تزامن إطلاق حزمة الإجراءات الكمركية الأخيرة، التي شملت تطبيق نظام الأسيكودا، والاحتساب المسبق للتعرفة الكمركية، واستحصال الأمانات الضريبية، إلى جانب تفعيل إجراءات السيطرة النوعية، مع جملة من التحديات التي تواجه الموازنة العامة، وفي مقدمتها تراجع الإيرادات العامة. هذا التزامن دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الهدف الرئيس من هذه الإجراءات هو زيادة الإيرادات غير النفطية لتعويض النقص في الإيرادات النفطية.
إلا أن هذا التصور لا يعكس جوهر السياسات الكمركية ولا الغاية الأساسية من تنظيم التجارة الدولية. فالهدف الحقيقي لأي سياسة كمركية فاعلة يتمحور حول أربعة محاور رئيسية: حماية المنتج الوطني، تحسين الميزان التجاري، توجيه نمط الاستهلاك بما ينسجم مع الأهداف الاقتصادية للدولة، ثم تأتي زيادة الإيرادات غير النفطية كنتيجة ثانوية وليست هدفًا بحد ذاتها.
وبناءً على ذلك، فإن الاعتقاد بأن هذه الإجراءات تهدف إلى تعويض العجز في الإيرادات النفطية هو تصور غير واقعي، إذ من غير المتوقع أن تتجاوز إيرادات التعرفة الكمركية في أفضل الأحوال حاجز 8–10 تريليونات دينار سنويًا، وهو مبلغ لا يغطي سوى نفقات شهر واحد من الموازنة العامة. بل إن انخفاض سعر برميل النفط بمقدار خمسة دولارات كفيل بإلغاء كامل هذه الإيرادات الإضافية.
الهدف الأساسي لهذه الإجراءات يتمثل في تنظيم عملية الاستيراد وإعادة توجيه نمط الاستهلاك نحو أنشطة اقتصادية بديلة تسهم في تنشيط القطاعات غير النفطية وزيادة الناتج المحلي الإجمالي. من حيث المبدأ، فإن الفكرة صحيحة، إلا أن آلية التطبيق أدت إلى صدمة اقتصادية واضحة، لم تقتصر آثارها على المواطن فقط، بل امتدت إلى التاجر وموظفي القطاع الخاص، ولا سيما العاملين في الشركات التجارية التي أصبحت تواجه مخاطر تراجع الإيرادات، الأمر الذي قد يدفعها إلى تقليص نفقاتها، وفي مقدمتها تقليل أعداد العاملين، بما يهدد الاستقرار الوظيفي.
ما كان ينبغي أن يحدث لتفادي هذه الصدمة هو اعتماد نهج تدريجي في التطبيق، بدلًا من فرض جميع الإجراءات دفعة واحدة. فقد تم تطبيق نظام الأسيكودا، والاحتساب المسبق، والأمانات الضريبية، والسيطرة النوعية على جميع السلع في وقت واحد، في حين كان من الأجدر البدء بالسلع الأعلى قيمة وتأثيرًا، ثم التوسع تدريجيًا ليشمل بقية السلع. كما كان من الممكن تأجيل بعض الأنظمة، مثل الأمانات الضريبية والسيطرة النوعية، إلى مراحل لاحقة بعد التأكد من التطبيق الفعّال والمستقر لنظام الأسيكودا.
أما فيما يتعلق بالتعرفة الكمركية وآلية احتسابها، فهي الأخرى تحتاج إلى مراجعة شاملة، خصوصًا في قطاع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية. إذ لا يمكن فرض نسب موحدة على جميع هذه الأجهزة دون الأخذ بنظر الاعتبار أهميتها للمواطن العراقي، أو إمكانية تصنيعها محليًا مستقبلًا لتعويض الطلب المتزايد عليها.
كان من الضروري تشكيل لجنة متخصصة للتعرفة الكمركية تتولى وضع رؤية واضحة ومعلنة للسياسة الكمركية، وعلى أساس هذه الرؤية يتم تحديد نسب التعرفة لكل منتج، بل ولكل بلد منشأ. فلا يمكن التعامل بالمنطق ذاته مع دول يمتلك العراق معها فائضًا في الميزان التجاري، مثل الصين والهند وأوروبا واليابان وكوريا، ومع دول يعاني معها من عجز تجاري كبير، مثل الإمارات وتركيا وإيران والأردن.
إن نجاح سياسة التعرفة الكمركية لا يتحقق عبر الجمود أو التطبيق الآلي، بل يعتمد على القدرة على التكيف المستمر مع متغيرات السوق، وقراءة المؤشرات الاقتصادية، وتقييم آثار السياسة على بقية القطاعات. أما إذا بقيت هذه السياسة جامدة وغير قابلة للتعديل وفق الرؤية الموضوعة، فإن فشلها في تحقيق أهدافها سيكون أمرًا شبه مؤكد.
المهندس منار العبيدي
