الموازنة العراقية تحت الضغط: ماذا تكشف حسابات الدولة حتى تموز 2026؟

الموازنة العراقية تحت الضغط: ماذا تكشف حسابات الدولة حتى تموز 2026؟


الباحثة شذا خليل
تكشف حسابات الدولة للموازنة الاتحادية العراقية حتى نهاية تموز 2026 عن تغير لافت في المشهد المالي مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. فالمشكلة لا تقتصر على انخفاض الإيرادات، بل تمتد إلى اتساع الفجوة بينها وبين الإنفاق، واستمرار ثقل النفقات الجارية، مقابل تراجع حاد في الإنفاق الاستثماري.
وتشير الأرقام إلى انخفاض إجمالي الإيرادات من نحو 72.04 تريليون دينار في الأشهر السبعة الأولى من 2025 إلى نحو 39.10 تريليون دينار في الفترة نفسها من 2026، أي بتراجع يقارب 45.7%.
وكان العامل الأكبر وراء هذا الانخفاض هو الإيرادات النفطية، التي هبطت من نحو 64.96 تريليون دينار إلى 30.36 تريليوناً، بانخفاض يقارب 53.3%. وفي المقابل، ارتفعت الإيرادات غير النفطية من نحو 7.08 تريليون إلى 8.74 تريليون دينار، بزيادة تقارب 23.4%.
وهذه المقارنة تحتاج إلى قراءة دقيقة. فقد انخفضت حصة النفط من إجمالي الإيرادات من نحو 90% في 2025 إلى 78% في 2026، لكن ذلك لا ينبغي تفسيره تلقائياً على أنه نجاح في تنويع الاقتصاد. صحيح أن الإيرادات غير النفطية سجلت تحسناً، إلا أن الانخفاض الكبير في الوزن النسبي للنفط جاء أيضاً نتيجة التراجع الحاد في الإيرادات النفطية نفسها.
ومن ثم، فإن التنويع الحقيقي لا يقاس فقط بانخفاض نسبة مساهمة النفط، وإنما بقدرة الأنشطة والإيرادات غير النفطية على النمو بصورة مستدامة وتعويض جزء مؤثر من تقلبات المورد النفطي.
الإنفاق يتراجع… ولكن أين حدث التخفيض؟
بلغ إجمالي النفقات حتى تموز 2026 نحو 68.26 تريليون دينار، مقابل نحو 77.33 تريليون دينار في الفترة نفسها من 2025، أي بانخفاض يقارب 11.7%.
لكن هذا الانخفاض يخفي تحولاً مهماً في تركيبة الإنفاق.
فالنفقات الجارية لم تنخفض، بل ارتفعت بصورة طفيفة من نحو 64.27 تريليون دينار إلى 65.42 تريليوناً، بزيادة تقارب 1.8%.
في المقابل، انخفضت النفقات الاستثمارية بصورة حادة من نحو 13.06 تريليون دينار في 2025 إلى 2.84 تريليون فقط في 2026، أي بتراجع يقارب 78.3%.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات الأرقام: عندما انخفضت الإيرادات، لم يحدث التكيف المالي أساساً من خلال تخفيض النفقات الجارية، وإنما وقع جانب كبير منه على الإنفاق الاستثماري.
وهذا أمر يستحق الانتباه، لأن النفقات الاستثمارية ترتبط بالمشروعات والبنية التحتية وتكوين رأس المال وتحسين القدرة الإنتاجية للاقتصاد. وبالتالي فإن تقليص الاستثمار قد يساعد على تخفيف الضغوط المالية في الأجل القصير، لكنه قد يحد في المقابل من قدرة الاقتصاد على التوسع والتنويع مستقبلاً.
26.33 أم 29.17 تريليون دينار: ما الرقم الصحيح للعجز؟
تحتاج هذه النقطة تحديداً إلى توضيح، بسبب تداول رقمين مختلفين للعجز.
بلغت الإيرادات نحو 39.10 تريليون دينار، بينما بلغت النفقات الجارية نحو 65.42 تريليوناً. وعند مقارنة الإيرادات بالنفقات الجارية فقط، تكون الفجوة:
65.42 − 39.10 = 26.32 تريليون دينار تقريباً.
وهذا يفسر ظهور رقم يقارب 26.33 تريليون دينار في بعض القراءات المنشورة.
لكن النفقات الجارية ليست إجمالي إنفاق الدولة. فعند إضافة نحو 2.84 تريليون دينار من النفقات الاستثمارية يصبح إجمالي النفقات:
65.42 + 2.84 = 68.26 تريليون دينار.
وعليه، فإن الفجوة بين إجمالي الإيرادات وإجمالي النفقات تبلغ:
68.26 − 39.10 = 29.16 تريليون دينار، أو نحو 29.17 تريليوناً بحسب الأرقام الأكثر دقة.
لذلك فإن 26.33 تريليون دينار يعبر عن الفجوة بين الإيرادات والنفقات الجارية، أما نحو 29.17 تريليون دينار فيعبر عن الفجوة عند احتساب إجمالي النفقات الجارية والاستثمارية.
وهذا التفريق ضروري عند تحليل وضع الموازنة، حتى لا تتم مقارنة مفهومين مختلفين للإنفاق.
العجز أصبح نحو 5.5 مرة مستواه السابق
تزداد دلالة الرقم وضوحاً عند مقارنته بالفترة نفسها من عام 2025.
فقد كانت الفجوة بين إجمالي الإيرادات والنفقات نحو 5.3 تريليون دينار، بينما وصلت في 2026 إلى نحو 29.17 تريليون دينار.
وبذلك أصبح مستوى العجز:
29.17 ÷ 5.3 ≈ 5.5 مرة
مستواه المسجل في الفترة المقابلة من 2025.
وهنا ينبغي أيضاً استخدام التعبير الحسابي بدقة. فقول إن العجز «أصبح 5.5 مرة» مستواه السابق لا يعني أن العجز «ارتفع بنسبة 550%». فالزيادة الفعلية من 5.3 إلى 29.17 تريليون دينار تقارب 450%، بينما المستوى الجديد يعادل نحو 550% من المستوى السابق.
لماذا يمثل ذلك تحدياً للمالية العامة؟
المشكلة التي تكشفها هذه الأرقام ليست في وجود العجز وحده، وإنما في الاختلاف الكبير في مرونة جانبي الموازنة.
فالإيرادات العراقية لا تزال شديدة التأثر بالنفط، ولذلك يمكن أن تتراجع بسرعة عندما يتعرض المورد النفطي أو التصدير أو الأسعار لضغوط. أما جزء كبير من الإنفاق الجاري، وفي مقدمته الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية والالتزامات التشغيلية، فمن الصعب خفضه بالسرعة نفسها.
وهكذا تظهر معادلة مالية حساسة:
إيرادات متقلبة بدرجة كبيرة، في مقابل التزامات جارية أكثر ثباتاً.
وعندما تتراجع الإيرادات، يصبح الإنفاق الاستثماري أحد المجالات التي يمكن تقليصها بسرعة أكبر، وهو ما تظهره أرقام 2026 بوضوح.
تحسن الإيرادات غير النفطية مهم… لكنه غير كافٍ
في الجانب الإيجابي، لا ينبغي تجاهل ارتفاع الإيرادات غير النفطية بنحو 23.4%. فهذا التطور مهم إذا كان قابلاً للاستمرار، لأنه يشير إلى إمكانية زيادة مساهمة مصادر أخرى في تمويل الموازنة.
لكن حجم هذه الإيرادات، البالغ نحو 8.74 تريليون دينار، يظل محدوداً مقارنة بحجم الالتزامات المالية للدولة وبالخسارة الكبيرة التي حدثت في الإيرادات النفطية.
ولهذا فإن التحدي لا يتمثل فقط في زيادة الإيرادات غير النفطية لسنة واحدة، وإنما في تحويلها إلى قاعدة مالية مستقرة ومتنامية من خلال تحسين الإدارة الضريبية والجمركية، وتقليل الهدر والتسرب، وتوسيع النشاط الاقتصادي المنتج، ودعم القطاع الخاص، مع تجنب تحميل أصحاب الدخول المنخفضة العبء الأكبر من الإصلاح المالي.
ماذا تقول أرقام تموز عن المستقبل؟
لا تكفي بيانات سبعة أشهر وحدها للحكم على المسار المالي للسنة بأكملها، كما أن وجود عجز لا يعني تلقائياً وقوع أزمة؛ إذ يعتمد أثره على طريقة تمويله، وتطور الإيرادات خلال الأشهر اللاحقة، ومستويات السيولة والدين والاحتياطيات.
لكن المقارنة بين 2025 و2026 تقدم إنذاراً مهماً بشأن هشاشة العلاقة بين الإيرادات النفطية والالتزامات الجارية للدولة.
فخلال فترة قصيرة، انخفضت الإيرادات بنحو 45.7%، بينما بقي الإنفاق الجاري قريباً من مستواه السابق، وانخفض الاستثمار بنحو 78.3%، واتسعت الفجوة بين الإيرادات وإجمالي النفقات من نحو 5.3 تريليون إلى أكثر من 29 تريليون دينار.
وهذا يقود إلى السؤال الأهم في السياسة المالية العراقية: كيف يمكن بناء موازنة تستطيع تحمل صدمة نفطية من دون أن يكون الاستثمار أول ضحاياها؟
إن استدامة المالية العامة العراقية لن تتحقق بمجرد ارتفاع أسعار النفط أو عودة الإيرادات النفطية إلى مستويات أعلى، بل تتطلب معالجة الاختلال الهيكلي بين إيرادات شديدة الارتباط بالنفط والتزامات جارية كبيرة يصعب تعديلها سريعاً.
فالدرس الأهم من حسابات تموز 2026 ليس أن العراق يواجه نقصاً في الموارد، وإنما أن قوة المالية العامة لا تقاس بحجم الإيرادات في سنوات الوفرة فقط، بل بقدرتها على الاستمرار عندما تتراجع تلك الإيرادات.
وهنا تكمن أهمية أرقام 2026: إنها لا تعرض مجرد عجز محاسبي، بل تكشف اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد العراقي على الانتقال من إدارة تقلبات النفط إلى بناء مالية عامة أكثر استقراراً وتنوعاً واستدامة.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية