يد على التهدئة وأخرى على الزناد

يد على التهدئة وأخرى على الزناد

اياد العناز

انطلقت صباح يوم السادس من شباط 2026 جولة المباحثات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في العاصمة العُمانية (مسقط) بحضور المبعوث الرسمي للإدارة الأمريكية ( ستيف ويتكوف) والادميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية الوسطى وجاريد كوشنر (صهر الرئيس ترامب)، وعن الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، وجرت اللقاءات غير المباشرة في دار وزير الخارجية العُماني (بدر البو سعيدي) الذي يجري مباحثات منفصلة مع كل وفد على حدة.
كان للحضور العسكري للمباحثات دلائل واضحة، أرادت منها الولايات المتحدة أن تضع الوفد الإيراني أمام حقيقة المطالب والشروط التي تم اعتمادها من قبل الرئيس دونالد ترامب، ولكي تكون الرسالة دقيقة بكل حذافيرها ، فالادميرال كوبر يشرف على العمليات العسكرية في (21) دولة بالشرق الشرق آسيا الوسطى، ولديه دراية تامة ومتابعة حثيثة للملف الإيراني وقدرة على التعامل الميداني الذي يحقق الأهداف والغايات الأمريكية.
قدمت إيران ورقتها التي تضمنت محاور للمناقشة، اقتصرت على الملف النووي وطبيعة الإمكانيات والقدرات التي تمتلكها إيران ونسب التخصيب لليورانيوم دون التطرق إلى أي ملفات أخرى، وتم تسليمها لوزير الخارجية العُماني، رافقها حديث اعلامي لمسؤول إيراني بين ( أن المفاوضات تجري تحت التهديد) في إشارة لحضور قائد القيادة الوسطى للجيش الأمريكي، ولكن مهما حدث فإن طهران ( لن تتراجع عن مواقفها بشأن القضايا الاستراتيجية تحت الضغط العسكري).
في حين كانت عملية استلام الورقة الإيرانية وتسليمها للجانب الأمريكي تجري بشئ من السلاسة والهدوء، مع وجود ثوابت أمريكية عبر الاعلان الذي سبق المباحثات بضرورة مناقشة جميع الملفات دون تفضيل عن أي جانب يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وهذا ما جعل الوسيط العمُاني يعلن أن ( مسقط ملتزمة بمواصلة دعم الحوار والتقريب بين الأطراف للتوصل إلى حلول توافقية).
انعقدت المباحثات عبر جلستين تخللها الإطلاع على الدراسة الإيرانية ورؤيتها في جدولة المباحثات وطبيعة المواضيع التي ستناقش وما كان من الوفد المفاوض الأمريكي من رؤى وثوابتها وايضاحات حول كيفية الاتفاق على جدولة المباحثات بكل خطوطها ومساراتها.
بعد ساعتين من الحوار الغير مباشر، أطلق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي تصريحًا أكد فيه أن المباحثات (جرت في أجواء إيجابية للغاية، تبادلنا الحجج وأطلعّنا الطرف الآخر على وجهات نظره)، وهو ما يعني التوصل إلى عملية ازالة جدار عدم الثقة بين الدولتين بعد الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية التي جرت منتصف حزيران 2025 وبعد أن كانت المفاوضات مستمرة في جولتها الخامسة، كما يعني أبعاد أي من الهواجس والآراء المتباينة التي من الممكن أن تؤثر على عقد جولة أخرى من اللقاءات.
وتابعت الأوساط الدولية والإقليمية عقد المباحثات الثنائية باهتمام بالغ وردود أفعال سياسية ميدانية، منها ما قاله وزير الخارجية الفرنسي (جون نويل بارو) بأن على إيران (استغلال المباحثات مع الولايات المتحدة في مسقط، وعليها أن توافق على تنازلات في برنامجها النووي والصاروخي)، في حين كان الموقف الروسي داعيًا لتعزيز التفاوض بين واشنطن وطهران ومنع حدوث أي ارتدادات خلافات قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية شاملة، فالفشل لا يعني تعثر الحوار ولكنه يفتح الأبواب أمام تصعيد جسيم وأحداث كبيرة لا يمكن ضبط ايقاعاتها.
