دولة الأكراد عند المفهوم الغربي

دولة الأكراد عند المفهوم الغربي

الأكراد بين العصيان والفرسان هم الخاسر الأكبر لعقود وإذا تتبعت أحداث إقامة دولة كردية على مر التاريخ المعاصر، تجد هناك عصا توازن بين الأطراف الغربية والشرقية، ويكون أكراد الشرق هم الضحية، ونوجز بعض محاولات الأكراد في التاريخ المعاصر.

أكراد إيران
في انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع فتح شهية السوفييت في ضم الأراضي وتشكيل أقاليم تابعة إليها بطريقة اللامركزية، استغل بعض الأكراد في شمال المحاذية مع الاتحاد السوفيتي السابق لإيران هذه الفرصة وقام قاضي محمد مع مصطفى البارزاني بإعلان جمهورية مهاباد في 1946، ولكن الضغط الذي مارسه الشاه محمد بهلوي على الولايات المتحدة التي كان حليفها لضغط الأخيرة على الاتحاد السوفيتي كان كفيلاً بانسحاب القوات السوفيتية من مهاباد، وقامت الحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد بعد 11 شهرا من إعلانها وتم إعدام قاضي محمد في 1947 في ساحة عامة في مدينة مهاباد، وانسحب مصطفى البارزاني مع مجموعة من مقاتليه من المنطقة بين الجبال، حيث نجد في هذه النقطة الأولى تنازل السوفييت عن حليفهم الأكراد في إيران أمام مصالح بسيطة أخذتها من الجانب الأمريكي وهذا يعد أول تنازل عن حاجة الأكراد في التاريخ المعاصر.

أكراد اتفاقية الجزائر
بعد اتفاقية خط التالوك بين العراق وإيران في 6 آذار/مارس عام 1975 بين نائب الرئيس العراقي آنذاك وشاه إيران محمد رضا بهلوي وبإشراف رئيس الجزائر آنذاك هواري بومدين، وكان دهاء النظام السياسي السابق في إخماد حركة الأكراد في الاستقلال بتقديم جزء من حدود نهر شط العرب مقابل تخلي الشاه عن دعم أكراد العراق في تلك الحقبة وبالفعل تم إخماد كثير من الجيوب وتقهقرهم وانسحاب الأكراد إلى الجبال وتخلي عن حلمهم في إقامة إقليم منفصل لأكراد العراق وهذه تعد النقطة الثانية في تنازل الإيرانيين للعراقيين عن الأكراد واعتبر الخاسر الأكبر بين الأطراف المتنازعة في حقبة السبعينيات، ومثلوا دور الضحية بعد أن قدموا آلاف بين قتيل وبين سجين وبين مشرد.

أكراد عبد الله أوجلان
جاءت معاهدة لوزان فقتلت حلم الأكراد في إقامة دولة كردية بشمال العراق، ومفاد هذه الاتفاقية هي تقسيم إرث الدولة العثمانية بين دول الحلفاء وكان العراق من حصة بريطانيا وسوريا إلى فرنسا
بعد تشكيل ل ppk في جنوب شرق تركيا وكان أوجلان سنة 1984 يخوض المعارك مع الجيش التركي بالجبال وامتدادا إلى تسعينات القرن الماضي وتحديدا سنة 1999 تم إلقاء القبض على أوجلان في سفارة اليونان في نيروبي، وهذه النقطة الثالثة التي يكون فيها الأكراد بيضة القبان وتنازل عنهم الحليف الغربي والدولي حيث نتيجة اتفاق الاستخبارات التركية مع استخبارات دول محلية وإقليمية يكون أوجلان لقمة سهلة بيد القيادة التركية، وبعد القبض علية تذهب سنين سدى من العمل العسكري والسياسي في مهب الريح وتدفن صفحة أخرى من التخليات الغربية للأكراد، وأيضا ينسحب الأكراد إلى الجبال بين تركيا والعراق.

أكراد العراق
بعد معاهدة سيفر 1920 بين الدولة العثمانية ودول الحلفاء والتي تضمنت تلك المعاهدة التخلي عن جميع الأراضي العثمانية التي يقطنها غير الناطقين باللغة التركية، إضافة إلى استيلاء الحلفاء على أراض تركية وعراقية، حيث قام الأكراد بالاستفادة من تلك الاتفاقية كثيرا وكان العراق تحت حكم الدولة العثمانية وكذلك أكراد العراق في سليمانية وأربيل ودهوك، فاستغل ذلك الزعيم محمود الحفيد وأعلن دولة كردية في سليمانية، لكن سرعان ما انتهت وسقطت تلك الدولة على يد القوات البريطانية بعد معارك وحروب خاضتها مع الأكراد وبالنهاية انتهت باسر محمود الحفيد ونفيه خارج السليمانية.

وتعد هذه أول تنازل من قبل الحلفاء عن الأكراد في تاريخ أكراد العراق، وجاءت معاهدة لوزان فقتلت حلم الأكراد في إقامة دولة كردية بشمال العراق، ومفاد هذه الاتفاقية هي تقسيم إرث الدولة العثمانية بين دول الحلفاء وكان العراق من حصة بريطانيا وسوريا إلى فرنسا، وبعدها تم تنصيب الملك فيصل الأول ملكا على العراق وفي حكومة رئيس الوزراء المتعاقبين للفترة الملكية كانت هناك نزاعات وبلبله ومصدر إزعاج للحكومة المركز منذ زمن ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني ونوري سعيد، وامتدت مرورا بالحكومات الجمهورية المتعاقبة حيث لم تختلف سياسة التعامل مع الأكراد كثيرا عن الحكومات السابقة إلا في فتره الحكم الذاتي ثمانينات القرن الماضي.

رفضت حكومة العراق المركز شرعية الاستفتاء وخاضت عدت لقاءات دولية لكسب القوى وثني مسعود برزاني عن الاستفتاء وإلغاءه

لكن مع وجود إشارات بالضد من النظام السابق وتكللت تلك في أحداث التسعينيات وتحقيق انسحاب القوات العراقية أي بعد الانسحاب من الكويت ومعركة الخليج الأولى وتوزيع الحكم بين حزبين الاتحاد والديمقراطي بقيادة قبيلتين كرديتين كانتا متحاربتين على بسط النفوذ على الأراضي بعد خروج النظام السابق وفرض حظر الطيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة الأكراد بإقامة دولة كردية وبناء منظومة اجتماعية بالمنطقة في تلك الفترة لكن الخلافات التي حدثت بين الحزبين 1994-1998 جعلت المنطقة مقسمة كواقع حال الى إقليم طلبانستان وبرزانستان، فكان الأول ذو الإيديولوجية الماركسية وكان الثاني ذو الإيديولوجية القومية المحافظة.

وبعد سقوط النظام توحد الحزبان لبداية جديدة وكان فكره إقامة دوله حاضره ومستقبله وتكللت تلك الفترة باستفتاء كردستان مستغلين ضعف المركز بحرب داعش والأزمة المالية وكذلك دفع الدول الغربية في إقامة دولة كردية، لكن الفكرة هي قديمة، كان الاستفتاء على استقلال كردستان العراق قد عقد في يوم 25/أيلول 2017، مع إظهار النتائج التمهيدية إدلاء الغالبية العظمى من الأصوات بنسبة 92 بالمائة، لصالح الاستقلال وصرحت حكومة إقليم كردستان بأن الاستفتاء سيكون ملزم، لأنه سيؤدي إلى بدء بناء الدولة وبداية للمفاوضات مع العراق بدلا من إعلان الاستقلال الفوري.

ولقد رفضت حكومة العراق المركز شرعية الاستفتاء وخاضت عدت لقاءات دولية لكسب القوى وثني مسعود برزاني عن الاستفتاء وإلغاءه، وبالفعل نجحت الحكومة العراقية المتمثلة بالمركز من الاتفاق مع تركيا وإيران وسوريا والضغط على حلفاء الأكراد بالتنازل عن الاستفتاء وعدم تطبيقه بل الأمر من ذلك قاد رئيس الوزراء حيدر العبادي حملة عسكرية لإرجاع الأكراد إلى حدود عام 1991، وهذا يعد نقطة أخرى من مسلسل تنازل الغرب عن الأكراد ليكونوا الضحية بسبب تضارب المصالح المشتركة بين الأطراف وبين اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، ليكون الأكراد هم الطرف الضعيف في المعادلة السياسية.

الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email