الباحثة شذا خليل*
لسنوات طويلة، لم يكن موقع احتياطيات الذهب التي تمتلكها الدول يحظى باهتمام كبير خارج دوائر البنوك المركزية والأسواق المالية. كان من الممكن تخزين الذهب في نيويورك أو لندن أو باريس أو غيرها من المراكز المالية، وفي ظل نظام دولي يتسم بقدر نسبي من الاستقرار، بدا الاختلاف بين هذه المواقع مسألة فنية أكثر منه قضية استراتيجية. فما كان يهم في المقام الأول هو أن الدولة تمتلك تلك الاحتياطيات وأنها قادرة على الوصول إليها عند الحاجة. أما اليوم، فلم يعد هذا الافتراض مريحاً بالقدر نفسه. فقد نقلت هولندا مؤخراً جزءاً من احتياطياتها من الذهب خارج أمريكا الشمالية، كما أعادت فرنسا كميات من ذهبها من الولايات المتحدة، في حين كانت ألمانيا قد سبقت إلى نقل كميات كبيرة من احتياطياتها الموجودة في خزائن أجنبية خلال السنوات الماضية. ولا يعني ذلك أن الحكومات الأوروبية تتوقع انهياراً مالياً وشيكاً، أو أنها تتجه فجأة إلى التخلي عن الولايات المتحدة. لكن من الناحية الاقتصادية، تستحق هذه التحركات المتابعة، لأنها تعكس تغيراً أوسع في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى المخاطر. ففي عالم تزداد فيه الحروب والعقوبات والنزاعات التجارية وحالات عدم اليقين السياسي، لم تعد الحكومات تهتم فقط بقيمة احتياطياتها، بل أيضاً بمكان وجودها ومدى سرعة الوصول إليها في أوقات الأزمات.
وتوضح الحالة الهولندية هذا التحول بشكل خاص. فقد نقلت هولندا 86 طناً من الذهب الذي كان محفوظاً سابقاً في الولايات المتحدة وكندا، مع إعادة توزيع جزء من احتياطياتها إلى لندن. وكان الدافع عملياً بالدرجة الأولى؛ إذ أرادت البلاد تعزيز استعدادها لمواجهة الأزمات الحادة وضمان إمكانية الوصول السريع إلى الذهب إذا استدعت الظروف ذلك. ولا تزال لندن تحتفظ بأهميتها باعتبارها أحد أكبر مراكز تجارة الذهب في العالم، ما يسمح بشراء الذهب أو بيعه أو استخدامه بسرعة نسبية. وهذا يكشف أن المسألة لا تتعلق ببساطة بإعادة الذهب إلى «الوطن»، وإنما بتوزيع المخاطر. فالبنوك المركزية أصبحت تنظر بصورة متزايدة إلى التوزيع الجغرافي للاحتياطيات بالطريقة نفسها تقريباً التي ينظر بها المستثمرون إلى تنويع محافظهم الاستثمارية. إن الاحتفاظ بنسبة كبيرة من أصل استراتيجي في موقع أو ولاية قضائية واحدة قد يتحول إلى مصدر ضعف، حتى عندما يُنظر إلى ذلك الموقع على أنه آمن. ولهذا بدأت الحسابات تتغير؛ فما زالت الكفاءة والعوائد المالية مهمة، لكن القدرة على الصمود أصبحت أكثر أهمية مما كانت عليه في السابق. وأصبحت الدول تسأل: ماذا سيحدث لاحتياطياتنا إذا تعطلت الأسواق، أو تدهورت العلاقات السياسية، أو أصبح الوصول إلى الأصول أكثر تعقيداً؟ فالذهب المخزن في الخارج قد يبقى قانونياً ملكاً للدولة، لكن في أوقات الأزمات القصوى يمكن أن يصبح الموقع الفعلي للذهب، والولاية القانونية التي يخضع لها، وإمكانية الوصول إلى الأسواق عوامل ذات أهمية اقتصادية مباشرة.