ومن الملفت للنظر، أن الجانب الإيراني صعد من عملية التوجه الاعلامي والتأثيرات ذات الطابع النفسي والميدان عندما أشار إلى تمكن الجهات العسكرية من إعادة تهيئة وتأهيل (12) موقعًا من أصل (24) موقع تم اصابتها أثناء الضربات الإسرائيلية الأخيرة في 13 حزيران 2025، مع الاعلان عن إطلاق صاروخ بالستي ( خرمشهر 4) بوزن طن ونصف ولديه القدرة على عمليات الاختراق والتعامل مع الأهداف ويصل مداه إلى (3000) كم، وكذلك فعلت الإدارة الأمريكية بالإعلان عن فرض عقوبات نفطية على إيران تتعلق ب (14) سفينة تابعة لكيانات متورطة في نقل النفط الإيراني ومشتقاته ومنتجات البتروكيماويات.
ورغم كل هذه التبعيات والإجراءات التي رافقت عقد جولة المباحثات بين واشنطن وطهران، فإن وزير الخارجية العُماني أكد على أن ما حصل كان ( محادثات جادة جدًا، ونهدف لعقد مفاوضات قادمة في الوقت المناسب)، وهو ما اشار إليه المدير التنفيذي لمركز السياسات العالمية الأميركي (جاستن راسل) بالقول ( أن الولايات المتحدة سوف تكون حذرة في التعامل مع المباحثات وهي الآن في وضع محرج بسبب مصالحها في المنطقة).
لا زالت الإدارة الأمريكية تتعامل ضمن منظور سياسي وعسكري يتلائم وما يعلنه الرئيس ترامب وما تقوم به من تحشيدات واسعة وبكافة الصنفوف القتالية في البحر العربي والمحيط الهندي السواحل القريبة من إيران، ولهذا لم يصدر أي تصريح من قبل الوفد المفاوض الأمريكي، إلا بعد العودة لواشنطن ومناقشة ما تم طرحه من مواقف إيرانية وما تم الالتزام به وأي محاور رئيسية كانت هي الأساس في جدول المباحثات.
تعتمد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في رؤيتها للأحداث في الشرق الأوسط ومتابعتها الحثيثة للسلوك السياسي الإيراني، على رسم ملامح الحالة الواقعية ضمن إطار مقاربة دبلوماسية قاسية تتمثل في استخدام الحشود العسكرية كأداة ضغط مستمر لأجبار القيادة الإيرانية على التفاوض من موقع ضعيف مع إبقاء حالة التصعيد والمناورة العسكرية قائمة في حالة عدم الاستجابة للشروط الأمريكية واعتماد سياسة إطالة الوقت والمماطلة الإيرانية والتي من الممكن أن تؤدي إلى فشل المباحثات، وهو ما كان موضع انتباه ودراية من قبل وزير الخارجيه الإيراني عباس عراقجي بقوله (إيران تدخل الدبلوماسية بعينين مفتوحتين وذاكرة راسخة للعام الماضي ويجب الإيفاء بالتعهدات عبر المساواة والاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة، ليست كلمات فارغة بل شروط لا بد منها لاتفاق دائم).
تسعى إيران وبكل ما أُوتيت من قوة على تحويل إمكانياتها في عملية الردع والمواجهة وما تمتلك من قدرة صاروخية إلى أداة تفاوض تهدف من خلالها منع فرض أي شروط شمولية تمس أمنها الوطني واستراتيجتها القتالية وثوابت عقيدتها العسكرية.
وتبقى الأزمة قائمة في مفهومها الأمريكي الذي يتمحور حول وحدة منظمومة الشروط المقدمة لإيران التي تتضمن ( البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والدور والنفوذ الإقليمي) على أن يتم التفاوض حولها بحزمة واحدة، فيما ترفض إيران هذه الرؤية وتصر على حصر المباحثات بالملف النووي.
الايام القادمة حُبلى بالأحداث والمتغيرات الميدانية والرؤى السياسية، ما بين قبول بجولة من المباحثات أو استنفار لمواجهة عسكرية محتملة قائمة أو الاتفاق على قبول سياسي مناقشة جميع الشروط ضمن رؤية أمريكية ومناورة سياسية إيرانية.

وحدة الدراسات الايرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة