اياد العناز
عادت أصداء المواجهة العسكرية المحتملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بعد الكلمة التي القاها المرشد الأعلى علي خامنئي أمام جمع لمناسبة المبعث النبوي في السابع عشر من كانون الثاني 2026، والتي احتوت في بعض مضامينها عن أبعاد توجهات الإدارة الأمريكية تجاه القيادة الإيرانية بعد الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في الثامن والعشرين من كانون اول 2025 بالقول (لا نعتزم أن نقود البلاد إلى الحرب، وأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية ابتلاع إيران واخضاعها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا)، وهي رسالة أراد فيها أن يلفت نظر الشعوب الإيرانية إلى ضرورة الالتفاف حول القيادة الإيرانية وأنها تسعى لحمايتهم وليس الأضرار بهم كما يرى ويعتقد، وأن يضفي شرعية على نظامه السياسي وشحذ الهمم ومنع اتساع التظاهرات الشعبية التي ذهب ضحيتها ما يقارب ( 5) آلاف مواطن إيراني.
اختيار المناسبة الدينية، جاء تعبير عن الصفة التي ترتكز عليها العقيدة السياسية الإيرانية وثوابتها في الحفاظ على بقاء النظام واستمرار ديمومته وتأثيره الإقليمي وتمسكه بمشروعه السياسي، ولهذا جاءت عبارات المرشد الأعلى مخاطبًا بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوله ( نعد الرئيس الأميركي مذنبًا بسبب الخسائر والأضرار والاتهام الذي وجهه للأمة الإيرانية)، وهي دوافع سياسية ذات أبعاد ميدانية تتعلق بطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، والتي جاء رد الرئيس ترامب عليها سريعًا بقوله (حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران)، وهو سجال سياسي فرضتها عملية تأجيل الضربة العسكرية الأمريكية التي هدد بها ترامب ووعد المتظاهرين بالمدد إليهم التعاطف معهم وتشجيعهم على اقتحام المؤسسات الإيرانية ، والتي اخذت أبعاد أخرى بالحديث عن استهداف القيادة الإيرانية وتحديدًا شخص المرشد الأعلى علي خامنئي، وأن الرئيس الأمريكي ما زال يدرس خياراته مع ترجيح بأن يقتصر العمل العسكري المحتمل على عملية دقيقة باهداف محددة وفق المنظور العسكري والاستخباري الذي تقتضيه الأهداف الأمريكية بجعلها لايام وليس لمدة زمنية واسعة، وأعقبها ردود إيرانية هددت بشن هجمات على مواقع وقواعد أمريكية في منطقة الخليج العربي، إذا ما تعرضت لضربة أمريكية قادمة.
اخذت الأوساط السياسية العربية والدولية دورها في محاولة لمنع أو إيقاف الرد الأمريكي وابعاد الإقليم عن مواجهة وحرب قد تستمر وتتصاعد حسب ظروفها ونتائج تأثيراتها، فسعت ( المملكة العربية السعودية ودولة قطر وسلطنة عُمان) لوساطة عربية لدى الادارة، دعت فيها لضبط النفس وتجنب تدخل عسكري مع التأكيد على أنها سوف لا تسمح باستخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية، وهي أيضًا رسالة واضحة للجانب الايراني بضرورة العمل على استخدام اسلوب الحوار الدبلوماسي وطريق المفاوضات السياسية وكما جاءت في زيارة َزير الخارجية العُماني ( بدر البوسعيدي) لإيران، وهذا أيضًا ما رأته القيادة التركية بأن اي تدخل أو عمل عسكري سيفضي إلى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي واحتمالية تفكك الدولة الإيرانية، وتخشى من تدفق موجات من الهجرة الجماعية الإيرانية تجاه أراضيها، وقد تتعمق مسألة الحقوق الكردية والمطالبة بإقليم في الشمال الإيراني بما يؤثر على هواجس الأمن القومي التركي وموقفه من القضية الكردية، وهناك أمر أمر أكثر أهمية يتعلق بالخشية من مجئ نظام سياسي يرتبط بعلاقة وثيقة مع إسرائيل وهذا ما لا يتمناه الأتراك بل يرونهم ذات تأثير كبير على واهدافهم وسياستهم الإقليمية.
وسعت الإدارة الأمريكية من أهدافها المعلنة عبر تصريحات الرئيس ترامب، وبدأت بتحركات عسكرية مستمرة، بارسال ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ موجهة إلى الشرق الأوسط في وقت دخلت حاملة الطائرات ( ثيودور روزفلت) البحر الأحمر ضمن تحركات بحرية متسارعة، مع الغاء بعض الرحلات الجوية لإيران ومطالبة الدول الأوربية بمغادرة مواطنيها الأراضي الإيرانية، وتوجيه ( ستيف ويتكوف) المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط رسالة للشعوب الإيرانية تضمنت أهم الأهداف التي تسعى إليها الإدارة الامريكية في التفاوض عليها مع القيادة الإيرانية وتتعلق ب( تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية وكمية المواد النووية التي بحوزة إيران ودورها السياسي الإقليمي وعلاقتها مع الفصائل والمليشيات المسلحة)، مؤكدًا أنه ( يأمل حقًا في التوصل إلى حل دبلوماسي) وإذا ما أرادت إيران العودة للأمم المتحدة، يمكننا حل هذه المشاكل الاربع دبلوماسيًا، وسيكون ذلك حلًا ممتازًا، أما البديل فهو حل سئ.
ما بين المسار العسكري واستمرار الاستعدادات الميدانية الأمريكية، وما بين مسار الحلول الدبلوماسية والحوارات السياسية والوساطات الدولية والإقليمية، للعودة إلى طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية، تبقى إمكانية التصعيد السياسي قائمًا عبر التصريحات الاعلامية اللقاءات الحوارية والتي كان آخرها ما أعلنه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول حياة المرشد علي خامنئي في منشور على منصة إكس إن (الهجوم على القائد العظيم لبلادنا يرقى إلى مستوى حرب شاملة مع الشعب الإيراني) بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دعا فيها إلى البحث عن قيادة جديدة في إيران.
وتبقى الانظار متوجهة إلى حقيقة الأهداف الأمريكية وطبيعة الضربة العسكرية المحتملة ومدى محدوديتها واتساع تأثيرها، والمواقع التي ستستهدفها وطبيعتها واحتمالية أن تتمثل بالبنية التحتية لبرنامج الصواريخ الباليستية والمواقع النووية ومخزونها من اليورانيوم المخصب، واعتماد المؤسسات الأمنية والدوائر الاستخبارية من (الباسيج وقوات الشرطة) أهداف رئيسية بعد أن واجهت الشعوب المنتفضة الإيرانية، مع استمرار في زيادة حجم العقوبات الاقتصادية الأمريكية والتي بموجبها هدد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم كمركية تصل إلى 25٪ على الدول التي تتعامل مع إيران تجارياً، والهدف الأمريكي هو تعزيز عملية فرض عزلة اقتصادية كاملة على إيران ومنع أي منافذ تحاول أن تستفيد منها، وبالتالي تحقيق غاية سياسية في إضعاف امكانية الدولة الإيرانية التي أصبحت منهكة ومستنزفة سياسيًا واقتصاديًا وتواجه حراكًا شعبيًا واسعًا يهدد شرعيتها السياسية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
