بتاريخ 8 تموز 2026 أعلن الرئيس، الأمريكي دونالد ترمب عن انهيار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة والتي أعادت صياغة أدوات المواجهة بين الطرفين و امتدت لتأخذ أبعادًا واضحة لهجمات جوية وصاروخية استمرت اسبوعين من قبل القوات الامريكية تجاه السواحل الإيرانية وضرب الأصول الدفاعية الإيرانية في مراكز ومواقع لخزن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في أماكن عديدة استهدفت (بندر عباس وبوشهر والأهواز وجزيرة قشم ومحيط مضيق هرمز)، واصابة أهداف عسكرية وبنى تحتية وقواعد بحرية إيرانية خاصة في الشريط الجنوبي قرب مضيق هرمز، والتوسع في محيط بعض من هذه المناطق لتحقيق إصابات مباشرة على قواعد بحرية وأبراج اتصالات وجسور رئيسية ومناطق دفاع ساحلية إلى جانب انفجارات قرب محطة بوشهر وأهداف في الأهواز وجزيرة قشم.
أصبحت المواجهة الأمريكية الإيرانية في مرحلة جديدة تبتعد في ملامحها عن الهجمات والضربات السابقة، كونها ركزت على الأصول الميدانية لأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز والقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي، في وقت تتزامن مع التواصل الدبلوماسي عبر القنوات الدبلوماسية لتحقيق وساطة إقليمية ميدانية لإيقاف القتال والعودة للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي.
لا تزال العقيدة العسكرية الأمريكية تذهب نحو اعتماد مبادئ رئيسية لتقليص القدرات العسكرية الإيرانية وحماية طرق الملاحة وضرب القواعد والمنصات الدفاعية نحو العمق الإيراني القريب من السواحل المطلة على مضيق هرمز ،في حين تعمل الدوائر العسكرية والمؤسسات الأمنية الإيرانية على تقويض المحاولات الأمريكية برفع كلفة الوجود الأمريكي دون الوصول لمواجهة مباشرة قد تهدد بقاء النظام الإيراني.
التصعيد الإقليمي قائم بمستويات متعددة وأهداف مرسومة بحذر قد تقارب نسبة 25٪، إذا ما توسعت الهجمات الجوية والصاروخية لتشمل منشآت الطاقة الخليجية أو أغلق مضيق هرمز بصورة دائمية وتزايد عدد القتلى الامريكان، ستدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى توجيه ضربات أشد خطورة وأوسع انتشارًا داخل العمق الإيراني.
تبرز حالة ميدانية دقيقة تلاحظ من قبل واشنطن وطهران، وهي تتعلق بارتفاع الكلفة الاقتصادية والعسكرية، فكلما ازدادت نسبتها وتأثيرها على الطرفين، ازدادت فرص العودة للوساطات الإقليمية والخليجية العربية ولكنها تتأخذ جوانب أكثر حدة ممن سبقتها نتيجة الإصرار على زيادة المخاطر وايقاع الخسائر.
تصاعد الأحداث العسكرية والوقائع الميدانية، سيكون تأثيرها واقع نحو التسريع ببناء منظمومة أمنية خليجية أكثر استقلالًا مع استمرار الشراكة الأمريكية وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية المشتركة وحماية الممرات البحرية واعتبارها أولوية استراتيجية في تنويع طرق تصدير الطاقة للتقليل من الاعتماد على مضيق هرمز مع توسيع ميداني للتعاون الإستخباري والأمني بين اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، مما يعطي دلالة إيجابية ويمنح القوة الاقتصادية الخليجية دورها المساند في تحقيق أكثر الخطوات نجاحًا في اعتماد مسارات صحيحة للوصول إلى بيئة أمنية لهندسة الأوضاع القائمة في متطقة الخليج العربي.
أن التطور الحاصل في أبعاد المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية أنها لم تعد تهتم فقط بتفكيك البرنامج النووي الإيراني وتحيد مديات الصواريخ الباليستية وفعالية الطائرات المسيرة والدعم المساند الوكلاء والفصائل المسلحة الداعمة للمشروع الإقليمي السياسي الإيراني، بل تتجه حول من يملك القدرة على إدارة قواعد الأمن في الخليج العربي وحرية الملاحة فيه، لأن نتائجها ستعيد رسم توازنات الإقليم لسنوات عديدة، عبر اتفاق شامل يرضي جميع الأطراف أو استمرار سياسة الردع المتبادل والمواجهة المباشرة.
النقطة الأبرز في رسم ملامح المستقبل السياسي والأمني للمنظومة الخليجية العربية تتحدد في الاختلافات الجوهرية لاولويات الأمن القومي بين اقطار المجلس وهذا ينعكس على سرعة بناء المنظومة الامنية المشتركة، والتي يمكن ملاحظتها عبر الاختلاف الجوهري في تقدير التهديد الإيراني، فبعضها ترى أن التهديد العسكري المباشر هو الأولوية، في حين ترى اقطار أخرى ان الاحتواء السياسي والاقتصادي أكثر حضورًا من التصعيد العسكري، بسبب ارتباط بعض العواصم الخليجية بعلاقات تجارية واستثمارات مالية واسعة مع إيران، بينما تعتمد بعضًا منها على أصول الحماية الأمريكية، ولكنها لم تعد الشريكة الوحيدة فهناك حضور سياسي لروسيا والصين وبعض الدول الأوروبية وهو الأمر الذي يخلق حالة من التباين في الحسابات الميدانية لمبادئ السياسة الخارجية، مع الأخذ بنظر الاعتبار برامج التنمية الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية التي تجعل الاستقرار أولوية في دائرة الوجود الخليجي مما يدفع بعض العواصم إلى الابتعاد عن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، ومع الأهداف الاقتصادية والمصالح العليا هناك من يعطي لوحدة المصير الجغرافي أهميتها في تحديد مسارات العلاقة بين إيران واقطار الخليج العربي، وينظر للترابط الاقتصادي واسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية برؤية أكثر أهمية ويرسم ملامح التهديدات المستحدثة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي المرتبطة بالطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة.
أن نجاح النظام الأمني الخليجي لا يتوقف على توحيد المواقف السياسية بل يتخذ مسارًا اضافيًا ببناء مؤسسات مشتركة قادرة على إدارة الخلافات قبل إدارة أزمة التهديدات، لأن بناء المؤسسات الأمنية المشتركة بشكلها الفاعل يؤدي إلى طريق إيجابي يوصل لتوافق سياسي متكامل، والذي من الممكن أن يأخذ بأقطار الخليج العربي للانتقال من دائرة التنسيق الأمني إلى الاندماج الأمني والذي يحدد قدرتها على التعامل مع أي تصعيد أمريكي إيراني قادم وأي تحولات ومتغيرات سياسية إقليمية دولية.
أن قراءة متأنية لما جاء بوثيقة تشكيل مجلس التعاون الخليجي العربي في كانون الأول 1981،لم تكن فقط إطار لتعاون اقتصادي بل تضمنت تصورًا لإنشاء منظومة أمنية ودفاعية مشتركة إدراكاً منها للبيئة الإقليمية التي كانت تعيش تأثيرات الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها الداخلية وتأثيراتها الخارجية، والسؤال البارز هنا لماذا لم يتم الاندماج الأمني لاقطار المجلس؟
في تقديرنا يعود ذلك لأسباب عديدة أهمها اختلاف تقدير مصادر التهديد من الدول الأعضاء وهو ما انعكس على أولويات الدفاع والتمسك بالسيادة الوطنية، إذ اعتمد كل قطر خليجي على تمسكه بقراره العسكري المستقل والاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية مما خفف الدوافع الرئيسية لبناء قيادة عسكرية خليجية موحدة مع وجود تباين واضح في القدرات العسكرية والتسليحية، وهو أحد الأسباب الفاعلة في الوصول لتكامل ميداني حقيقي عملياتي إيجابي، وكان للخلافات السياسية التي برزت في بعض المراحل تأثيرها المباشر على مستوى الثقة الموجبة لتنفيذ بنود الدفاع المشترك والعقيدة العسكرية الموحدة،رغم وجود مؤسسات ( مجلس الدفاع المشترك وقوة درع الجزيرة) إلا أنها لم تحقق أغراضها بشكل كامل، ولكنها استطاعت من تنفيذ إنجازات في مجال التنسيق والتدريب ولكنها ابتعدت عن تكوين قيادة دفاعية موحدة ذات صلاحيات تنفيذية واسعة،ولكن النتائج الميدانية وما ألت أحداث المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، قد تعيد أحياء الأفكار والتوجهات التي كانت من أولويات البيان التأسيسي لمجلس التعاون الخليجي العربي عام 1981 ولكن بصيغ تتلائم والاوضاع والمتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يعيشها الإقليم، فالمطلوب اليوم شبكة دفاع جوي صاروخي موحدة وقيادة مشتركة للأمن البحري ومركز استخبارات وانذار مبكر ومنظومة موحدة للأمن السيبراني وحماية البنية التحتية للطاقة.
أن مراجعة دقيقة للاتفاق الخليجي عام 1981 سيكون ذات أهمية قيمة في مواجهة التحديات التي تشهدها منطقة الخليج العربي، بظهور كثير من المتطلبات الأمنية المعاصرة والتي يجب أن تكون حاضرة في الرؤية السياسية وتفعليها بشكل متناسق ومشترك لمواجهة التهديدات الدائمة للاقليم، فالمواجهة الأمريكية الإيرانية تمثل منعطفًا مهمًا في النظام الأمني الخليجي يمثل حالة من التحدي في الانتقال من الأمن المشترك إلى إطار للاندماج الأمني، ضمن منظومة ردع متكاملة الصواريخ والطائرات المقاتلة والمسيرات وترابط في أصول ومبادئ الأمن البحري والتعاون المتكامل استخباريًا وأمنيًا عبر الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وربط الاقتصاد بالأمن لتكون طرق الإمداد والطاقة والممرات البحرية جزءًا مهمًا من الأمن القومي الخليجي العربي واتخاذ آليات أكثر فاعلية لقرار سياسي جماعي والمحافظة على سيادة كل قطر في إطار السيادة المشتركة بعيدًا عن السيادة المنفردة، وهنا يمكن أن تبرز ولادة جديدة لعمل خليجي مشترك أكثر ارتباطاً بالأمن والاقتصاد والتكنولوجيا بوجود إرادة سياسية تتجه لبناء مؤسسات دائمة ورؤية موحدة لتحديد أولويات مصادر التهديد ومواجهتها وتعزيز مبادئ الحماية المشتركة والأمن الموحد، ضمن إطار وحدة الاستجابة الأمنية بمعنى احتفاظ كل قطر باستقلال قراره السيادي على أن تكون هناك أدوات مؤسسية فاعلة تضمن استجابة جماعية عندما يتعرض أمن الخليج العربي لتهديد مشترك، بعقيدة أمنية موحدة تحدد التهديدات والمصالح العليا وإنشاء مجلس للأمن القومي الخليجي يعمل بصورة دائمة ويضم جميع المستويات السياسية والعسكرية والاستخبارية ويكون معنيًا بتقدير الموقف وإدارة الأزمات.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
