الحوثيون والطاقة السعودية: جبهة ضغط جديدة

الحوثيون والطاقة السعودية: جبهة ضغط جديدة

اياد العناز 

جاء التصعيد العسكري الحوثي ليؤكد أن مسار المواجهة يمكن لها أن تتجاوز حدود الساحة اليمنية عبر التصعيد الميداني في إمكانية تعزيز حالة الضغط القائمة على البيئة الاقتصادية التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية في توسيع العقوبات الاقتصادية والحصار البحري على إيران، ليأتي التحرك الحوثي في السيطرة الميدانية على (مدينة المخا وذباب وميمون) والاستيلاء على جزر ( بريم وحنيش وزقر)، ليمنح المشروع الإيراني الإقليمي دورًا فاعلًا وضغطًا سياسيًا بعيدًا عن أي عمليات عسكرية منفصلة، عبر استغلال إيران لمليشياتها وفصائلها المسلحة وحلفائها ومنهم جماعة الحوثيين كأوراق تُفعلها حينما تشتد ازماتها الداخلية وتضعف إرادتها الخارجية واعتمادها أدوات فاعلة في أي مفاوضات قادمة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية حتى ولو كانت على حساب الأمن القومي العربي الخليجي.
هناك ترابط وثيق بين ما يحدث في البحر الأحمر وباب المندب وبين التصاعد المستمر في المواجهة الأمريكية الإيرانية، فمع عملية استمرار الحصار البحري الأمريكي وزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية وتصاعد حالة التوتر في مضيق هرمز، أصبح البحر الأحمر يشكل ممرًا مائيًا ذات دلالة ميدانية وأهمية بالغة لمرور إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية، بعد توسيع نطاق التهديد في باب المندب وهو ما يعني تحويل المنطقة الساحلية للبحر الأحمر إلى جبهة إضافية في المواجهة بين واشنطن وطهران، وهو الهدف الذي يسعى إليه الحرس الثوري الإيراني في توزيع الضغط العسكري والأمني في جبهتين رئيستين ( مضيق هرمز وباب المندب).
فكلما ارتفعت رقعة التهديد لطرق الملاحة البحرية، ارتفعت معها كلفة التأمين والنقل والطاقة وأصبحت المواجهة العسكرية والحصار البحري والعقوبات الأمريكية أكثر كلفة على الاقتصاد العالمي ومنطقة الخليج العربي.
تحاول إيران التمسك باستراتيجية سياسية اقتصادية قائمة على التصعيد العسكري ومنع مرور السفن والناقلات والتصدي لها والابقاء على حالة الاغلاق في مضيق هرمز بهدف تغيير الشروط الأمريكية للتفاوض، وهي تدرك أنها لا يمكن أن تحقق انتصاراً عسكريًا على الولايات المتحدة الأمريكية وإنما تسعى لمنع تحويل الحصار الاقتصادي إلى وضع دائم وقيام واشنطن بإعادة النظر بحسابات كلفة استمرار المواجهة معها، وهي تعلم أن امتلاكها للقدرة على التأثير في مضيق هرمز وباب المندب يمنحها ورقة تفاوضية تتجاوز جميع الملفات المهمة والرئيسي التي ابتدأت بها المواجهة في أيامها الأولى ومنها الملف النووي وأن أي استمرار في اضطراب حركة الإمدادات النفطية والتجارة العالمية يمكن أن يتحول لمشكلة سياسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما اتسببت في عملية ارتفاع أسعار النفط والغاز.
تحاول إيران إيجاد وسائل وأدوات في إمكانية التراجع الأمريكي عن تنفيذ العقوبات الاقتصادية والحصار البحري أو التقليل من تأثيراتها، فعملت على الإعلان عن منطقة بحرية محظورة خارج مضيق هرمز والتهديد بحرمان السفن التي تدخلها من دون التنسيق المسبق معها، ومنع تقديم الخدمات البحرية والتأمينية وخدمات الدعم الإيراني، وهي ما تراه وسائل لاستهداف المصالح الاقتصادية الأمريكية والقوى المرتبطة بها، والسلوك الإيراني واضح في هذا الإجراء بتغيير وظيفة القوة العسكرية باستخدام الضغط على خطوط الملاحة وامدادات الطاقة باعتبارهما أدوات لتغيير حسابات واشنطن، وهي سياسية إيرانية للانتقال من الرد على الضغط إلى فرض كلفة على استمرار الضغط.
العقيدة السياسية الإيرانية ترى أن المتضرر اقتصاديًا من الممكن أن يتحول لقوة ضغط على واشنطن لتخفيف أعباء العقوبات الاقتصادية والمواجهة العسكرية، ويوسيع استهداف اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي الفارق بين كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وكلفتها المباشرة على شركائها، بما قد يدفعهم إلى طلب تسويات منفردة،
وتناول معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة في واشنطن احتمال سعي الحوثيين إلى فرض رسوم أو شروط مرور، وهنا تصبح حرية التجارة رهينة مساومة مع فصائل ومليشيات مسلحة.
وجاءت عملية التمدد الحوثي في أهدافها وغاياتها مع الهجمات التي سبق وأن قامت بها في 27 تموز 2026 باستهدافها لمنظومة الصادرات النفطية السعودية في المواقع الرئيسية لنقل النفط بين شرق المملكة العربية السعودية وينبع، وفي 11 آيلول 2026 أعلنت الرياض عن تعرض خط (شرق – غرب) لمسيرات آلية من العراق تسببت بإصابات وأضرار مما أدى إلى توقيف العمل به، إن تكرار استهداف المنظومة نفسها من ساحات مختلفة يكشف حقيقة الخطر الذي يهدد المواقع البديلة لنقل الطاقة ضمن مخطط أعد له بشكل منظم من قبل الحرس الثوري الإيراني وبتفيذ مباشر من قبل أدواته وحلفائه ووكلائه، وجاء في سياق حديث النائب الثاني لرئيس مجلس مجلس الشورى (حميد رضا حاجي) الإيراني في 21 آب 2026 الذي تضمن تهديدات مباشرة باستهداف خطوط أنابيب النفط البديلة لمضيق هرمز بالصواريخ، محذرًا دول الخليج من الاستمرار في تطوير أو استخدام هذه المسارات، وأضاف أن (من يمد خط أنابيب بهدف تقليل أهمية مضيق هرمز فإننا سنستهدفه بالصواريخ)، وأشار تحديداً إلى خطوط الأنابيب التي تنقل النفط بعيدًا عن هرمز، مثل خط أنابيب الفجيرة (في الإمارات) وخط أنابيب ينبع (شرق-غرب في السعودية)، وهو ما حصل وتم تنفيذه حرفيًا مما يعني اصرار النظام الإيراني على تنفيذ أهدافه ومشروع السياسي الإقليمي باستهداف السيادة العربية والأمن القومي العربي وضرب مقومات المنظومات الاقتصادية الخليجية العربية وخاصة داخل الأراضي السعودية، تزامنت هذه التصريحات مع مواقف مشابهة أطلقها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، الذي هدد بدوره باستهداف مسارات شحن النفط الأخرى خارج الخليج إذا شاركت دول الجوار فيما وصفه ب( الحرب الاقتصادية التي تقودها واشنطن ضد بلاده.
أن أهمية خط (شرق غرب) تتحدد في نقل النفط إلى البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز، واستهدافه يوسع من عملية التصعيد الإيراني والابتزاز السياسي والاقتصادي الذي تمارسه قيادات الحرس الثوري لتعويض تقييد أدواتها في الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، وهنا تتكامل الخطة والمنهج العدواني في تتبع مسار أنبوب البديل البري مع تهديدات باب المندب بإيقاف سفن وناقلات الشحن الخاصة بالنفط السعودي عند بلوغها البحر الاحمر، فالصادرات النفطية عبر ميناء ينبع تتجه شمالاً إلى قناة السويس ولا تتجه نحو باب المندب، بينما تواجه الشحنات المتجهة جنوبًا نحو آسيا، أنها سلسلة من الضغوط التي تتابع حركة الإمدادات النفطية الدولية والتجارة العالمية.
أن استهداف منشآت النفط السعودي والتقدم الحوثي نحو باب المندب وتوجيه فعالية المليشيات والفصائل المسلحة عبر الحدود توضح حقيقة السياسية الإيرانية والمنطق الميداني الذي يعمل على تحويل المأزق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعانيه منظمومة الحكم الإيراني إلى أزمة تمس وتضر بالاقتصاد العالمي للاستفادة منها في تحديد شروطها ومحاولة تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية تحسن من دورها الإقليمي عند أي انطلاق للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي، وتعويض حالة التآكل الذي اصاب نفوذها في الشرق الأوسط والوطن العربي بتوسيع دائرة قدرتها على تعطيل مسارات الطاقة والتجارة العالمية وايقاع الاذى على دول المنطقة وترى فيها انتصاراً ميدانيًا لها تحاول إقناع نفسها به.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية