من دينارٍ كان يشتري العالم… إلى دولارٍ يشتري العراق

من دينارٍ كان يشتري العالم… إلى دولارٍ يشتري العراق

عامر العمران 

يقف العراقي اليوم أمام تاريخ ديناره كما يقف المرء أمام صورة قديمة لبيت كان يسكنه ذات يوم؛ يتأمل ملامحه، يبحث عن شيء مألوف، ثم يعود إلى الحاضر فيجد أن المكان هو المكان، لكن الأشياء فقدت كثيراً من معناها.

في عام 1975، كان الدولار الواحد يساوي نحو 0.295 دينار عراقي، أي أن الدينار الواحد كان يعادل أكثر من ثلاثة دولارات وفق سعر الصرف الاسمي آنذاك. أما اليوم، فيحتاج الدولار إلى نحو 1310 دنانير بالسعر الرسمي.

لكن المسافة بين الرقمين ليست مجرد انهيار في سعر ورقة نقدية. إنها مسافة تختصر عقوداً من الحروب والحصار والعقوبات والاضطرابات والصدمات النفطية، وتكشف في الوقت نفسه عن اقتصاد تبدلت بنيته، لكنه لم ينجح في التحرر من اعتماده المزمن على مورد واحد.

غير أن وراء هذا الانهيار النقدي سؤالاً أكبر: كيف تبدّل الاقتصادالعراقي حتى فقدت عملته هذا القدر من قيمتها؟ بل: ماذا حدث للاقتصاد الذي كان يقف خلفه؟

فالعملة تتجاوز كونها ورقة تحمل رقماً ؛ بل هي انعكاس لقدرة الاقتصاد على الإنتاج، ولثقة الناس بمؤسساته، ولقدرته على تحويل موارده إلى قيمة مستدامة.

والدينار لا يضعف في الفراغ.

حين يتراجع الإنتاج المحلي، وتتسع الحاجة إلى الاستيراد، ويصبح الإنفاق العام رهينة لإيرادات النفط، تصبح العملة أكثر تعرضاً للضغوط، مهما بدت خزائن الدولة ممتلئة بالدولارات.

وهنا تكمن المفارقة العراقية الكبرى: بلد غني بالموارد، لكنه لم يحول ثروته بالكامل إلى اقتصاد غني بالقدرات.

فالنفط لا يزال العمود الفقري لإيرادات الدولة وصادراتها. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أنه شكّل في 2025 نحو 88% من إيرادات الحكومة و91% من صادرات السلع.

وهذا يعني أن صعود سعر البرميل لا يرفع إيرادات الدولة فقط؛ بل يوسع قدرتها على الإنفاق، ويحرك الطلب، ويزيد الحاجة إلى الاستيراد في اقتصاد لا تزال قاعدته الإنتاجية غير النفطية محدودة. وعندما ينخفض النفط، تنكمش هذه الدورة وتظهر آثارها في الموازنة والاستثمار والعمل والدخل.

هنا ينتقل النفط من شاشة الأسواق العالمية إلى حياة المواطن. إلى الراتب، وسعر الغذاء، وكلفة النقل، والإيجار، والتعليم، والدواء.

ولهذا فإن المواطن لا يسأل عن الناتج المحلي ولا عن حجم الاحتياطي بقدر ما يسأل سؤالاً أكثر قسوة: أين تذهب ثروة بلدي إذا كنت لا أشعر بها في حياتي؟

الإجابة تبدأ من الفرق بين الريع ورأس المال.

يمكن للنفط أن يمول الإنفاق، لكن الإنفاق ينتهي بانتهاء أثره. أما إذا تحول جزء من العائد النفطي إلى استثمار يرفع إنتاجية الصناعة والزراعة والنقل والطاقة والتمويل، فإنه يخلق قدرة إنتاجية تستمر بعد إنفاق الدولار الأول.

وهنا يجب أن تتغير وظيفة النفط: ألا يكون النفط هو الاقتصاد، بل أن يكون وسيلة لبناء اقتصاد أقل اعتماداً عليه.

فالقوة الحقيقية للدينار لا تبدأ من شاشة البنك المركزي، بل من المصنع والحقل والميناء والشركة الصغيرة والمصرف الذي يمول مشروعاً منتجاً والجامعة التي تخرج مهارات يحتاجها السوق.

يمكن للدولة أن تدافع عن سعر الصرف، لكنها لا تستطيع أن تدافع عنه إلى الأبد أمام اقتصاد لا ينتج بما يكفي.

يمكنها أن توفر الدولار، لكنها لا تستطيع أن تجعل الاستيراد بديلاً دائماً عن الإنتاج.

ويمكنها أن تنفق المليارات، لكن المليارات لا تصبح تنمية إلا عندما تتحول إلى إنتاجية ووظائف ودخل حقيقي وصادرات.

لذلك، فإن مقارنة دينار 1975 بدينار اليوم ليست دعوة ساذجة إلى استعادة سعر صرف قديم. إنها مرآة لسؤال أكبر:

لماذا لم تتحول الثروة النفطية الهائلة إلى قاعدة إنتاجية تجعل الاقتصاد أقل هشاشة، والمواطن أقل خوفاً من حركة الدولار؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي.

ليس كم يساوي الدينار أمام الدولار، بل كم يستطيع الاقتصاد العراقي أن ينتج من قيمة وراء كل دينار.

والدولة الغنية ليست التي تملك النفط فقط، بل التي تعرف كيف تستخدمه لبناء اقتصاد يستطيع، يوماً ما، أن يعيش من دونه.

والعملة القوية ليست التي تحمل رقماً مبهراً، بل التي تستند إلى اقتصاد قوي، ومؤسسات مستقرة، وإنتاج حقيقي، وثقة لا تحتاج كل صباح إلى أن تنظر إلى شاشة الدولار كي تطمئن.

في النهاية، قد تنكسر قيمة الورقة، لكن الحكاية لا تنكسر إلا حين يعجز العراق عن تحويل نفطه من ثروة تُنفق إلى اقتصادٍ يُنتج، ومن اقتصادٍ يُنتج إلى مستقبلٍ لا يحتاج فيه العراقي كل صباح إلى النظر إلى الدولار ليعرف قيمة ما يملك.