الباحثة شذا خليل*
لا ينبغي النظر إلى التهديد الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب مجمع «بيك آكس ماونتن» (Pickaxe Mountain) الإيراني، المدفون عميقاً تحت الأرض بالقرب من منشأة نطنز، على أنه مجرد تهديد آخر ضمن مواجهة طويلة ومتزايدة التعقيد. بل قد يمثل اختباراً حاسماً للافتراض الأساسي الذي تقوم عليه الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران: هل يمكن للضغط العسكري والاقتصادي المستمر أن يمنع طهران من إعادة بناء قدراتها النووية، من دون أن تنجر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية أوسع وأكثر خطورة؟
في الرابع من سبتمبر، قال ترامب إن الولايات المتحدة قد تضرب جبل «بيك آكس» «قريباً جداً». ويقع الموقع بالقرب من مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم الذي تعرض لأضرار كبيرة، ويضم منظومتين من الأنفاق المدفونة عميقاً تحت الأرض.
لكن السؤال المباشر ليس فقط: هل ستنفذ واشنطن الضربة؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يمكن أن تحقق مثل هذه الضربة فعلياً؟
لماذا يُعد جبل «بيك آكس» مهماً؟
يقع جبل «بيك آكس»، المعروف أيضاً باسم «كوه كلنك غاز لا»، على مسافة تقارب كيلومترين من مجمع نطنز النووي.
بدأ العمل في الموقع نحو عام 2020، بعد عمليات تخريب ألحقت أضراراً بمنشأة لأجهزة الطرد المركزي في نطنز. وفي وقت لاحق، تحدث مسؤولون إيرانيون عن إنشاء منشأة أكبر وأكثر تطوراً داخل الجبل.
وتكمن أهمية الموقع بصورة أساسية في عمقه وتحصينه.
تشير تحليلات صور الأقمار الصناعية إلى أن أجزاء من المجمع قد تقع على عمق يتراوح بين 80 و100 متر تحت سطح الأرض. وهذا يثير تساؤلات بشأن قدرة حتى أقوى الذخائر الأمريكية التقليدية الخارقة للتحصينات على تدمير المنشأة بالكامل.
لكن المشكلة الأساسية هي أن هناك قدراً كبيراً من الغموض بشأن ما يوجد بالفعل داخل هذه الأنفاق.
تقول إيران إنه لا توجد أنشطة نووية في جبل بيك آكس. كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن من الوصول إلى المجمع، بينما تشير تقييمات خارجية إلى احتمال استخدامه مستقبلاً لإنتاج أجهزة الطرد المركزي أو لأنشطة مرتبطة بتخصيب اليورانيوم.
وهنا يصبح عدم اليقين بحد ذاته عاملاً استراتيجياً خطيراً.
فإذا اعتقدت واشنطن أن إيران تنقل أجزاء مهمة من بنيتها النووية إلى منشآت يصعب مراقبتها أو تدميرها، فإن الدافع لتنفيذ ضربة وقائية قد يزداد.
لكن في الوقت نفسه، كلما قلت المعلومات الاستخباراتية المؤكدة بشأن ما يوجد داخل الجبل، ارتفعت مخاطر اتخاذ قرار عسكري بناءً على افتراضات غير مكتملة.
مفارقة الاستراتيجية الأمريكية
يبدو أن وصف ترامب للصراع بأنه “small potatoes”، أي «أمر صغير أو محدود بالنسبة للولايات المتحدة»، يهدف إلى التمييز بين العمليات الحالية وبين الحروب الأمريكية البرية الكبرى التي شهدتها العقود الماضية.
لكن هنا تظهر مفارقة استراتيجية واضحة.
فالولايات المتحدة تريد إثبات أن إيران لا تستطيع التصعيد من دون دفع ثمن.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن واشنطن تريد احتلال إيران أو الدخول في حرب برية طويلة جديدة في الشرق الأوسط.
وبذلك تحاول الولايات المتحدة تحقيق أهداف سياسية كبيرة باستخدام قوة عسكرية محسوبة ومحدودة:
تدمير أو إضعاف القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، وفرض تكاليف اقتصادية على طهران، وحماية الملاحة البحرية، وردع الرد الإيراني، ثم إجبار إيران في النهاية على قبول تسوية سياسية.
لكنها تريد تحقيق كل ذلك من دون أن تفقد السيطرة على التصعيد.
وهذا توازن بالغ الصعوبة. لذلك فإن جبل بيك آكس لا يمثل مجرد هدف عسكري آخر، بل يجسد أيضاً حدود الاستراتيجية الأمريكية نفسها.
تدمير المنشآت لا يعني تدمير المعرفة حتى لو تمكنت الولايات المتحدة من إلحاق أضرار جسيمة بجبل بيك آكس، فإن القوة العسكرية تواجه مشكلة أساسية.
فالبرنامج النووي لا يتكون فقط من مبانٍ وأجهزة طرد مركزي ومختبرات وأنظمة كهربائية ومنشآت تحت الأرض. البرنامج النووي المتطور يتكون أيضاً من:
العلم، والخبرة، والمهندسين، والكوادر المدربة، والمعرفة التقنية، والخبرة المؤسسية المتراكمة عبر سنوات. يمكن تدمير مبنى خلال ساعات.
لكن من الصعب جداً تدمير المعرفة بالطريقة نفسها. ولهذا قد تنجح الضربات العسكرية المتكررة في تأخير البرنامج النووي الإيراني، لكنها لا تضمن بالضرورة القضاء على قدرة إيران على إعادة بنائه.
وهنا قد تبدأ دائرة خطيرة: تعيد إيران بناء منشآتها في أماكن أعمق وأكثر تحصيناً، فتزداد صعوبة مراقبتها، وقد يدفع ذلك الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى شن ضربات جديدة، لتعود إيران بعدها إلى بناء منشآت أكثر سرية.
وفي هذه الحالة قد تحقق الولايات المتحدة انتصارات عسكرية تكتيكية، لكنها تبقى عالقة في مأزق استراتيجي طويل الأمد.
بل إن جبل بيك آكس نفسه قد يكون مثالاً على هذه الظاهرة؛ إذ جاء تطوير المنشأة تحت الأرض بعد تعرض منشآت نطنز السابقة للتخريب والتهديد.
أي أن الضغط العسكري لا يؤدي دائماً إلى التدمير فقط. أحياناً يؤدي أيضاً إلى التكيف والتطوير والتحصين.
الحسابات الإيرانية طهران بدورها تواجه معضلة صعبة. فالتراجع الكبير أمام الولايات المتحدة يمكن أن يضعف مصداقية الحكومة الإيرانية داخلياً، ويضر بقدرتها على الردع إقليمياً.
لكن استمرار المواجهة يفرض على إيران تكاليف عسكرية واقتصادية وبشرية متزايدة. ولذلك لدى إيران مصلحة في تجنب الهزيمة الكاملة، ولكن لديها أيضاً مصلحة في تجنب إعطاء واشنطن مبرراً سهلاً لتصعيد عسكري هائل.
وهنا تظهر أهمية المنشآت العميقة تحت الأرض. فهي تمنح إيران ما يمكن تسميته «القدرة على الصمود الاستراتيجي». لكن هذه الاستراتيجية تحمل مفارقة خطيرة أيضاً.
كلما زادت إيران من تحصين منشآتها وإخفائها تحت الأرض، ازداد اعتقاد واشنطن بأن طهران تحاول الحفاظ على قدرات نووية لا يمكن الوصول إليها. وبالتالي، فإن الإجراء الذي تعتبره إيران دفاعياً قد تعتبره الولايات المتحدة سبباً لتنفيذ ضربة وقائية قبل أن تصبح المنشأة أكثر صعوبة في الاستهداف.
مضيق هرمز يغيّر المعادلة لا يمكن فصل الملف النووي عن المواجهة الأوسع في الخليج.
فمضيق هرمز لا يزال واحداً من أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، ولذلك فإن أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن يمتد تأثيره سريعاً إلى دول ليست طرفاً مباشراً في الحرب.
بالنسبة لطهران، يمثل هرمز ورقة ضغط مهمة لأنها لا تستطيع مجاراة التفوق العسكري التقليدي الأمريكي.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن السماح لإيران بامتلاك قدرة حاسمة على تهديد الملاحة في المضيق يمكن أن يضر بالمصداقية الأمريكية وبأمن دول الخليج.
وهنا تظهر دائرة أخرى من التصعيد:
إيران تحتاج إلى أدوات غير تقليدية لتعويض التفوق العسكري الأمريكي، بينما ترى واشنطن أن استخدام إيران لهذه الأدوات يستوجب مزيداً من الضغط العسكري.
وهكذا يصبح من الصعب على أي من الطرفين التراجع من دون أن يبدو وكأنه يقدم تنازلاً للآخر.
لماذا يهدد ترامب جبل بيك آكس الآن؟ يمكن تفسير تهديد ترامب بثلاث طرق رئيسية.
أولاً: الدبلوماسية القسرية.
من خلال الإعلان علناً عن إمكانية استهداف منشأة شديدة التحصين، ترسل واشنطن رسالة إلى طهران مفادها أن حتى المنشآت الموجودة في أعماق الجبال ليست آمنة بصورة مطلقة.
ثانياً: الضغط على إيران في المفاوضات.
الرسالة هنا واضحة: رفض التسوية قد يؤدي إلى استهداف منشآت أنفقت إيران سنوات وموارد كبيرة لحمايتها.
