النفط الإيراني في المقايضة الأمريكية – الصينية

النفط الإيراني في المقايضة الأمريكية – الصينية

اياد العناز 

بدأت العقوبات الاقتصادية الأمريكية تتوسع في تنفيذ فقراتها وأدواتها وأخذت مسارًا فاعلًا لدول ترتبط معها واشنطن بعلاقات وثيقة ومنها روسيا، فكان الإعلان الذي اقرته وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات جديدة على بنك (VTB) الروسي في 14 آيلول 2026، متهمةً إياه بإنشاء قنوات مالية مع بنوك إيرانية خاضعة للعقوبات وتوفير ترتيبات تساعد طهران على مواصلة التجارة والتحويلات المالية رغم العزلة الغربية، في خطوة مهمة وضمن حملة أوسع استهدفت الوسطاء الماليين الذين يمكنون إيران من تجاوز العقوبات مع تحذيرات موجهة إلى مؤسسات اقتصادية وشركات مالية في دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية التركية، في رسالة واضحة للصين.
اتى الاستهداف الأمريكي مباشرة في استهداف للبنية المالية الخارجية التي تسمح لطهران بالبقاء عبر المصارف والبنوك وحسابات المقاصة وقنوات التحويل والوسطاء المعتمدين والمرتبطين بروسيا والصين ودول المنطقة، وهي سياسة في الانتقال من عقوبات الضغط العام إلى عقوبات تفكيك شبكات البقاء المالي.
خطورة الإجراء الأمريكي، أن العقوبات لم تعد تلاحق صادرات النفط والمؤسسات الاقتصادية الإيرانية، بل بدأت تستهدف الوسطاء الذين يحافظون على تدفق الأموال والسلع، وهو ما يرفع كلفة استمرار النظام وبقائه، دون أن يعني بالضرورة انهياره الفوري، ورسالة اختبار للعلاقات الروسية الإيرانية، فموسكو قد يكون لها الاستعداد لمساعدة طهران عسكريًا بتزويدها بمعلومات استخبارية والوقوف معها سياسيًا، لكنها تواجه كلفة متزايدة إذا تحولت مؤسساتها المالية إلى أدوات مباشرة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ويمثل رسالة للقيادة الصينية قبل اللقاء القادم بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ في العاصمة الأمريكية (واشنطن) بتاريخ 24 آيلول 2026، بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد الاكتفاء بملاحقة إيران، بل تريد منع تشكل نظام مالي بديل يتيح لها تجاوز العقوبات، وبذلك قد تصبح القنوات المالية الإيرانية جزءًا من التفاوض الأمريكي – الصيني لا ملفًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران.
تعمل واشنطن على تعزيز فعالية العقوبات الاقتصادية، فإذا ما نجحت في سعيها في تجفيف الموارد المالية والقنوات الاقتصادية لإيران، فإن الأخيرة قد تضطر إلى الاختيار بين تقديم تنازلات تفاوضية أو رفع مستوى التصعيد في مضيق هرمز وباب المندب لتعويض خسائرها الاقتصادية، أما إذا تمكنت روسيا والصين من حماية ودعم إيران، فسنكون أمام مواجهة أوسع حول شكل النظام المالي الدولي، والذي يأتي متزامن مع إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، مما يزيد من الضغط المالي والحصار البحري ضمن استراتيجية أمريكية موحدة.
الولايات المتحده الامريكيه تسعى من إجراءاتها العقابية الاقتصادية على النظام الإيراني، لتلمس مدى الالتزام الدولي المتحقق تجاه السياسة الأمريكية، فهناك الصين تريد واشنطن معرفة إلى أي حد تستطيع الاستمرار في شراء النفط الإيراني من دون أن يتحول إلى مواجهة مباشرة مع منظمومة العقوبات الأميركية، وهل بمقدار المؤسسات التجارية والاقتصادية الروسية تحمل كلفة مساعدة إيران، بالتحديد عندما تطال العقوبات الوسطاء الروس أنفسهم.
تبقى الولايات المتحدة الأمريكية، هل تستطيع تحويل العقوبات تجاه إيران إلى أداة لضبط سلوك القوى الكبرى تجاه إيران، قد تتحول العقوبات إلى اختبار لنظام الالتزام بين القوى الكبرى وليس مجرد وسيلة لمعاقبة إيران.
هنا يبرز سؤال مهم واساسي في إطار الحفاظ على العلاقات بين الدول الكبرى وحماية مصالحها، في مدى تقبل موسكو وبكين قواعد العقوبات، أم ستتعامل معها باعتبارها مجالًا للتفاوض والمساومة مع واشنطن؟
قد يكون القبول الصيني انتقائي وليس متكامل ووفق المعطيات الميدانية فإنها غير مستعدة للتنفيذ الكامل للعقوبات والانضمام إليها، فهي لا زالت تتمتع بعلاقات استراتيجية مع طهران، فهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني وهناك قنوات صينية لتسوية المدفوعات باليوان، لكن الصين تتجنب أيضًا عدم تعريض مؤسساتها المالية الكبرى للنظام العقابي الأمريكي، لذلك يمكن تصور الموقف الصيني، بقبول العقوبات التي لا تلامس مصالح بكين الأساسية مع مقاومة العقوبات التي تستهدف تجارتها مع إيران ورفضها أن تكون العقوبات قاعدة ملزمة لها في تحديد علاقاتها الاقتصادية الخارجية.
هنا علينا أن نعلم، الصين لا تدافع عن إيران بالضرورة، بل بقدر ما تدافع عن حقها في الاحتفاظ بهامش استقلال اقتصادي عن واشنطن.
أما روسيا فقبولها أكثر استعدادًا لمواجهة العقوبات الأمريكية من الصين، لأنها تحت منظومة عقوبات واسعة منذ حربها مع أوكرانيا، لكن هذا لا يعني أن موسكو ستتحمل أي تكلفة إضافية من أجل إيران.
ليس هناك استعداد من قبل روسيا والصين في الدخول لمواجهة اقتصادية شاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إيران، لكن هذا لا يعني قبولهما بالعقوبات الأمريكية، قد يكون القبول بها كواقع حال ولكن ليس قاعدة دولية ملزمة لهما.
أن الصين لا تتعامل مع إيران باعتبارها حليفًا بالمعنى الأمريكي، فلا توجد لديها التزامات أمنية ملزمة تجاه طهران، وأن علاقات الصين مع إيران لا تقترب في أهميتها من ضرورة إدارة العلاقة مع واشنطن وتجنب حرب تجارية، وهو ما قال به مركزي الأبحاث ( كارنيغي وتشاثام).
لا تختار الصين بين واشنطن وطهران، بل تستخدم علاقتها بإيران ضمن إدارة علاقتها الأشمل مع واشنطن، وهنا يمكن إعطاء صورة أوضح، بأن بكين لن تتخلى عن إيران لأنها تحتاج النفط الإيراني وورقة نفوذ لها في الخليج العربي مع إبقاء خياراتها مفتوحة، لكنها لن تخوض مواجهة استراتيجية مع واشنطن من أجل إيران، لأن العلاقة الأمريكية – الصينية أكبر بكثير من الملف الإيراني.
المقايضة الصينية الإيرانية ليست بالضرورة مقايضة بينهما، بل قد تكون إيران احد عناصر المقايضة الصينية – الأميركية، وهذا ما يجعل العقوبات الأمريكية نقطة قياس في مدى إمكانية واشنطن من الضغط على بكين وإلى أي مدى تستطيع بكين استخدام علاقتها بطهران للحصول على مكاسب من واشنطن.
يمكن أن تكون المقايضة الأمريكية الصينية في الطلب من القيادة الصينية تشديد الضغط الاقتصادي على طهران ومنها شراء النفط الإيراني ، بينما تسعى الصين لتحقيق مكاسب في التجارة والتعرفة الكمركية واستقرار العلاقة الاقتصادية، وهذا ما يمكن مناقشته على طاولة المباحثات الأمريكية الصينية القادمة، وقد يكون هناك طلب أميركي لتدخل صيني لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز عبر علاقة بكين بطهران الاستراتيجية، لتكون ورقة تفاوض غير مباشرة بين جميع الأطراف.
وهذا ما يؤكده ما أشار إليه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ في 20 أيلول 2026 لمناقشة الروابط المالية والعلاقات التجارية مع إيران ومخاطر التهديد الإيراني والجهود الأمريكية للحد منه، قبل لقاء الرئيسين الأمريكي والصيني في 24 آيلول 2026.
