محاكمة نتنياهو وتقويض خرافة صهيونية عتيقة

محاكمة نتنياهو وتقويض خرافة صهيونية عتيقة

عشاق دولة الاحتلال الإسرائيلي سوف يتغنون بمشهد مثول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمام القضاء بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهي الواقعة الأولى من نوعها لمسؤول رفيع يتولى رئاسة الحكومة للمرة الخامسة وبات الأطول عهداً في هذا المنصب منذ تأسيس الكيان. والعشاق أنفسهم سوف يعتبرون افتتاح المحاكمة دليلاً جديداً يؤكد صورة “واحة الديمقراطية” الوحيدة في الشرق الأوسط، وهي الخرافة التي ابتدعتها الصهيونية العالمية وانخرط فيها أصدقاء دولة الاحتلال وحلفاؤها هنا وهناك في الغرب بصفة خاصة.

لكن نتنياهو أبى إلا أن يقوض الخرافة بنفسه منذ لحظة دخوله إلى قاعة المحكمة، إذ أعلن براءته سلفاً واتهم خصومه بالتآمر عليه وتنفيذ انقلاب سياسي لإقصائه عن السلطة، ووضع حدّ لسجله القياسي في رئاسة الحكومة، وإنهاء حكم اليمين، عبر تواطؤ المستشار القضائي للحكومة مع أشخاص في “الدولة العميقة” و”الصحافة اليسارية”. وهذه صفات تليق بجمهورية موز أو نظام استبداد أو دكتاتورية عارية، ويصعب أن تقترن بكيان يتفاخر بسيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية وفصل السلطات، فكيف إذا كان رئيس الحكومة نفسه هو الذي يضع اليمين واليسار والقاضي والصحافي في سلّة واحدة تحيك له الدسائس.

وقبل أن يُجهز نتنياهو على الخرافة إياها كانت المحكمة العليا في دولة الاحتلال قد أدلت بدلوها في عمليات التقويض حين صوتت بكامل أعضائها على أحقية نتنياهو في ترؤس الحكومة الجديدة رغم التهم الثلاث التي يواجهها، ورغم أن الجلسة الأولى لمحاكمته سبقت تنصيبه بأيام قليلة فقط، وكذلك رغم أن المحكمة ذاتها كانت قد أفتت قبلئذ بوجوب تنحي أي وزير يُحال إلى القضاء بتهم جنائية تتعلق بالفساد أو بخيانة الأمانة. في عبارة أخرى، “الواحة الديمقراطية” الإسرائيلية تطالب بتطبيق القانون على الوزير ولكنها تغض النظر عن رئيس الوزراء وتستثني جناياته من أحكام القانون ذاته.

ولكن نتنياهو لا يجاهر بتحدي القضاء مستنداً في غطرسته على أنصاره من مجموعات اليمين الذين يلهجون خارج المحكمة بهتاف “عاش الملك!” فقط، أو بالفتاوى العرجاء للمحكمة العليا التي تلوي عنق القوانين ذاتها التي تفتي فيها، بل إنه هذه المرّة يدخل المحكمة مسلحاً بصفقة حكومية فاضحة مع بيني غانتس خصمه السابق وزعيم “أزرق أبيض” الذي سبق له أن تعهد بعدم العمل مع رئيس حكومة متهم بثلاث قضايا مشينة، ثم حنث بالوعد. وهكذا فإن ائتلاف المحكمة العليا مع المعارضة الحزبية هو الذي يمنح نتنياهو تفويضاً بالدوس على القانون من جهة، وتقويض خرافة صهيونية عتيقة من جهة ثانية.

ولا تكتمل هذه الحال من دون مشاركة الجمهور الإسرائيلي العريض في صناعة المشهد، وكشف المزيد من قبائح النظام السياسي والحكومي والحزبي لكيان بدأ استيطانياً وعنصرياً ولم يتوقف عن رفد هاتين الصفتين بمزيد من القوانين التي تشدد على رسوخهما. ذلك لأن ثلاث دورات انتخابية للكنيست، في نيسان/ أبريل وأيلول/ سبتمبر 2019 وآذار/ مارس 2020، عجزت عن كسر الاستعصاء في تعبير الناخب الإسرائيلي عن إرادته، فكان القطاف لصالح نتنياهو ويمين “الليكود” في كلّ مرة.

ولهذا كله فإن جلسات محاكمة نتنياهو المقبلة لن تقوّم اعوجاج كيان وساسة ومجتمع.

القدس العربي