تراجع الليرة إثر عملية نبع السلام.. ما تأثيراته في الاقتصاد التركي؟

تراجع الليرة إثر عملية نبع السلام.. ما تأثيراته في الاقتصاد التركي؟

منذ بدء عملية نبع السلام التي ينفذها الجيش التركي شمالي سوريا، تواصل الليرة التركية هبوطها على إثر خطوات أميركية وأوروبية بفرض عقوبات على أنقرة.

ويأتي هذا الهبوط في ذروة أزمة العملة وتضخم الديون في البلاد، مما أثار مخاوف مالية جديدة تؤثر سلبا على حدوث انتعاش اقتصادي بعد عام من الانكماش.

وفقدت الليرة التركية 5% من قيمتها هذا الشهر مقابل الدولار لتتخطى حاجز الـ5.90 بعد أن كانت 5.6 قبل عملية “نبع السلام”، لتصبح الأسوأ أداء بين العملات الرئيسية خلال أكتوبر/تشرين الأول في ضوء ارتفاع معظم عملات الأسواق الناشئة.

محطات سابقة
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذر من “عقوبات كبيرة في الطريق على تركيا” بعدما هدد “بمحو” اقتصادها إذا مضى هجوم أنقرة على القوات التي يقودها الأكراد في سوريا لأبعد مما ينبغي.

واتفقت الحكومات الأوروبية أيضا على تقليص صادرات الأسلحة إلى تركيا، لكن دون إعلان حظر رسمي من الاتحاد الأوروبي.

وتظهر العملة التركية حساسية مفرطة تجاه الأزمات الخارجية، إذ سبق أن انتكس سعر صرف الليرة في توترات سابقة تعلقت بأزمة أنقرة مع موسكو على خلفية إسقاط المقاتلات التركية طائرة سوخوي الروسية عام 2014.

ومنذ ذلك الحين، سجل سعر صرف الليرة انهيارات كبيرة في خمس مناسبات، ارتبط أغلبها بالخلاف مع واشنطن في عدد من القضايا أهمها اعتقال القس الأميركي برونسون، والرفض التركي اللافت للاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل.

مخاوف المستثمرين
ذكر أحمد إسماعيل، الباحث والصحفي الاقتصادي في جريدة صباح المقربة من الحكومة التركية، أن العملية العسكرية شرق الفرات تخلق شكوكا جديدة للاقتصاد التركي، وتهدد أي معطيات قائمة على انحسار الأثر الاقتصادي للأزمة المستمرة منذ العام الماضي، وتساهم في انتشار مخاوف من أن النفقات العسكرية ستؤدي إلى تفاقم عجز وزارة الخزانة، وتغذي احتياجات الاقتراض التي يمكن استخدامها بطريقة أخرى لتحفيز الاقتصاد.

ورجح الباحث استمرار الليرة في الهبوط في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي التي غذتها العملية والتي دفعت أصحاب الادخار إلى البحث عن الأمان بالعملة الصعبة.

وقال إسماعيل للجزيرة نت “يمكن أن يساعد الاستثمار الأجنبي في الأسهم التركية في تعويض هذه الخسائر، لكن المستثمرين الأجانب فقدوا بالفعل شهيتهم في السوق التركية قبل العملية”.

ووفقا لبيانات البنك المركزي التركي، شهدت البورصة صافي مبيعات أجنبية بلغت 1.6 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، وهي بالكاد أفضل من صافي المبيعات الأجنبية التي بلغت 2.3 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.

ورجح الباحث الاقتصادي أن يؤدي تراجع الليرة وزيادة علاوة المخاطرة إلى إعاقة توجهات البنك المركزي الأخيرة نحو خفض أسعار الفائدة، لافتا إلى أن مجلس السياسة النقدية للبنك قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول لأن العوائد المرتفعة هي وسيلة لجذب الأموال الأجنبية، وخاصة في السندات الحكومية.