ستكون المباحثات الأمريكية الصينية محطة مهمة في قرارات أساسية ومسارات ميدانية تحد مستقبل الأحداث المستمرة في الشرق الأوسط والخليج العربي، وأرى أن الصين ستقرر موقفها من إيران وسنرى ما الذي تطلبه واشنطن مقابل تخفيف الضغط على الصين، وما الذي تطلبه بكين مقابل استخدام نفوذها على طهران، إيران ستكون إحدى أدوات المقايضة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، واشنطن تريد من بكين أن تخفف من القنوات التي تسمح لإيران بتحويل النفط لموارد مالية، وفي المقابل تستطيع الصين استخدام قدرتها على التعامل مع النفط الإيراني وشبكاته المالية كورقة تفاوض مع واشنطن.
ستكون أولى وسائل وأدوات المقايضة بين الدولتين ما يدخل في تحديد الرسوم الكمركية كأول ورقة توضع على طاولة المباحثات، واشنطن ترى أن تخفيض الرسوم أو تثبيتها مقابل تنازلات اقتصادية في فتح مجالات أوسع أمام السلع والاستثمار الأمريكي، فيما تسعى بكين لتخفيف القيود التجارية والوصول للأسواق الأمريكية بتمديد الهدنة التجارية وعدم العودة لحالة التصعيد مع خفض متبادل للرسوم بنحو يستهدف (30) مليار دولار من السلع من كل طرف.
أما ما يتعلق بإيران، فواشنطن لا تحتاج إلى مطالبة الصين بقطع علاقتها مع إيران بالكامل، ولكن قد يكون خفض مستوى التعاون الاقتصادي الذي يساعد إيران على تجاوز العقوبات الأميركية، بتحديد حجم شراء النفط الإيراني وتقليص دور شركات التكرير الصينية وشركات النقل والتأمين وإيقاف زخم القنوات المالية والشركات الوسيطة وآليات المقايضة التجارية، وكانت وكالة رويترز قد أعلنت في 10 آيلول 2026 عن آلية مقايضة تستخدم النفط الإيراني مقابل ارصدة لشراء السلع الصينية، بما يسمح باستمرار التجارة بعيدًا عن القنوات المصرفية الدولية.
النفط الإيراني سيكون أكثر الملفات حساسية، وواشنطن سوف لا تقول مباشرة توقفوا شراء النفط الإيراني، بل قللوا حجم التدفقات واضبطوا القنوات المالية مقابل إعطاء مساحة تفاوض في ملفات اقتصادية أخرى، وهذا ما يمكن أن تحصل عليه واشنطن دون أن يتم قطع العلاقات الاقتصادية الصينية الإيرانية.
الإدارة الأمريكية ستكون أكثر صراحة مع القيادة الصينية، بأن أي مؤسسة صينية تساعد إيران ماليًا قد تواجه تكلفة في النظام المالي الذي ما زال الدولار والمؤسسات المرتبطة به جزءًا مركزيًا منه، وتبتعد قليلًا عن استهداف البنوك الصينية الكبيرة لمنع حدوث أي أزمة في العلاقات بين واشنطن وبكين.
والصين لديها أدواتها في الرد باعتماد المقايضة والضغط على واشنطن بأهم الأدوات المعنية بالمعادن النادرة وسلاسل الإمداد والسوق الصينية وبعض المواد الصناعية، وقد حذر تحليل (واشنطن انستيتوت) من أن الصين تمتلك أدوات للرد إذا توسعت العقوبات الأميركية إلى الشركات والمؤسسات الصينية الكبرى.
ستعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية مقابل تنازلات اقتصادية صينية محددة بشأن إيران، مع تخفيف بعض الإجراءات الأمريكية التجارية أو تأجيلها في وقت تضبط الصين بعض القنوات النفطية والمالية مع إيران، وستتعاون الصين بالقدر الذي يضغط على إيران لتقديم تنازلات، لكنها لا تبدو مستعدة لقطع علاقتها الاقتصادية معها، وهنا ستكون إيران جزء من المقايضة وليس مركز المقايضة، فالصين لا تتعامل مع إيران بوصفها تحالفًا يجب الدفاع عنه مهما كانت الكلفة، وإنما بوصفه احد عناصر القوة والمصلحة داخل علاقتها الأكثر حضورًا مع الولايات المتحدة الأمريكية.

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية