
الباحثة شذا خليل*
يواجه الاقتصاد العراقي تحديات مالية ونقدية متزايدة، أبرزها ارتفاع الدين الداخلي، واتساع النفقات الحكومية، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، فضلاً عن الضغوط التي يتعرض لها الدينار أمام الدولار الأمريكي. وتثير هذه التطورات تساؤلاً اقتصادياً وقانونياً مهماً: هل يمكن للدائنين، ولا سيما المصارف الحكومية، التنازل عن جزء من الدين الداخلي أو فوائده لتخفيف العبء عن الموازنة؟ وهل يمثل شطب الدين حلاً حقيقياً للأزمة المالية؟
إن الإجابة لا تتعلق بإمكانية التنازل القانوني وحدها، وإنما بمدى قدرة الدولة على تخفيض التزاماتها دون نقل الخسائر إلى المصارف أو الإضرار باستقرار الدينار.
أولاً: الدين الداخلي وإمكانية شطبه قانونياً
يمثل الدين الداخلي التزامات مالية على الحكومة تجاه جهات محلية، تشمل المصارف الحكومية والأهلية والمؤسسات المالية الأخرى، من خلال السندات وحوالات الخزينة والقروض.
وتشير الأرقام الواردة في نشرات الدين العام التي استندت إليها المسودة إلى ارتفاع رصيد الدين الداخلي من نحو 34.26 مليار دولار عام 2019 إلى 67.29 مليار دولار عام 2025، وصولاً إلى 69.68 مليار دولار في بيانات منشورة لعام 2026.
ومن الناحية القانونية، يمكن بحث التنازل الطوعي عن بعض المطالبات أو تخفيض الفوائد وإعادة جدولة الاستحقاقات، لكن الحكومة لا تمتلك صلاحية مطلقة لشطب ديونها بقرار إداري منفرد.
ويشكل قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 وتعديلاته، وقانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004 وتعديلاته، إلى جانب القوانين المصرفية والعقود المالية، الإطار القانوني الذي ينبغي الرجوع إليه لتحديد صلاحيات التسوية.
ثانياً: هل تستطيع المصارف الحكومية التنازل عن الدين؟
رغم ملكية الدولة للمصارف الحكومية، فإن هذه المصارف تتمتع بميزانيات والتزامات مالية مستقلة، ولا يمكن اعتبار أصولها أموالاً قابلة للإلغاء دون آثار اقتصادية.
فإذا امتلك مصرف حكومي سندات بقيمة عشرة تريليونات دينار، وتنازل عن نصفها، فإن التزامات وزارة المالية تنخفض خمسة تريليونات، لكن المصرف يفقد أصولاً بالقيمة نفسها.
وقد تضطر الحكومة لاحقاً إلى إعادة رسملة المصرف لتعويض الخسائر، وبذلك ينتقل العبء من الخزانة إلى القطاع المصرفي دون تحقيق وفر حقيقي.
لذلك، فإن تخفيض الفوائد بالتراضي، وإعادة جدولة الاستحقاقات، والسداد التدريجي من فوائض مالية فعلية، تمثل خيارات تستحق الدراسة قبل اللجوء إلى شطب أصل الدين.
أما البنك المركزي، فإن استقلاله القانوني ووظائفه النقدية يفرضان قيوداً إضافية على أي تسوية تمس أصوله أو قدرته على إدارة السياسة النقدية.
ثالثاً: كم يمكن أن توفر إعادة هيكلة الدين؟
يمكن توضيح الأثر الاقتصادي بمثال افتراضي: إذا بلغت شريحة من الدين الداخلي 20 تريليون دينار بفائدة سنوية قدرها 6%، فإن فوائدها تبلغ 1.2 تريليون دينار سنوياً.
وإذا وافق الدائنون قانونياً على تخفيض الفائدة إلى 3%، تنخفض الفوائد إلى 600 مليار دينار، محققة وفراً نظرياً مماثلاً سنوياً.
وهذا المثال لا يمثل تقديراً فعلياً للوفورات العراقية، لكنه يوضح إمكانية تقليل خدمة الدين دون إلغاء أصله، شريطة احتساب تكاليف التسوية وآثارها على الدائنين.
رابعاً: لماذا يرتفع الدولار في العراق؟
لا يمكن تفسير ارتفاع الدولار بعامل واحد، إذ تتداخل عدة أسباب اقتصادية ونقدية.
أولها الاعتماد الكبير على النفط، حيث يؤدي تراجع الإيرادات أو اضطراب الصادرات إلى زيادة الضغوط على المالية العامة. وثانيها الاعتماد الواسع على الاستيراد، الذي يولد طلباً مستمراً على الدولار.
كما تسهم صعوبات التحويلات المصرفية والامتثال المالي في انتقال جزء من الطلب التجاري إلى السوق الموازية، بينما تؤدي المضاربات والتوقعات السلبية إلى زيادة التقلبات.
ويضاف إلى ذلك اتساع العجز المالي والاقتراض الحكومي، اللذان قد يؤثران بصورة غير مباشرة في السيولة والثقة الاقتصادية.
وتشير المسودة إلى تعديل رسمي لسعر الصرف في 7 تشرين الأول 2026، من 1,320 إلى 1,520 ديناراً للدولار المباع للجمهور. وهذه المعلومة تحتاج إلى التحقق من البيان الأصلي للبنك المركزي قبل اعتمادها.
اقتصادياً، يؤدي رفع سعر الدولار الرسمي إلى زيادة الدنانير التي تحصل عليها الحكومة مقابل إيراداتها النفطية، لكنه يرفع أيضاً تكلفة المستوردات ويضغط على القوة الشرائية.
خامساً: ما الحل الاقتصادي والقانوني؟
تتطلب المعالجة برنامجاً وطنياً يجمع بين إصلاح الدين والسياسة المالية والنقدية، عبر تدقيق شامل للمديونية، والتفاوض الطوعي لتخفيض الفوائد، وإعادة جدولة الالتزامات، وتخصيص جزء من الفوائض الفعلية لإطفاء أصل الدين.
وفي المقابل، ينبغي ضبط النفقات غير المنتجة، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وإصلاح المصارف الحكومية، ومنع تراكم التزامات جديدة دون تمويل واضح.
أما استقرار الدولار فيتطلب تسهيل التحويلات التجارية المشروعة، وتعزيز الامتثال المصرفي، وحماية استقلال البنك المركزي، ودعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد.
الخاتمة
إن شطب الدين الداخلي ليس مستحيلاً من حيث المبدأ القانوني، لكنه يتطلب موافقة الجهات المخولة وضمان عدم الإضرار بحقوق الدائنين والمودعين.
والحل الاقتصادي لا يكمن في إلغاء الأرقام من دفاتر الدولة، بل في تخفيض التكلفة الحقيقية للمديونية، ومعالجة العجز، وحماية النظام المصرفي واستقرار الدينار.
فالعراق يحتاج إلى إصلاح مالي مستدام، لا إلى نقل الخسائر بين مؤسساته. ولن يتحقق الاستقرار الاقتصادي إلا عندما تنخفض الحاجة إلى الاقتراض، وتتوسع القاعدة الإنتاجية، وتصبح الموازنة أقل تعرضاً لتقلبات النفط وسعر الدولار.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية