اياد العناز
تأتي زيارة علي لاريجاني أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني للعاصمة العُمانية (مسقط) في العاشر من شباط 2026 وبعد أول محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لتعطي انطباعًا واضحًا عن مدى سعي طهران لإيجاد قنوات للحوار ومحاولة منع توجيه ضربات عسكرية أمريكية، والاتفاق الضمني بالاستمرار في مناقشة الشروط التي قدمها المبعوث الأمريكي ( ستيف ويتكوف) للوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والتي تضمنت ورقة سياسية حدد فيها ما مطلوب من إيران أن تقوم به اذا ما أرادت منع قيام مواجهة عسكرية محتملة.
أن الحضور السياسي لمسؤول إيراني سبق وان كان رئيس المفاوضين في موضوع البرنامج النووي الإيراني، يعطي افاقًا واسعة عن وجود مساحة منحتها إيران لكيفية إدارة الجولة الثانية من المباحثات التي لم تحدد بعد، وتعطي إشارة دقيقة إلى نقل ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى مستوى القرار السياسي والأمني الإيراني بحضور ( لاريجاني) إلى مسقط وتسليمه رد القيادة الإيرانية على شروط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تحدد مسار العمل الدبلوماسي والحوار السياسي أو الذهاب لمسار المواجهة واستمرار التوتر والقلق من قيام حرب بين الجانبين.
وأهمية الزيارة أنها تسبق لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو) للولايات المتحدة ولقائه مع الرئيس ترامب والتي ستكون من أولوياتها مناقشة الاستعدادات العسكرية وتحديد الأهداف الرئيسية في كيفية الرد على إيران في حال عدم توافق جوابها مع البيانات التي تقدمت بها الإدارة الأمريكية، وهو ما ينتظره نتنياهو ليكون عامل مساعد له في دعم المواجهة العسكرية الأمريكية.
أن التوجه الذي اُعطي للوفد الأمريكي المكلف بإدارة المباحثات مع إيران أن لا يسمح باطالة أمد المفاوضات وأن لا يجعلها في حالة من الاستمرار وإنما عليه أن يعمل مع الوسيط العُماني على تحديد فترة زمنية يفترض بايران التقيد بها،وهي إحدى الجوانب المهمة التي تدركها الإدارة الأمريكية حول سياسة إطالة الوقت وادامة الحوار والذي اتبعه المفاوض الإيراني في جولات الحوار التي جرت في الأشهر الأولى لعام 2025 في العاصمة العُمانية ( مسقط).
أن ملامح الجولة الثانية من المباحثات الثنائية ستكون عبر مسار من الدبلوماسية الصعبة المفروضة المصاحبة لخيارات عسكرية متعددة وانتشار واسع لجميع صنفوف الأسلحة والطائرات والبارجات والسفن البحرية والصواريخ الاستراتيجية، مع تأكيد على الثوابت الأمريكية بوقف التخصيب وتسليم (400) كغم من اليورانيوم المخصب وتفكيك برنامج الصواريخ البالستية وإيقاف الدعم والعلاقة مع الفصائل والمليشيات المسلحة، في حين لا زال الموقف الإيراني متمسك بحل وسط في استعداده لمناقشة البرنامج النووي وعمليات ونسب تخصيب اليورانيوم وعدم التطرق إلى كل الأمور المتعلقة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والدور الإقليمي التوجهات السياسية الإيرانية، وهو ما سيجعل الامور تكون أكثر حساسية ومدى خطورة المواجهة أوسع، قد تؤدي إلى كارثة كبيرة وانهيار لأسس النظام الإيراني وتكلفة ميدانية تهدد الوجود والتأثير الإيراني الإقليمي، وهذا أعلنه وأكد عليه الرئيس الأمريكي ( عن صدور أوامره بتحرك أسطول بحري أمريكي ضخم بات في طريقه إلى منطقة الشرق الأوسط، وأن هذه القوات ستصل قريبًا جدًا لتحديد الخطوات المستقبلية بناء على تطور الأوضاع)، وتمثل عملية إرسال الأسطول رسالة ردع عسكرية قوية تتزامن مع المحادثات السياسية وقرب انعقاد الجولة الثانية منها ووصول الرد الإيراني للإدارة الأمريكية عبر الوسيط العُماني ، مما يعكس رغبة واشنطن في فرض واقع ميداني يدعم موقفها التفاوضي، ومن الممكن أن يحتوي الأسطول البحري على حاملات طائرات وقطعًا بحرية هجومية، مما يرفع درجة الاستنفار في الممرات المائية الحيوية، ويضع كافة السيناريوهات على الطاولة، بما فيها خيار سياسة الضغط الأقصى التي ستكون إحدى ملامح محادثات الجولة القادمة.
تابعت إيران ردود الأفعال والتصريحات الأمريكية، فجاء الرد الإيراني على لسان الرئيس مسعود بزشكيان بالقول (
أن إيران تدعم دائمًا الدبلوماسية القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن أي مقترح لحل الأزمات وفق القانون الدولي يحظى بدعم إيران، ولكننا سوف لا نستسلم للضغوط)، وهو ما يعكس حقيقة الموقف الرسمي الإيراني، ولكن هناك الكثير من الأمور التي ستفرضها الأوضاع الميدانية وستكون مثار نقاش واسع أثناء انعقاد جولة المباحثات الثانية، ومنها ما سيبعد أي ذرائع لتحقيق تدخل وهجوم عسكري أمريكي عبر إيجاد قواسم مشتركة من استجابة إيرانية لبعض من الشروط الأمريكية حفاظًا على بقاء النظام ومنع أي محاولات إسرائيلية في الدفع باتجاه اندلاع مواجهة عسكرية واسعة محتملة، عبر تقييد البرنامج النووي الإيراني وإعطاء فسحة من مناقشة لملفات أخرى، وإلا فإن إيران تدرك أن الاستعداد الأمريكي قائم وأن جميع الشروط حاضرة دون تغيير، وإذا ما أرادت تحقيق انفراج في الأزمة ورفع العقوبات الاقتصادية عنها وإطلاق اموالها المجمدة، ما عليها إلا التجاوب مع طروحات المبعوث الأمريكي ( ويتكوف)، رغم أن المواقف الإيرانية لا زالت تسعى إلى تحديد مساراتها التفاوضية باستخدام الخطاب الشعبي وحشد الهمم في مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة وهو ما جاءت به رسالة المرشد الأعلى علي خامنئي في الذكرى (47) لوصول الخميني لإيران بالقول ( يجب إيصال العدو إلى مرحلة اليأس ويأس العدو رهن بوحدتكم، وقوة أفكاركم وإرادتكم، ودوافعكم، وصمودكم أمام وساوس العدو. هذه هي مقومات الاقتدار الوطني).
صاحبت زيارة ( لاريجاني) إعلان وزارة الدفاع الإيرانية وقف الكشف الإعلامي عن ما توصلت إليه من إنجازات في عملها التعبوي والعسكري واستخدام عنصر المفاجأة في الإفصاح عنه في ميدان المواجهة أن حصلت مع الولايات المتحدة، وكان من المقرر قيام الحرس الثوري الإيراني بالكشف عن مدينة صاروخية، ولكن توقف ضمن إجراءات أمنية وسياسية تتعلق بحركة القوات العسكرية الإيرانية وتوجيهات قيادتها وضمن سلسلة من الاحترازات والاساليب المتبعة في التوجيه الميداني والحرب النفسية، كما عقد البرلمان الإيراني جلسة مغلقة بحضور رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة عبد الرحيم موسوي ووزير الخارجية عباس عراقجي، أعلن خلالها
أن الرسالة الرئيسية للجلسة تمثلت في أن ( الدبلوماسية والميدان في إيران منسجمتين تمامًا).
تبقى الاطر الرئيسية التي تحيط بالجولة القادمة من المباحثات قائمة على تعزيز حالة الثقة بين الجانبين، وإعطاء فسحة من العمل المتواصل باستجابة إيران وادراكها لخطورة الموقف وضرورة الدفع بتحقيق نتائج ملموسة حقيقية، وأن حضور لاريجاني يعني تعزيز الموقف الإيراني حول رفع سقف الموافقات الرسمية تجاه الشروط الأمريكية وان إيران ملتزمة بالحوار والتفاوض السياسي للوصول لاتفاق سياسي ينهي الأزمة القائمة.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
