تتسع مساحة الاستعدادات الأمريكية في مواجهة عسكرية قادمة مع إيران، في وقت بدأت الأوساط السياسية الدولية والإقليمية تتابع بدقة تطورات العلاقة البلدين وتصاعد حدة التصريحات الإعلامية والإجراءات الميدانية، ومنها ما يتعلق بفرض عقوبات جديدة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية في الثالث والعشرين من كانون الثاني 2026 استهدفت (9) ناقلات نفط تابعة لما سُمي باسطول الظل مع (8) كيانات مرتبطة بإيران، وأوضحت الوزارة أن الشركات المشغلة للناقلات اتخذت من ( الهند والإمارات وسلطنة عُمان) مقار لها، وإنها استمرت بنقل نفطًا ومشتقات بترولية إيرانية بمئات الملايين من الدولارات إلى أسواق خارجية عديدة.
أن هذه العقوبات تمثل سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي سبق وأن طالت النظام الإيراني ومؤسساته المالية والاستثمارية وعمليات تصدير الطاقة من النفط والغاز، وصرح وزير الخزانة (سكوت بيسنت) أن العقوبات الحالية تمثل عنصرًا أساسيًا في الآلية التي تعتمد عليها إيران في الحصول على الأموال التي تستخدمها في قمع أبناء الشعوب الإيرانية.
وأهمية العقوبات أنها جاءت في زخم التصعيد العسكري والتي ستعمل على تقيد حركة إيران الاقتصادية وقدرتها على التحكم في عملية تصدير الطاقة من النفط والغاز والمنتجات النفطية وستحد من عملية التمويل المالي والدعم اللوجستي الذي تقدمه لشركائها ووكلائها من الفصائل والمليشيات المسلحة، وكان من أهم المفاصل الرئيسية التي سبق وأن تضررت من العقوبات هو ( حقل بارس الجنوبي البحري) الذي يشكل ثلث أكبر مخزن لاحتياطي الغاز الطبيعي في العالم والذي تشارك دولة قطر إيران في استثماره، وتسببت العقوبات والقيود التقنية في قيام إيران باعتماد معظم إنتاج حقل بارس الجنوبي في استخداماتها المحلية داخل الأراضي الإيرانية، وبلغ إنتاج طهران من الغاز الطبيعي (276) مليار متر مكعب في عام 2024 ووصل الاستهلاك المحلي إلى 94٪ من هذه الكمية المنتجة،وتم إصابة أربع وحدات مهمة ورئيسية من المرحلة 14 من حقل بارس الجنوبي أثناء الهجمات الإسرائيلية التي انطلقت في الثالث عشر من حزيران 2025، وهي التي تبعد 200 كيلومتر من منشأت الغاز القطري.
ورافقت إجراءات وزارة الخزانة الأميركية، تحركات عسكرية وإمدادات حربية من قبل هيئة الأركان في القوات المسلحة الأمريكية تمثلت في تحرك حاملة الطائرات ( أبراهام لينكولن) وعدد من المدمرات والطائرات المقاتلة ترافقها عدد من القطع البحرية الهجومية من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وإعادة هذه التحركات العسكرية الأمريكية للاذهان ما قامت الإدارة الأمريكية من حشود عسكرية كبيرة في حزيران 2025 بسبب التوترات والخلافات الأمريكية الإيرانية بخصوص البرنامج النووي والتطور في إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والمسار السياسي للمشروع الإيراني في الإقليم.
ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية في الثامن والعشرين من كانون أول 2025 في غالبية المدن الرئيسية الإيرانية بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإيراني والتي أصبحت تشكل كاهلًا كبيرًا تعاني منه الشعوب الإيرانية مع تصاعد نسب البطالة والتضخم المالي وانخفاض شديد في العملة المحلية ومشاركة فعلية للباز الإيراني ومساندة من قبلهم للمتظاهربن المطالبين بحقوقهم واسعاف طلباتهم وتحقيق أهدافهم في حياة حرة كريمة وغد مشرق أفضل، والتي اتخذت مسارًا سياسيًا تمثل في المناداة باسقاط النظام الإيراني ورفض سياساته الداخلية والخارجية ورفع شعار ( لا سوريا ولا لبنان فداك روحي إيران) الذي شكل محوريًا مهمًا في طبيعة التظاهرات الشعبية وما رافقها من تصعيد وحشد كبير شاركت فيه جميع مكونات المجتمع الإيراني، أتت ردود الفعل الأمريكي عبر تصريحات للرئيس دونالد ترامب أيد فيها الفعل الشعبي وطالب المواطنين الإيرانيين بالاستمرار بتظاهراتهم وانتظار الدعم والمساندة الأمريكية التي ستأتيهم، ومنها ما حصل بإصدار العقوبات الأخيرة من قبل وزارة الخزانة الأميركية التي اعتبرت إجراءاتها خطوة تهدف إلى حرمان القيادة الإيرانية من الموارد التي تستخدمها في ( قمع الشعب الإيراني) الذي خرج بمسيرات كبرى واحتجاجات واسعة على سوء الأوضاع الاقتصادية والأحوال المعيشية وتدهور البنية التحتية الصحية ونقص المياه وضعف إنتاج وتوليد الشبكات الكهربائية.
وتم دعم الشعب الإيراني بموافقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على اقتراح لتمديد التحقيق المستقل في انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، ودعا يوم الثالث والعشرين من كانون الثاني 2026 إلى إجراء تحقيق عاجل في حملات القمع والاضطهاد العنيفة التي تشنها السلطات الأمنية والاستخبارية الإيرانية تجاه المتظاهرين،وهي الدعوة التي حظيت بموافقة (50) دولة والتي أطلقتها دول من بينها ( أيسلندا وألمانيا وبريطانيا).
أن إيران وبسبب التوجهات السياسية وثوابت العقيدة الإيرانية القتالية لا زالت متمسكة باهدافها في الحفاظ على بقاء النظام وديمومة تأثيره الإقليمي والسعي الدائم للعمل في تطوير البرنامج النووي الذي تراه العنصر الفعال في أي مفاوضات قادمة وتعتبره الورقة الرابحة لها، والذي أصبح يمثل الصندوق السياسي الذي يعيق حركة الفعل الدبلوماسي والحوار السياسي الإيراني كونه محاط باربع قضايا رئيسية مطلوب حلها ووضع مسارات لاتفاق سياسي حولها وهي ( البرنامج النووي الإيراني وتطور فعالية الصواريخ البالستية طويلة المدى والتمدد والنفوذ السياسي في الإقليم ودعم الوكلاء من الفصائل المسلحة وأخيرًا التظاهرات الشعبية)، هذه المسارات الأربعة بحاجة إلى حلول سياسية ومناقشات فعلية للوصول لاتفاق نووي جديد، وهي التي تحدث عنها مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ( ستيف ويتكوف) بأنها تمثل أربعة شروط على إيران تلبيتها ب( عدم تخصيب اليورانيوم ووقف إنتاج الصواريخ وخفض المخزون منها وتسليم المخزون النووي المخصب والتخلي عن الحلفاء) أو توقع الأسوأ.
ومطلوب من إيران تقديم تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث للمواقع والمنشآت النووية التي طالتها الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية في حزيران 2025 ومنها المواد النووية التي يعتقد أنها موجودة فيها، بما فيها المخزون الذي يقدر ب (440،9) كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60٪ وهو ما يكفي لانتاج (10) قنابل نووية وفقًا لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تبقى الانظار شاخصة إلى ما يمكن أن تسعى إليه ادارة الرئيس ترامب من تحقيقه في حملتها العسكرية، وهل ان أهدافها إضعاف النظام الإيراني وجعله أكثر هشاشة، أم سعيها لتنازل إيراني عبر اتفاقية سياسية تتنازل فيها القيادة الإيرانية عن اليورانيوم المخصب وتلتزم بإيقاف إنتاجها من الصواريخ الباليستية ورفع الدعم عن حلفائها ووكلائها الإقليميين، أم أن هناك هدفًا أكثر عمقًا يتمثل في إسقاط النظام السياسي الإيراني؟
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية
