الحسكة… عنوان إضافي للتنافس شرق الفرات

الحسكة… عنوان إضافي للتنافس شرق الفرات

لا تزال الاشتباكات محتدمة في ريف الحسكة الشمالي في أقصى الشمال الشرقي من سورية، في الوقت الذي يشتد فيه الصراع بين الأطراف الفاعلة في منطقة شرق نهر الفرات لتقاسم النفوذ في المناطق الغنية بالنفط، في ظلّ عودة مفاجئة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ونيته إقامة قواعد جديدة، فضلاً عن عودته إلى قواعد ونقاط تمركز كان أخلاها في وقت سابق.
وأشار “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أمس الأحد، إلى أنّ ريف مدينة رأس العين الشرقي لا يزال يشهد اشتباكات بوتيرة متفاوتة العنف، بين فصائل “الجيش الوطني” التابع للمعارضة السورية من جهة، و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي من جهة أخرى، بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف ومكثف متبادل بين طرفي القتال. وأكد المرصد أنّ “قسد” استعادت السيطرة على 13 قرية وموقعاً من “الجيش الوطني” وهي: داودية والسعيد وريحانة والسويدية وكنبهر وعبوش وأم شعيفة وفيصلي وعزيزة وقاسمية وجميلية وأم عشبة والعريشة.


استعادت “قسد” السيطرة على 13 قرية وموقعاً من “الجيش الوطني السوري”


من جانبها، قالت مصادر من “الجيش الوطني” لـ”العربي الجديد”، إنّ مليشيا “قسد” شنّت هجوماً معاكساً ضدّ قوات الجيش في محور تل تمر بريف الحسكة الشمالي الغربي، واندلعت اشتباكات عنيفة على إثر ذلك. وأدت الاشتباكات وفق المصادر ذاتها، إلى وقوع قتلى وجرحى من الطرفين، وانسحاب مقاتلي “الجيش الوطني” من مواقع عدة كانوا قد تقدموا إليها في وقت سابق. ولفتت المصادر إلى أنّ “قسد” شنّت هجومها مدعومة بالقصف المدفعي، في إشارة إلى أنها خرقت الاتفاقين التركي الروسي والأميركي التركي، اللذين نصّا على انسحاب “قسد” بالسلاح الثقيل من الحدود السورية التركية.

في الأثناء، قالت مصادر محلية إنّ “المجلس العسكري السرياني”، وهو جزء من “قوات سورية الديمقراطية”، استلم المسؤوليات الأمنية والعسكرية لمنطقة تل تمر والخابور، وسينشر قواته في جميع الخطوط الأمامية للمنطقة. وتتميز مدينة تل تمر بالحضور السكاني للمسيحيين السريان الآشوريين، حيث تنتشر قرى عدة غالبية سكانها من السريان في ريف المدنية، وأبرزها: تل طويل، تل جمعة، تل كيفجي وتل قريبط.

من جانبها، ذكرت وكالة “سانا” للأنباء التابعة للنظام السوري، أنّ قوات الأخير تعمل على تعزيز نقاط انتشارها في محافظة الحسكة، مشيرةً إلى أنّ وحدات من هذه القوات عززت وجودها على محور يمتد على 60 كيلومتراً بدءاً من قرية الاغيبش غرب بلدة تل تمر، وصولاً إلى قرية الواسطة جنوب صوامع عالية. وفي الإطار ذاته، ذكرت مصادر مقربة من “قسد” لـ”العربي الجديد”، أنّ قوات النظام حصّنت مواقع في المنطقة وقامت بتعزيزها بالمدفعية الثقيلة، مشيرةً إلى أنّ النظام يقوم بدعم “قسد” في عمليات الهجوم المعاكس ضدّ “الجيش الوطني”.

إلى ذلك، من الواضح أنّ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بصدد العودة مجدداً إلى منطقة شرقي نهر الفرات، وخصوصاً محافظة الحسكة، في تراجع عما كان أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيته سحب قوات بلاده من سورية والإبقاء على قوة صغيرة لحماية حقول النفط. ونقل مراسل “العربي الجديد” في الحسكة سلام حسن، عن مصادر مطلعة قولها، إنّ “القوات الأميركية أدخلت شاحنات فارغة إلى قاعدة صرين بالقرب من مدينة عين العرب بريف حلب، تمهيداً لإعادة إخلائها بالكامل، بالتزامن مع إنشاء قواعد عسكرية جديدة في الحسكة، في الوقت الذي وصلت فيه تعزيزات عسكرية جديدة من قبل قوات النظام إلى محور تل تمر”.


قوات النظام تعمل على تعزيز نقاط انتشارها في محافظة الحسكة


وأوضحت المصادر المقربة من “قسد” التي تحدّثت لـ”العربي الجديد”، أنّ “القوات الأميركية تبدأ بالانسحاب (أمس) الأحد من قاعدة صرين العسكرية، والتي تعد آخر قاعدة لها في القسم الغربي من شمال شرقي سورية، وذلك عقب دخول عشرات الشاحنات والحاملات إلى القاعدة بهدف نقل ما تبقى من معدات”. وكانت قد عادت قوات أميركية إلى القاعدة المذكورة عقب إخلائها أخيراً، وهو ما أثار تساؤلات عن نية تلك القوات، في وقت تقول المصادر إنّ واشنطن تريد إخلاء النقطة بالكامل.

وبحسب المصادر ذاتها، بدأت القوات الأميركية بإنشاء قواعد جديدة لها في محافظة الحسكة، ولا سيما في منطقة القامشلي، حيث قامت أمس باستطلاع العديد من المواقع وبتسيير دورية انطلاقاً من بلدة رميلان، متجهة على الطريق الواصل إلى القامشلي، مروراً بمناطق وبلدات كل من الجوادية والشبك. وأضافت المصادر أيضاً أنّ دورية أميركية مكونة من خمس عربات عسكرية جالت بين مدينة القامشلي وبلدة تل تمر، علماً أنّ القوات الأميركية ما زالت تحتفظ بقاعدة عسكرية في صوامع قرية تل بيدر الواقعة شمال مدينة الحسكة وقاعدة بالقرب من مزرعة قسروك. وأشارت المصادر إلى نية القوات الأميركية تجهيز ثلاث قواعد جديدة على الأقل في مدينة القامشلي وريفها الغربي شمال شرقي محافظة الحسكة.

وتأتي هذه التطورات في ظلّ وصول رتل عسكري لقوات النظام السوري يضم دبابات وراجمات صواريخ ومدفعية إلى منطقة تل تمر في ريف الحسكة. وقالت مصادر لـ”العربي الجديد” إنّ تلك القوات توجهت إلى الناحية الشمالية لتل تمر على الطريق الواصل إلى بلدة أبو راسين، بالقرب من المحاور التي تشهد اشتباكات بين “الجيش الوطني السوري” و”قسد”.

وتزامن وصول الرتل العسكري للنظام وفق المصادر ذاتها، مع تحليق من طيران حربي مجهول يعتقد أنه للتحالف الدولي ضدّ “داعش”، إذ قام بخرق جدار الصوت في أجواء تل تمر، وتلا ذلك قصف على موقع في المنطقة لم تتبين هويته.

وكانت مصادر محلية قالت لـ”العربي الجديد”، أول من أمس السبت، إنّ مجموعة من القوات الأميركية عادت إلى قاعدة الجزرة الواقعة غربي مدينة الرقة، بعد إخلاء القاعدة قبل أسبوعين. وأضافت أنّ المجموعة ترافقها خمس مدرعات، وأنّها قامت بجولة في مدينة الرقة قبل العودة والتمركز في القاعدة المذكورة. ومن الواضح أن الجانبين الأميركي والروسي يسعيان لتقاسم النفوذ في محافظة الحسكة التي تعد المحافظة الأهم في سورية اقتصادياً، كونها تضمّ جانباً مهماً من ثروة سورية النفطية.


بدأت القوات الأميركية بإنشاء قواعد جديدة لها في محافظة الحسكة، ولا سيما في القامشلي


وذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” السبت، أنّ القوات الروسية سيطرت على النادي الزراعي في القامشلي على مقربة من منطقة المطار لاتخاذه مقراً لقواتها. ونقل “المرصد” عن مصادر معلومات تفيد باحتمال تأجير النظام السوري مطار القامشلي إلى القوات الروسية لتتخذه مقراً لها لمدة 49 عاماً.

في غضون ذلك، لا تزال المنطقة التي سيطر عليها “الجيش الوطني السوري” التابع للمعارضة والواقعة بين مدينتي تل أبيض وراس العين على طول نحو 100 كيلومتر وعمق 30 كيلومتراً، عرضة لانتهاكات من قبل فصائل تتبع هذا الجيش. وفي هذا الإطار، ذكرت مصادر محلية لـ”العربي الجديد” أمس، أنّ “أهالي قرية أم عشبة بريف رأس العين، قرروا النزوح بشكل جماعي ومغادرة قريتهم، بعد زيادة الانتهاكات من مجموعة عسكرية تنتمي إلى الجيش الوطني تطلق على نفسها اسم صقور الشمال”.

إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع التركية انتهاء المباحثات مع الوفد العسكري الروسي الثاني، والتي عقدت في أنقرة خلال اليومين الماضيين حول تطبيق مذكرة التفاهم المبرمة في مدينة سوتشي بشأن شمال شرق سورية. وقالت الوزارة، في بيان أصدرته السبت: “انتهت المباحثات مع الوفد العسكري الروسي الثاني، والتي عُقدت في أنقرة يومي 1 و2 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، حول الجوانب التكتيكية والتقنية في إطار التفاهم الذي تم التوصل إليه في سوتشي يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 2019”.

وتعدّ هذه المباحثات الثانية من نوعها، إذ تمت مناقشة تطبيق مذكرة التفاهم بين الطرفين في أنقرة يومي 28 و29 أكتوبر، وأعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، في حينه أنّ الجانبين توصلا إلى اتفاق شبه كامل حول تفاصيل تطبيق المذكرة.

في السياق متصل، جددت وزارة الدفاع التركية، أمس الأحد، إدانتها قرارات واشنطن وباريس رداً على عملية التركية في سورية. وقالت الوزارة في بيان، إن “تركيا ما زالت تتلقى تهديدات خطيرة من تنظيمي داعش والوحدات الكردية الموجودان في مناطق شرق الفرات السورية”، مضيفةً أن قرار مجلس النواب الأميركي فرض عقوبات على تركيا ومسؤوليها رداً على العملية، يتعارض مع روح الاتفاق المبرم في 17 أكتوبر الماضي والتحالف والشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وأردف: “يجب أن تعلم أوروبا جيداً أن تركيا هي العائق الأخير بينهم وبين والإرهاب، وهي بمثابة خط جبهة في محاربة الإرهاب”. ولفت إلى أن “استهداف فرنسا للعملية، ما هو إلا محاولة من حكومتها لتحريف وإخفاء الحقائق عن الشارع الفرنسي والمجتمع الدولي بأكمله”.


أعلن “مسد” استعداده خوض عملية تفاوض حقيقية مع النظام


على صعيد سياسي ذي صلة، أعلن “مجلس سورية الديمقراطية” (مسد) وهو الجناح السياسي لـ”قسد” استعداده لـ”خوض عملية تفاوض حقيقية” مع النظام، وفق بيان صدر عن المجلس مساء السبت. وزعم المجلس أنه “أكبر إطار تحالفي لقوى المعارضة الديمقراطية في سورية”، مبدياً استعداه لتشكيل ما سمّاها بـ”منصة معارضة سورية حقيقية تضم من هم خارج مجلس سورية الديمقراطية؛ من داخل سورية أو خارجها؛ ممن استبعد في عمليتي جنيف وأستانة أو تم تغييبه عمّا تسمى باللجنة الدستورية”، وذلك لـ”بدء التفاوض مع الحكومة السورية من دون شروط مسبقة”. واعتبر المجلس “التفاهم العسكري الذي جرى ما بين قوات سورية الديمقراطية والجيش السوري، برعاية من موسكو، يمثل بداية بناء إجراءات الثقة بين الطرفين”.

ولطالما رفض النظام السوري التفاوض مع “قوات سورية الديمقراطية”، إلا بشرط تسليم منطقة شرقي الفرات التي تعادل ثلث مساحة سورية، إلى قواته. ويعتبر النظام أفراد هذه القوات “خونة” يخدمون الأجندة الأميركية وجلّ ما عرضه عليهم “تسوية وضعهم” وضمهم إلى قواته.