إيران… بين الألم الاقتصادي والامتثال السياسي

إيران… بين الألم الاقتصادي والامتثال السياسي

اياد العناز

تسارع الأحداث في منطقة الخليج العربي بين تأثير العقوبات الاقتصادية الأمريكية والحصار البحري على إيران، واتخاذ المسار العسكري منحنى متطور وأدوات أكثر فاعلية في استهداف السفن والناقلات والعودة بالذاكرة السياسية والاقتصادية إلى منتصف ثمانينات القرن الماضي آبان الحرب العراقية الإيرانية والتي اعتمدت في إحدى مفاصلها المهمة والرئيسية على (حرب الناقلات)، تبدأ الان مرحلة مفصلية في المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية بتصعيد عمليات الاستهداف المشترك لأهداف بحرية ومواقع أمنية وقواعد عسكرية وتوسيع لدائرة الاشتباك.
أخذت العقوبات الأميركية مدياتها في إعادة توزيع أدوات القوة داخل هيكلية النظام الإيراني، فالقوى المتصارعة عملت على تقوية شبكة العلاقات وتطويرها داخل الدولة الأمنية وتعزيز تواجدها في المؤسسة السياسية، و تحكمها بالقرار الإيراني، على حساب الدولة المدنية بتقيدها بشروط محددة تفاوضية في حالة الذهاب لقبول الوساطات العربية والإقليمية.
الحرس الثوري الإيراني يمتلك أدوات أوسع لإدارة الأزمات ومواجهة الحصار البحري والاقتصادي لامتلاكه شبكات للاقتصاد المتوازي غير المباشر، بينما تتحمل حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كلفة ارتفاع الأسعار وسوء الأحوال المعيشية وزيادة نسبة التضخم المالي ونقص الوقود أمام المواطنيين الإيرانيين، وكان لتراجع صادرات النفط إلى نحو( 220 – 255) ألف برميل يوميًا في شهر آب 2026 مقارنة بالاشهر الماضية التي وصلت فيها الصادرات النفطية إلى مليوني برميل، آثر كبير في رفع كلفة إدارة الدولة وشكلت ضغطًا كبيرًا على انهيار العملة المحلية وقيمة الواردات والموارد المالية من الإنفاق العام.
بدأت ملامح اقتراب النظام السياسي الإيراني من حالتين في المشهد العام للدولة، أما أن تتحول الأزمة الاقتصادية والعقوبات الأمريكية وتاثيراتها إلى منح تفويض كامل للرئاسة الإيرانية للجلوس لطاولة الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي وادراك المخاطر الجسيمة التي ستسببها نتائج العقوبات الاقتصادية وإيجاد مخارج سريعة للتخفيف منها والاتفاق على أسس وركائز لاتفاق شامل يرضى جميع الأطراف، أو أن تتحول الدولة الأمنية التي تهمين عليها قيادات الحرس الثوري إلى اعتماد الأزمة الاقتصادية القائمة إلى مبرر لتوسيع أدوات ووسائل الانتشار الأمني وانفاذ الخطط الميدانية في توسيع الانتشار والنفوذ على مفاصل الدولة واقتصادها بحجة حماية النظام والدفاع عن وجوده، وهناك مسار أخر لا يزال في طور البحث والمناقشة بين أطراف الصراع في مؤسسة الحكم بطهران يدعو إلى اعتماد مسار تفاوضي غير مباشر مع تشديد في الأساليب والتوجيهات الأمنية العسكرية.
بسبب السياسة الأمريكية وعقوباتها المباشرة واتساع نطاقها وبدأ التأييد الدولي لها وخاصة الاتحاد الأوربي، ظهرت اقاويل وتصريحات إيرانية تنطلق من مجلس الشورى وبعض قيادات المحافظين بضرورة الانسحاب من معاهدة انتشار الأسلحة النووية وعدم السماح لفرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية من العودة لمهامها على الأراضي الإيرانية والأخذ بالاعتبار بعض التوجيهات الأمريكية من التهديد بضرب المنشآت النووية والمواقع المرتبطة بها، وهذا ما يعني انتقال المواجهة العسكرية الأمريكية إلى أزمة تهدد منظمومة الأمن الخليجي العربي والإقليمي.
تتسم الأوضاع الداخلية في إيران بتاثيرها بالعقوبات الاقتصادية مع تواصل في عملية التشدد الأمني من قبل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية والباسيج في الانتشار والمراقبة والمتابعة لأي تحركات أو محاولات قائمة لإعادة موجة الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات النظام الإيراني، ومحاولة ميدانية موجهة من قبل المسؤولين الإيرانيين لمنع أي عمليات لاعتماد السلاح النووي عنصر مهم في سياسة التهديد واعتباره إضافة نوعية وقوة قائمة في مفاوضات قد تكون قادمة.
وهنا ستبرز حالة خاصة تتعلق بمفهوم للأمن القومي الإيراني الذي يتخذ من مضيق هرمز ورقة سياسية واقتصادية في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والعالم عبر ممانعته ومضايقته لخطوط الإمداد العالمي للطاقة والتجارة الدولية، يضيف إليها ملف مهم يتعلق بالاسلحة النووية لتكون أكثر حضورًا وتاثيرًا في مواجهة الحصار البحري والعقوبات الأمريكية الاقتصادية ويعلن ممانعته لأي عمليات تفتيش قادمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
الفريق السياسي الإيراني الذي يدعو للتفاوض كهدف مرحلي لرفع العقوبات ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الإيراني، سيكون أكثر من يساهم في اعتماد الدبلوماسية والحوار بديلًا عن التصعيد في التشدد النووي والأمني، وعدم المضي إلى اعتماد ورقة الانسحاب من معاهدة انتشار الأسلحة النووية موقفًا رسميًا لأنه سيزيد من آثار الضغط السياسي والتأثير الدولي ضد إيران.
