث المتبقي يتم دفعه بشكل نقدي وبالعملة الصينية لتفادي العقوبات الأميركية على الدولار الأميركي.

وتسلمت الشركات الصينية عددا من المشاريع التي كانت الشركات الأوروبية قد وقعت عقودا لتنفيذها في مجالات النفط والغاز وانسحبت بسبب العقوبات الأميركية.

وتصل المبادلات التجارية الرسمية بين إيران والصين حاليا إلى ما يزيد على 35 مليار دولار، رغم العقوبات الأميركية، حسب إحصاءات نهاية عام 2018، لكن الدولتين تسعيان إلى رفعها إلى ستمئة مليار دولار خلال العشر سنوات المقبلة؛ الأمر الذي لن يحصل إلا إذا كانت هناك مشاريع ضخمة، بينها ما هو أكبر بكثير من المشاريع الموجودة حاليا.

الطرق والمواصلات
ووقعت الصين على وثيقة تعاون تعهدت خلالها باستثمار نحو أربعين مليار دولار في مجال الطرق والمواصلات الإيرانية حسب خططها لوصل طريق الحرير الذي تحلم بإعادة إحيائه خلال عشر سنوات بدءا من عام 2016.

ووصل القطار الذي يصل مدينة شنجن الصينية بالحدود الإيرانية إلى الحدود الإيرانية الشمالية الشرقية نهاية يناير/كانون الثاني 2016، عابرا مسافة 10399 كيلومترا عبر قزاغستان وتركمانستان خلال 14 يوما.

وكان من المقرر أن تقوم شركات أوروبية بتنفيذ مشاريع تصل خطوط الحديد هذه بخط سكك حديدية أوروبية عبر تركيا من جهة، والخليج وبحر عمان من جهة أخرى، لكن هذه الشركات أخلت بعقودها، وقامت إيران بتوقيع عقود مع شركات صينية كي تنفذ نصف العمل وشركات إيرانية تقوم بالنصف الثاني من العمل عام 2018.

التنقيب عن العملات الرقمية
ولا تنحصر العلاقات الاقتصادية بين إيران والصين على مجال الصناعات المتعارف عليها أو الطرق والمواصلات، بل بدأ الصينيون التنقيب عن العملة الرقمية الإلكترونية داخل إيران، مستفيدين من القيمة المخفضة للطاقة هناك.

وبهذا الشكل يستطيع الإيرانيون تحويل النفط أو الطاقة الشمسية والمائية والهوائية إلى عملة رقمية، حيث قررت الحكومة الإيرانية منذ نحو شهر السماح للشركات والمؤسسات المختلفة بالتنقيب عن العملة الرقمية.

وبهذا الشكل لن تحتاج إيران إلى تصدير نفطها إلى الخارج، بل ستحوله إلى الكهرباء ثم إلى العملة الرقمية في الداخل.

كما قررت وزارة الصناعة والتجارة الإيرانية إصدار رخص للشركات والمؤسسات التي تؤسس معامل خاصة لإنتاج الكهرباء من الطاقة النظيفة (الشمس والرياح والماء) والسماح للشركات نفسها باستخراج العملة الرقمية من إنتاج الطاقة في هذه المعامل.

وتهافتت الشركات الصينية خلال الشهرين الماضيين لأخذ الرخص بتأسيس معامل إنتاج الكهرباء من الطاقة النظيفة.

وأصدرت وزارة جهاد الزراعة الإيرانية عشرات الرخص لشركات صينية أو شركات صينية إيرانية مشتركة بهدف تأسيس المراعي لتربية المواشي أو المزارع الصناعية المتطورة، إضافة إلى رخص الصيد الصناعي للسمك (واجهت هذه الرخص معارضة داخلية كبيرة فاضطرت الوزارة إلى تعليقها).

ولا يمكن أن ننسى أن الاتفاق النووي نص على أن تقوم الصين بإعادة تصميم عدد من المنشآت النووية الإيرانية، أشهرها منشآت آراك للبلوتونيوم والماء الثقيل إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا.

وبعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وتملص بريطانيا من تنفيذ تعهداتها؛ باتت الصين الشريك الوحيد لتنفيذ هذا المشروع بالشراكة مع الإيرانيين.

وبسبب العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، فإن طهران وبكين تقومان على إنشاء آلية يمكن من خلالها دفع أرباح المستثمرين الصينيين في إيران عبر تصدير النفط الإيراني إلى الصين.

وتدل الإحصاءات الآنفة على أن الصين المستفيد الأكبر من العقوبات الأميركية على النفط الإيراني من جهة، ومن جهة أخرى فإن إيران تستفيد هي الأخرى من الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة للالتفاف حول العقوبات الأميركية ضد إيران.

الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email