الباحثة شذا خليل*
يمتلك العراق واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ويقوم جزء كبير من قدرته المالية على ملايين البراميل التي ينتجها يومياً. لكن الأزمة الأخيرة في مضيق هرمز كشفت مفارقة خطيرة: امتلاك النفط لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويله إلى إيرادات. فبين البئر والخزينة توجد سلسلة طويلة تبدأ بالإنتاج، وتمر بالأنابيب والموانئ والناقلات والتأمين والممرات البحرية، وتنتهي بوصول النفط إلى المشتري ودخول الدولار إلى الاقتصاد العراقي. وعندما تتعطل إحدى الحلقات الأساسية في هذه السلسلة، يمكن أن يتحول المورد الذي يمثل مصدر القوة الأكبر للاقتصاد إلى مصدر هشاشته الأكبر. ولهذا فإن إعلان وزارة النفط أن متوسط صادرات الخام خلال سبتمبر/أيلول بلغ نحو 2.6 مليون برميل يومياً يجب ألا يُقرأ باعتباره رقماً نفطياً فقط، بل باعتباره مؤشراً على اختبار اقتصادي أوسع يواجه العراق. فالوزارة أوضحت أن الحديث عن صادرات تجاوزت أربعة ملايين برميل يومياً يتعلق بيوم استثنائي واحد تزامنت فيه عدة عمليات تحميل، وليس بمعدل مستدام. وقبل اضطرابات الملاحة عبر هرمز، كانت الصادرات العراقية تدور حول 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يومياً، ما يعني أن التعافي الحالي مهم، لكنه لم يُعد منظومة التصدير بعد إلى وضعها السابق.
المشكلة الأخطر ليست في كمية النفط الموجودة تحت الأرض، وإنما في الجغرافيا التي تفصل النفط العراقي عن الأسواق العالمية. يعتمد العراق بدرجة كبيرة على موانئه الجنوبية والخليج، وهو ما يجعل مضيق هرمز جزءاً فعلياً من أمنه الاقتصادي والمالي. ومع اضطراب حركة الملاحة، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق بصورة حادة مقارنة بمستويات ما قبل الصراع. ورصدت رويترز، على سبيل المثال، ناقلة تحمل مليوني برميل من خام البصرة وهي تنقل شحنتها قبالة الفجيرة إلى ناقلة أخرى متجهة إلى الصين. هذه العمليات تسمح باستمرار جزء من التجارة، لكنها تكشف في الوقت نفسه مقدار التعقيد الذي دخل على عملية كانت في الظروف الطبيعية أكثر مباشرة وأقل تكلفة. وقد ارتفعت تكاليف الشحن بصورة استثنائية في المنطقة؛ وقال وزير النفط العراقي إن تكلفة نقل الخام ارتفعت من نحو 26 دولاراً إلى 37 دولاراً للبرميل. وهناك خلاف عراقي–سعودي علني حول تفسير بعض أسباب الارتفاع، إذ نفت الرياض ادعاءً عراقياً يتعلق بشرائها ناقلات، وأرجعت ارتفاع تكاليف النقل إلى عوامل تشمل الحرب واضطراب الملاحة وارتفاع المخاطر. لذلك لا يمكن الجزم بسبب واحد، لكن النتيجة الاقتصادية واضحة: أصبح إيصال البرميل إلى السوق أكثر تكلفة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى المالية العراقية. ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يعني تلقائياً أن العراق هو المستفيد الأكبر، لأن ما يهم الخزينة ليس السعر المعلن للبرميل وحده، وإنما صافي ما يبقى بعد تكاليف النقل والتأمين والخصومات والاضطرابات اللوجستية. وكلما ارتفعت تكلفة إيصال الخام أو انخفضت الكميات القابلة للتصدير، تتقلص الفائدة التي تحصل عليها الدولة. وتصبح المسألة أكثر حساسية في اقتصاد تعتمد فيه المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. فالصدمة التي تبدأ في مضيق بحري يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى حسابات الموازنة والسيولة العامة والإنفاق والاستثمار، ومن ثم إلى النشاط الاقتصادي الأوسع. ولهذا لا ينبغي التعامل مع أزمة التصدير بوصفها مشكلة تخص وزارة النفط وحدها؛ إنها مشكلة مالية ونقدية وتنموية في الوقت نفسه.
