اياد العناز
تداعيات استمرار التظاهرات الإيرانية أنها اخذت مسارًا واضحًا وتميزت بعدة صور ميدانية كانت أكثر حضورًا من الاحتجاجات الشعبية التي حدثت في الأعوام الماضية ( 2009-2017-2018-2022)، باتساع مساحة وحضور المنتفضين في (230) مدينة، مع وجود عدد من النقاط المنتفضة التي بلغت (407) منها (120) في العاصمة الإيرانية ( طهران)، وشهدت (21) مدينة رئيسية حالات اشتباكات وقتال بين المواطنين وعناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية أهمها ( طهران وأصفهان وكرمنشاه وميلان غرب وشيراز والاهواز)، مع استمرار التحركات التظاهرات الليلية واتساعها في معظم ارجاء الأراضي الإيرانية، مما أدى إلى، ارتفاع عمليات المواجهة المباشرة في قتل المحتجين الذي بلغ أكثر من (500) مواطن وجدت العشرات من جثث البعض منهم متروكة في الشوارع العامة مع موجة من الاعتقالات وصلت إلى (2644) مواطن، وتخللتها عمليات إطلاق الغازات المسيلة للدموع والرصاص الحي، ومنع وسائل الإعلام والصحافة العالمية من الإحاطة بالتظاهرات الشعبية عبر قطع شبكات الانترنت ومواصلة سياسة التعتيم الاعلامي الموجه من قبل السلطات الإيرانية.
اخذت الأحداث أهميتها في التعامل السياسي والاجتماعي من قبل المسؤولين الإيرانيين، عبر محاولة احتواء التظاهرات ومنع تمددها واتساع رقعة انتشارها، بعد أن لاقت دعماً مباشرًا رئيسيًا من قبل تجار البازار والذين يشكلون حلقة مهمة في الاقتصاد الإيراني وطبيعة علاقتهم مع اركان الدولة، وسارعت بالعمل على إيجاد حلول اقتصادية لا تمثل حقيقة المطالب التي ينادي بها أبناء الشعوب الإيرانية، وعندما لم تتمكن السلطات والأجهزة الأمنية من إيقاف المد الجماهيري ومواجهة الانتفاضة، عملت على ربط أي تدهور أمني خلال المواجهات بين المتظاهرين وعناصر الأجهزة الأمنية والاستخبارية إلى وجود ايادي خفية لها ارتباطاتها الخارجية وأهدافها في أحداث حالة من التأجيج الداخلي والاضطراب الشعبي.
واستمرت حالة المتابعة والاهتمام الدولي والإقليمي بما يحدث في إيران منذ ثلاثة أسابيع، باستمرار تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية التدخل في مساعدة المتظاهرين ومتابعة عمليات المواجهة التي يجابهون بها الوسائل والأجراءات الأمنية والتحذير من عملية التوسع في القتل والاعتقال، وتنفيذ مباشر عبر توجيه عدة ضربات عسكرية تطال العمق الإيراني، مع استمرار للرفض والإدانة الأوربية لما يتعرض إليه المنتفضين في عموم المدن الإيرانية، وجاء تعليق كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في معهد (بي سي إيه ريسيرش) مات غيرتكن بالقول ( أنه إذا خلصت الولايات المتحدة إلى ضرورة التحرك، فإنها تمتلك مجموعة واسعة من الأدوات، تتراوح بين الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب، وصولًا إلى استخدام الطائرات المسيرة والضربات الصاروخية من الجو والبحر).
ولكن هناك جوانب أخرى ترى إمكانية العمل على مواصلة الحوار السياسي والتفاوض الدبلوماسي، وهو ما عبرت عنه زيارة وزير الخارجية العُماني ( بدر البوسعيدي) إلى إيران ولقائه نظيره الإيراني (عباس عراقجي) في التاسع من كانون الثاني 2026 والذي حمل رسالة مهمة للقيادة الإيرانية تتعلق بتطور الأحداث الميدانية الاخيرة وتصاعد وتيرة الحديث عن مواجهة عسكرية قادمة أمريكية إيرانية إسرائيلية، وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه إيران احتجاجات على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع قيمة الريال الإيراني واتساع مساحة انتشارها وتعدد أهدافها استمرارها، ويمكن النظر للزيارة أنها أعطت صورة واضحة للقيادة الإيرانية بضرورة الأخذ بنظر الاعتبار التهديدات الأمريكية والسعي للعودة للمفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والتواجد الإقليمي وسياسة التمدد والنفوذ في الشرق الأوسط والوطن العربي وتطور العمل في برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، في محاولة قد تكون الأخيرة لرفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة، وكما معلوم سبق لسلطنة عُمان وأن ساهمت في عقد ( خمس) جولات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران قبل بدأ الهجمات الجوية والصاروخية الأمريكية الإسرائيلية في الثالث عشر من حزيران 2025، وتعاملت إيران مع الزيارة العُمانية بشكل إيجابي عبر الاعلان الذي تضمنه المؤتمر الصحفي لوزيري خارجية البلدين باعتماد الحوار والدبلوماسية نهجًا أساسيًا لمعالجة الخلافات وتعزيز التعاون وبناء الثقة بين دول الإقليم.
وأطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة تصريحات تتعلق بإمكانية عقد مفاوضات مع إيران، قائلًا ( اتصل قادة إيران بنا ويجري الإعداد لاجتماع.. إنهم يريدون التفاوض، ولكن قد نضطر إلى التحرك قبل عقد اجتماع)، وإنه يدرس مجموعة من الردود على الاضطرابات المتصاعدة في إيران، بما في ذلك الخيارات العسكرية المحتملة، وقال (نتابع الأمر بجدية بالغة، والجيش يتابعه، ونحن ندرس بعض الخيارات القوية جدا، وسنتخذ قرارا).
ويمكن تحديد الإجراءات الأمريكية عبر الاجتماعات التي ستعقد في الأيام المقبلة مع الرئيس ترامب وبحضور وزير الحرب ورئيس أركان الجيش الأمريكي، وما صرح به ديفيد بترايوس الرئيس السابق للاستخبارات الأميركية لهيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي) بأن الولايات المتحدة تمتلك خيارات أخرى للضغط على النظام الإيراني ومنعه من الاستمرار في قمع الاحتجاجات، وأن هذه الخيارات لا تقتصر على المسار العسكري.
تبقى الأحداث ساخنة والتظاهرات قائمة والإجراءات والأدوات الإيرانية مستمرة والتهديدات الأمريكية واضحة، وستكون الأيام القادمة كفيلة بما ستؤول إليه من متغيرات سياسية وتصاعد في المواجهات.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
