لقرار الولايات المتحدة بتهديد الدول التي تواصل التجارة مع إيران بفرض رسوم جمركية إضافية يمثل تصعيداً جديداً في استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط السياسي. فاقتراح فرض تعرفة قد تصل إلى 25 في المئة على الواردات القادمة من أي دولة تشتري السلع أو الخدمات الإيرانية يشير إلى احتمال العودة إلى ما يعرف بـ “العقوبات الثانوية”، التي تستهدف أطرافاً ثالثة بسبب تعاملاتها مع طهران.
ورغم استمرار المحادثات الدبلوماسية في سلطنة عمان، فإن هذا التهديد يخلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية وشبكات التجارة الإقليمية، ويضع اقتصادات مرتبطة بقوة بالتجارة مع إيران، وعلى رأسها الصين والعراق، أمام خيارات صعبة.
الأهمية الاقتصادية للتصعيد
ما زالت إيران جزءاً محورياً من سلاسل الإمداد الإقليمية رغم سنوات العقوبات، حيث تشمل صادراتها النفط والبتروكيماويات والمنتجات الغذائية والطاقة الكهربائية والمواد الصناعية. ويؤدي التهديد الأميركي إلى رفع كلفة التعامل التجاري مع كل من إيران والولايات المتحدة في آن واحد، ما يدفع الحكومات والشركات إلى إعادة حساباتها بين الاستفادة من التجارة مع طهران أو الحفاظ على الوصول إلى السوق الأميركية.
وقد تمتد التداعيات إلى أسواق الشحن والتأمين البحري والمعاملات المصرفية والاستثمار الأجنبي، خصوصاً في اقتصادات تعاني أصلاً من ضغوط مالية.
الصين بين أمن الطاقة وضغوط السوق الأميركية
تعد الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران، حيث تستورد منها كميات كبيرة من النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية بأسعار مخفضة نسبياً. وتمثل هذه الإمدادات جزءاً مهماً من استراتيجية بكين لتنويع مصادر الطاقة.
لكن التهديد بفرض رسوم على صادرات الدول المتعاملة مع إيران يضع الشركات الصينية في موقف معقد، إذ قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التصدير إلى الولايات المتحدة، واضطراب طرق الشحن والتأمين، وربما تقليص واردات النفط الإيراني تدريجياً، إضافة إلى تسريع استخدام العملات غير الدولار في التسويات التجارية.
ومن الناحية الاستراتيجية، قد يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تسريعاً لتقسيم النظام التجاري العالمي إلى تكتلات اقتصادية قائمة على الاعتبارات الجيوسياسية أكثر من الكفاءة الاقتصادية.
العراق في دائرة الخطر
يرتبط العراق اقتصادياً بإيران بصورة وثيقة، إذ يعتمد على وارداتها من الغاز والكهرباء والمواد الغذائية ومواد البناء. وتشكل هذه العلاقات التجارية جزءاً أساسياً من توازن السوق العراقية.
وقد يؤدي تشديد الضغوط الأميركية إلى:
تهديد أمن الطاقة، خاصة خلال أشهر الصيف.
ارتفاع معدلات التضخم نتيجة نقص الإمدادات.
ضغوط على العملة المحلية وزيادة الطلب على الدولار.
توترات سياسية داخلية مرتبطة بمحاولة الموازنة بين العلاقات مع واشنطن وطهران.
أي اضطراب واسع في هذه التجارة قد يؤثر في جهود إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي.
تداعيات إقليمية أوسع
تحتفظ دول أخرى بعلاقات تجارية مهمة مع إيران، وتعمل بعض منها كمراكز عبور وإعادة تصدير للسلع. وتشديد الموقف الأميركي قد يؤدي إلى تراجع النشاط التجاري في هذه المراكز، وارتفاع كلفة النقل، واتساع التجارة غير الرسمية، ما يعقد الرقابة والتنظيم المالي.
لماذا قد يكون الأثر العالمي كبيراً
تكمن خطورة هذه الخطوة في أربعة محاور رئيسية:
أولاً، أسواق الطاقة:
أي تعطيل للصادرات الإيرانية قد يرفع أسعار النفط ويزيد من تقلبات السوق.
ثانياً، تفكك النظام التجاري العالمي:
الضغط على الدول عبر التعرفات الجمركية قد يسرع تشكل تكتلات اقتصادية متنافسة.
ثالثاً، القنوات المالية:
انسحاب البنوك من التعامل مع المنطقة قد يرفع تكاليف الاقتراض ويحد من الاستثمارات.
رابعاً، علاوة المخاطر الجيوسياسية:
تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران يضيف مخاطر إضافية إلى أسعار النفط والتأمين والشحن.
ماذا بعد
ستكون نتائج المحادثات الدبلوماسية حاسمة في تحديد اتجاه الأسواق. فإذا تم التوصل إلى اتفاق، قد تتراجع المخاوف مؤقتاً. أما في حال فشل المفاوضات، فقد نشهد موجة جديدة من تقلبات أسعار الطاقة، واضطرابات في سلاسل التوريد، وضغوطاً على العملات في الدول الأكثر انكشافاً، خصوصاً العراق.
الخلاصة
لا يقتصر التهديد الأميركي على الملف النووي الإيراني، بل يعكس اتجاهاً متزايداً لاستخدام التجارة أداة ضغط جيوسياسي. وبالنسبة للصين، يمثل ذلك تحدياً لأمن الطاقة. أما العراق، فيواجه مخاطر تضخم ونقص في الكهرباء. وعلى المستوى العالمي، تعزز هذه التطورات اتجاهاً نحو نظام تجاري أكثر انقساماً تحكمه السياسة بقدر ما تحكمه الاعتبارات الاقتصادية.
وحدة الدراسات الاستراتيجية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