الأخطر أن الصدمة تكشف الفرق بين القدرة الإنتاجية والقدرة التصديرية. يمكن للعراق أن يرفع إنتاجه، لكن البرميل الذي لا يستطيع الوصول إلى المشتري في الوقت المناسب لا يحقق الإيراد المتوقع. وإذا استمر الاختناق لفترة طويلة، قد تضطر الشركات والحقول إلى تعديل الإنتاج ليتناسب مع قدرة التخزين والتصدير. عندها تنتقل الأزمة من النقل إلى الإنتاج نفسه. هذه المعادلة تكشف أن الأمن النفطي الحقيقي لا يقاس بعدد البراميل التي يمكن استخراجها يومياً فقط، بل بعدد المسارات المستقلة التي تستطيع حمل تلك البراميل إلى الأسواق.
ولهذا بدأت بغداد تبحث بصورة أكثر جدية عن مخارج بديلة. ففي سبتمبر أطلق العراق تجربة لنقل النفط الخام من الحقول الجنوبية بالشاحنات إلى منشآت تخزين في كركوك بهدف تعزيز الكميات المتاحة للتصدير عبر ميناء جيهان التركي. وخلال يومين من التجربة، نقلت 209 شاحنات أكثر من ستة ملايين لتر من الخام. لكنها ليست حلاً يمكنه بسهولة تعويض صادرات بحرية بملايين البراميل يومياً؛ إذ تواجه العملية قيوداً تتعلق بعدد الشاحنات وقدرات التحميل والطرق والخدمات اللوجستية. وهذا بحد ذاته يحمل رسالة اقتصادية مهمة: البديل الحقيقي للممر الاستراتيجي يحتاج إلى بنية تحتية استراتيجية، وليس إلى حلول طارئة فقط.
من هنا، تصبح خطوط الشمال عبر تركيا والمشروعات المقترحة باتجاه منافذ أخرى أكثر من مجرد مشاريع نفطية. إنها بمثابة بوليصة تأمين للاقتصاد العراقي. وزارة النفط تتحدث بالفعل عن خطط لزيادة القدرة التصديرية مستقبلاً من خلال خطوط استراتيجية باتجاه فيشخابور وبانياس إلى جانب المنافذ التقليدية. لكن الإعلان عن المسارات شيء، وتحويلها إلى قدرة تشغيلية كبيرة ومستقرة شيء آخر؛ فهذا يتطلب تمويلاً واتفاقات سياسية وأمناً وبنية تحتية وقدرة على العمل لسنوات وليس أثناء الأزمات فقط.
الأزمة الحالية يجب أن تدفع العراق أيضاً إلى طرح سؤال أكثر صعوبة: لماذا يبقى استقرار اقتصاد بحجم الاقتصاد العراقي مرتبطاً إلى هذا الحد بطريق خروج سلعة واحدة؟ تنويع منافذ النفط ضروري، لكنه لا يعالج وحده أصل المشكلة. فإذا بقيت الموازنة والدولار والنشاط الاقتصادي مرتبطة بصورة كبيرة بعائدات الخام، فإن إنشاء ثلاثة طرق لتصدير النفط بدلاً من طريق واحد يقلل المخاطر الجغرافية، لكنه لا يلغي المخاطر الاقتصادية الناجمة عن الاعتماد على النفط نفسه. ولذلك يجب أن يسير تنويع طرق التصدير بالتوازي مع تنويع مصادر الإيرادات والإنتاج والصادرات غير النفطية.
ما يحدث في هرمز، إذاً، ليس مجرد أزمة ملاحة عابرة، بل إنذار مبكر للاقتصاد العراقي. العراق يمتلك المورد، لكنه يحتاج إلى امتلاك حرية الحركة أيضاً. يحتاج إلى ممر جنوبي قوي، وممر شمالي قادر على العمل بطاقة كبيرة، وبدائل استراتيجية قابلة للاستخدام عند الأزمات، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى اقتصاد لا تتوقف قدرته على الإنفاق والنمو كلما تعثرت ناقلة أو أُغلق ممر بحري.
فالنفط الموجود تحت الأرض يمثل ثروة، لكن النفط الذي يصل بأمان وكلفة معقولة إلى السوق هو الذي يتحول إلى إيراد. وعندما يعتمد اقتصاد كامل على ممر واحد تقريباً لإيصال ثروته الأساسية إلى العالم، يصبح ذلك الممر جزءاً من الموازنة ومن قيمة العملة ومن الأمن الاقتصادي للدولة.
وهنا تكمن الرسالة الأخطر التي كشفتها الأزمة: المشكلة ليست أن العراق قد ينفد منه النفط، بل أن يمتلك النفط ولا يمتلك دائماً الطريق الآمن لإيصاله إلى العالم.
وحدة الدراسات الاقتصادية \ مكتب شمال امريكيا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