التضخم
أكد إسماعيل أن تراجع الليرة سيجعل الواردات أغلى ثمنا، التي بدورها ستشعل التضخم في وقت تنحو جميع الخطط الاقتصادية للحكومة التركية للسيطرة عليه، وتهدد الاضطرابات بضربات جديدة على الاستهلاك والاستثمارات المحلية، الأمر الذي من شأنه أن يعوق النمو الاقتصادي بشكل واضح، وستكون النتيجة الأكثر أهمية لمثل هذه الانتكاسة هي زيادة معدل البطالة، الذي وصل بالفعل إلى 14%، حيث يبحث حوالي 4.5 ملايين شخص عن وظائف.

وأضاف “عبء الدين العام هو مجال آخر للمتاعب، حيث تضخم بشكل ملحوظ على مدى العامين الماضيين نتيجة لسياسات الحكومة التوسعية التي تهدف إلى تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية”.

وأشار إلى أن الجهود المبذولة لإدارة الفجوات أسفرت عن سلسلة من الزيادات الكبيرة في الأسعار على الخدمات والسلع العامة، بما في ذلك رسوم الكهرباء والغاز والطرق والجسور والقطارات والخدمات البريدية، وقد تدرس السلطات زيادات أسعار جديدة في حال حاجتها للتمويل إن طالت العملية.

وأوضح الصحفي الاقتصادي في جريدة صباح أن 60% من إجمالي الدين الداخلي للحكومة حصلت عليه من بنوك تركية، وهذا يعني أن البنوك ستتعرض لضغوط لتمويل الخزينة بدلا من فتح قنوات الائتمان للقطاع الخاص، الذي يحتاج إلى قروض لإنعاش الاستثمارات وزيادة الإنتاج، والتنافس على الأموال بين الحكومة والقطاع الخاص سيشكل عقبة أمام النمو الاقتصادي.

ويعتقد أن الحكومة التركية ستجنح في إيقاف نزيف العملة من خلال تثبيت أسعار الفائدة أو رفعها، إضافة إلى رفع رسوم بعض الخدمات بشكل مؤقت لتمويل عجز الميزانية العمومية.

معطيات اقتصادية

– ارتفع مؤشر مقايضة العجز عن سداد الائتمان في البلاد -وهو مؤشر رئيسي للمخاطر- من حوالي 350 نقطة في بداية أكتوبر/تشرين الأول الحالي إلى نحو 400 نقطة في الشهر نفسه، وهو اليوم الثاني للعملية، ومثل هذه العلاوة العالية المخاطر -حسب اقتصاديين- تعني أن الاقتراض أصبح أكثر صعوبة وأكثر تكلفة بالنسبة لتركيا.

– وفقا للأرقام الرسمية، بلغ عجز الموازنة حوالي 90 مليار ليرة (15.2 مليار دولار) في الأشهر التسعة الأولى من العام، متجاوزا هدف 80.6 مليار ليرة لهذا العام، الذي حدده وزير الخزانة والمالية بيرات ألبيرق منذ وقت قريب.

– ذكر مراقبون أن قيمة الديون الداخلية التي ستستحق في عام 2020 تقدر بحوالي 300 مليار ليرة (51 مليار دولار) في الوقت الحالي، وستكون هناك فجوة تمويل إضافية ناشئة عن الميزانية، التي من المتوقع أن تصل إلى حوالي 90 مليار ليرة تحت تأثير النفقات العسكرية المتزايدة بسبب العملية العسكرية، وبالتالي سيكون لدى أنقرة دين داخلي يصل إلى 400 مليار ليرة (67.4 مليار دولار) لإدارتها العام المقبل، وتكمن خطورة هذا الرقم في أنه يصل إلى حوالي 60% من إجمالي الدين المحلي البالغ 692 مليار ليرة (116.6 مليار دولار) في نهاية أغسطس/آب الماضي.

– كان “جي بي مورغان” قد صنف الليرة أكثر العملات انكشافا على التقلبات السياسية، وحذر “غولدمان ساكس” بشأن المخاطر الجيوسياسية والسياسة الاقتصادية المحلية.

– خفض “دويتشه بنك” نظرته “الإيجابية” لأدوات الدخل الثابت التركية، كما خفضت “أوكسفورد إيكونوميكس” مستوى رؤيتها لتركيا، في حين تساءل بنك رابو الأسبوع الماضي إذا كانت الليرة على شفا “أزمة عملة” جديدة.

المصدر : الجزيرة

Print Friendly, PDF & Email