ثالثاً: احتمال وجود استعداد حقيقي لتنفيذ ضربة.ولا تتعارض هذه التفسيرات مع بعضها. فالتهديد العسكري يكون أكثر فاعلية كوسيلة دبلوماسية عندما يعتقد الطرف الآخر أن هناك احتمالاً حقيقياً لتنفيذه. ماذا سيحدث إذا ضُرب جبل بيك آكس؟ هناك عدة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول: نجاح عسكري يتبعه تفاوض. تنجح الولايات المتحدة في إلحاق أضرار كبيرة بالمنشأة، بينما تختار إيران رداً محدوداً، ثم تعود الأطراف إلى المفاوضات.
وسيتمكن ترامب عندها من القول إن الضغط العسكري نجح في تعزيز الردع.
السيناريو الثاني: رد إيراني محسوب.
قد ترد إيران على أهداف أو مصالح عسكرية أمريكية أو إقليمية، ولكن بصورة محدودة لمنع تحول المواجهة إلى حرب شاملة. وهنا يستمر الصراع، لكن الطرفين يحاولان إبقاءه تحت سقف معين.
السيناريو الثالث: التصعيد المتبادل. تؤدي الضربة الأمريكية إلى رد إيراني أوسع، ثم يأتي رد أمريكي جديد، فتبدأ سلسلة من الضربات والردود التي قد تتجاوز ما خطط له الطرفان في البداية.
وهذا هو السيناريو الأخطر. لكن هناك سيناريو رابع ربما يكون أكثر تعقيداً: نجاح الضربة عسكرياً وفشلها استراتيجياً
قد تتضرر المنشأة، لكن إيران تحتفظ بما يكفي من الخبرة العلمية والتقنية لإعادة بناء قدراتها في مواقع أخرى.
وقد تستنتج طهران أن الطريقة الوحيدة لحماية برنامجها مستقبلاً هي بناء منشآت أعمق، وأكثر انتشاراً، وأكثر سرية.
وفي هذه الحالة قد تصبح قدرة المجتمع الدولي على مراقبة البرنامج الإيراني أضعف وليس أقوى.
أي أن الولايات المتحدة قد تربح المعركة على جبل واحد، لكنها تجعل المشكلة النووية طويلة الأمد أكثر صعوبة.
السؤال الاستراتيجي الأكبر القضية لم تعد مجرد سؤال عن قدرة الولايات المتحدة على تدمير منشأة إيرانية أخرى.
فالتفوق العسكري الأمريكي على إيران واضح.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الولايات المتحدة تحويل هذا التفوق العسكري إلى تسوية سياسية مستدامة؟
القوة العسكرية يمكنها تدمير منشآت، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير الحسابات السياسية للدول.
وفي المقابل، تستطيع إيران الاستمرار في المقاومة وتحمل قدر من الخسائر، لكن ذلك يحمل تكاليف اقتصادية وعسكرية وبشرية متزايدة.
وهنا يظهر احتمال بقاء الطرفين في منطقة وسطى خطيرة:
لا سلام، ولا حرب شاملة.
لا استسلام إيراني، ولا انسحاب أمريكي حاسم.
لا تسوية نهائية، ولا نهاية واضحة للمواجهة. وقد تكون هذه الحالة أخطر مما يتوقعه الطرفان.
الخلاصة أصبح جبل بيك آكس رمزاً لصراع استراتيجي أكبر بكثير من مجرد منشأة تحت الأرض. بالنسبة لإيران، يمثل الجبل البقاء والتحصين والقدرة على الحفاظ على القدرات الحساسة بعيداً عن الضربات العسكرية.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهو يمثل مشكلة مختلفة: احتمال أن تؤدي النجاحات العسكرية فوق الأرض إلى دفع القدرات الإيرانية الأكثر أهمية إلى أماكن أعمق وأكثر سرية تحت الأرض.
قد تؤخر ضربة أمريكية البرنامج النووي الإيراني، وقد تثبت قدرة واشنطن على الوصول إلى أهداف شديدة التحصين.
لكنها وحدها لن تجيب عن الأسئلة السياسية الأساسية المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، وأمن المنطقة، والعلاقة بين طهران وواشنطن.
ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب جبل بيك آكس؟ بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي للضربة؟
إذا لم توجد تسوية دبلوماسية قادرة على تحويل الضغط العسكري إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ والمراقبة، فقد لا يكون جبل بيك آكس نهاية المواجهة النووية مع إيران.
بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة، تنتقل فيها المنشآت النووية إلى أعماق أكبر، وتزداد صعوبة العمليات العسكرية، وتتراجع قدرة المراقبة الدولية، وتصبح المسافة بين الصراع المحدود والحرب الإقليمية الواسعة أقصر من أي وقت مضى.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