وهناك جانب آخر في هذه القصة ربما يكون أكثر دلالة؛ فالبنوك المركزية لا تعيد التفكير فقط في أين تحتفظ بالذهب، وإنما أصبحت أيضاً تشتري كميات أكبر منه. ووفقاً للأرقام التي أوردتها هيئة الإذاعة البريطانية BBC نقلاً عن مجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية في المتوسط نحو 1,000 طن من الذهب سنوياً خلال السنوات الأربع الماضية، مقارنة بنحو 500 طن سنوياً خلال العقد السابق. ويشير هذا الارتفاع إلى أن الذهب يستعيد أهميته بوصفه أصلاً استراتيجياً ضمن الاحتياطيات. وهناك أسباب مفهومة لذلك؛ فالذهب لا يعتمد على تعهد حكومة أخرى بسداد دين، كما أنه غير مرتبط بالنظام المصرفي لدولة واحدة. ولذلك يمكنه، خلال فترات التضخم أو الاضطرابات المالية أو التوترات الجيوسياسية، أن يؤدي دوراً يشبه التأمين الاقتصادي. وهذا لا يعني أن الذهب خالٍ من المخاطر، فسعره يمكن أن يرتفع بصورة حادة كما يمكن أن ينخفض، لكن هدف البنوك المركزية لا يقتصر على تحقيق أرباح قصيرة الأجل. فالاحتياطيات موجودة، في جزء أساسي منها، لمنح الحكومات مساحة للتحرك عندما تتعطل الظروف الاقتصادية الطبيعية.
وقد يكون من المغري وصف هذه التطورات بأنها دليل على اتجاه العالم نحو «إزالة الدولرة»، لكن مثل هذا الاستنتاج يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة. فنقل الذهب من أمريكا الشمالية إلى لندن أو أوروبا لا يعني أن البنوك المركزية الأوروبية تتخلى عن الدولار، كما أن الدولار ما يزال متجذراً بعمق في النظام المالي الدولي. وما قد نشهده بدلاً من ذلك هو تحول أكثر تدرجاً: دول أصبحت أقل ارتياحاً للاعتماد المفرط على عملة واحدة، أو سوق واحدة، أو مؤسسة مالية واحدة، أو موقع جغرافي واحد. وهذا التمييز مهم. فالاقتصاد العالمي لا ينتقل بالضرورة بين ليلة وضحاها من نظام احتياطي إلى نظام آخر، وإنما ربما يتحرك باتجاه نظام أكثر تنوعاً، تحتفظ فيه الحكومات بأصول مختلفة وفي مواقع متعددة، لأن المخاطر الجيوسياسية أصبحت جزءاً من التخطيط الاقتصادي.
ومن هنا، فإن حركة الذهب الأوروبي تستحق اهتماماً يتجاوز العناوين المتعلقة بالشاحنات والخزائن والسبائك. فهي تعكس تحولاً أوسع أصبح واضحاً بالفعل في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية. فعلى مدى عقود، بُنيت العولمة إلى حد كبير على مبدأ الكفاءة: الإنتاج حيث تكون التكاليف أقل، والاستثمار حيث تكون العوائد أعلى، والاحتفاظ بالأصول حيث تكون الأسواق أعمق وأكثر سيولة. لكن الأزمات المتلاحقة كشفت نقاط الضعف الكامنة في الاعتماد على الكفاءة وحدها. ولذلك أصبحت الحكومات أكثر استعداداً لتحمل تكاليف إضافية مقابل الحصول على قدر أكبر من الأمن وإمكانية الوصول والسيطرة. واليوم يدخل الذهب ضمن المعادلة نفسها.
إن القصة الحقيقية، إذن، ليست أن أوروبا فقدت فجأة ثقتها بالولايات المتحدة، ولا أن الدولار على وشك الاختفاء من النظام المالي العالمي. القصة الأعمق هي أن الأمن الاقتصادي أصبح يؤثر في قرارات كانت تُعامل سابقاً باعتبارها قرارات مالية في المقام الأول. فالبنوك المركزية تطرح اليوم سؤالاً بسيطاً في صياغته، لكنه بالغ الأهمية في دلالاته: إذا اندلعت أزمة خطيرة، فأين توجد احتياطياتنا؟ وما السرعة التي نستطيع بها استخدامها؟
وحقيقة أن هذا السؤال أصبح يُطرح بإلحاح أكبر تكشف شيئاً مهماً عن طبيعة الاقتصاد العالمي نفسه. فالذهب لا يعود إلى الواجهة لأن العالم يتجه إلى الوراء، وإنما لأنه يدخل مرحلة أصبحت فيها الحكومات أقل يقيناً بشأن ما ينتظرها في المستقبل.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب أمريكا الشمالية
مركز الرابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