الإدارة الأميركية ماضية في عملية الخنق الاقتصادي ونقل مركز ثقلها من الضغط العسكري المباشر إلى الإكراه المالي وفرض عقوبات ثانوية بصورة متكررة على البنوك والمؤسسات التي تحافظ على صلاتها بإيران، والهدف هو جعل استمرار المقاومة الإيرانية مكلفًا إلى درجة لا تستطيع طهران تحملها.
ظهرت أداة مهمة في التعبير الميداني عن مدى تأثير العقوبات بتفريقها بين الألم الاقتصادي والامتثال السياسي، فالاصول التجارية والتبادلات في الواردات والصادرات أصابها الضعف والتراجع أدت لنقص كبير في الموارد المالية بموازاة ارتفاع ملحوظ في نسبة التضخم الاقتصادي وتضيق في الوصول إلى قنوات الحصول على العملة الصعبة، ولكن جميع هذه التطورات لم تلقي اهتمام من قبل الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي الإيراني في النظر لمعاودة قراراتهم حول الجلوس للتفاوض والحوار وخطورة القادم من المواقف الأمريكية والاوربية بعزل إيران بصورة كاملة ورفع كلفة منع تصدير النفط والغاز وإيقاف التعاملات التجارية وزيادة التكاليف في التأمين والنقل العام.
ان استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية وتصعيد فاعليتها بالحرب الاقتصادية ستكون محل اختبار لحدود القوة المالية الأمريكية، فالعزل الإيراني قد يؤدي إلى زيادة التكلفة الاقتصادية إلى ما هو أبعد من تأثيراتها في الداخل الإيراني، يعني أن العقوبات ليست أداة بلا ثمن على الطرف الذي يفرضها، فكلما اتسعت مضامينها ازدادت الحاجة لضبط مواقف الحلفاء والشركاء وحركة الأسواق حتى لا تتحول الحملة إلى أزمة أوسع في الطاقة والتمويل المالية، وإنما ابقائها ضمن إطار إعادة هندسة السلطة وترتيب الحكم في إيران، فالاستراتيحية الأمريكية لا يقاس نجاحها فقط بحجم الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الإيراني، بل بقدرتها على الحفاظ على حالة الضغط السياسي والاقتصادي مرتفعًا وقائمًا ومنع تشكيل أي التفاف على العقوبات عبر قنوات خاصة تتعامل مع الصين وروسيا ووسطاء آخرين وتجنب دفع أسواق الطاقة والتجارة إلى مقاومة العقوبات أو الالتفاف عليها.
من الممكن أن يحدث توتر وصراع بين مؤسسات وهيئات الدولة الإيرانية بزيادة فعالية العقوبات الاقتصادية والاختلاف حول قرار العودة للمفاوضات والحلول الدبلوماسية للخروج من عنق الزجاجية التي تحكم السيطرة عليها الإدارة الأمريكية.
وهنا يمكن القول هل تستطيع واشنطن تحويل الألم الاقتصادي إلى تنازل سياسي من دون أن يؤدي إلى اتساع العقوبات إلى تقوية اقتصاد الحرب داخل إيران أو إلى إضعاف الائتلاف الدولي الداعم لها؟
الملامح التي تعكس الصورة الميدانية تشير إلى أن النتيجة مزدوجة بين الضغط المالي الذي تزداد عمليات تأثيره في خنق الموارد والوصول إلى بدائل لمواجهة العقوبات والحصار البحري، ولكنه لم يتحول لقوة حاسمة لإعادة توجيه القرار الإيراني بما تطمح إليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تشير المعلومات بأن الحملة الأمريكية البحرية والمالية أضعفت قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط كما في السابق، فالأزمة أدت لنقص في العملة الصعبة وتراجع في الواردات وارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية المتعلقة بالحياة المعيشية للمواطن الإيراني، مع وجود مخاوف وترقب أمني من انتقال الخناق الاقتصادي إلى اضطرابات داخلية، في وقت لم تظهر هناك أي بوادر من قبل قيادات الحرس الثوري للتعامل مع التطور في الأزمة الاقتصادية بشكل واقعي واستعداد للحوار، ولا تزال سياسته قائمة على اعتماد الصمود الذي يراه أداة مناسبة للمراهنة في توجه الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف شروطها مع إجراء مفاوضات غير مباشرة واتصالات سياسية إقليمية تحفظ لإيران موقف سياسي ومكاسب اقتصادية، منها تخليها عن المطالبة برسوم مرور مقابل ضمان استمرار مرور السفن الايرانية وتخفيف الحصار البحري.
تدرك إيران صعوبة المرحلة التي تعيشها بعد الهبوط في صادراتها النفطية من نحو مليوني برميل يوميًا في آذار إلى قرابة 220 – 255 ألف برميل يوميًا في آب 2026، وهو تراجع يؤثر مباشرة على توفر النقد الأجنبي وقدرة إيران على تحمل تمويل استحقاقاتها الداخلية.
تحاول إيران إيجاد بدائل وركائز جديدة لها في مضيق هرمز، فاعلنت عن نيتها انشاء منطقة تقييد جديدة قرب مضيق هرمز وتنظيم ممر ملاحي بالتنسيق مع عُمان في خطوة تبدو محاولة لتعويض تراجع النفوذ عبر تحويل السيطرة على المرور من تهديد مفتوح إلى إطار قانوني أمني أكثر تنظيمًا، وإيران تقترب أما من تسوية تحفظ لها مكانتها في الردع وتفتح باب للعودة لتصدير محدود من النفط والغاز، أو التشدد السياسي والعسكري بما قد يحول أزمة الموارد المالية إلى أزمة داخلية واسعة.