الحرس الثوري بين العقوبات وإعادة تشكيل الدولة الإيرانية

الحرس الثوري بين العقوبات وإعادة تشكيل الدولة الإيرانية

اياد العناز 

يشكل الحرس الثوري الإيراني الدعامة الأساسية في حماية النظام السياسي والإداة التي ترتكز عليها العقيدة السياسية والأمنية الإيرانية في التمدد والنفوذ وتوسع المشروع السياسي الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي، ومن هنا تأتي أهميته ودوره الميداني في الاطلاع بمهام أمنية واستخبارية وإعداد برامج وخطط سوقية وتنفيذ مخططات ذات أبعاد استراتيجية وتهيئة معسكرات للتدريب والاعداد الفكري والبدني وتهيئة مستلزمات بشرية لتنفيذ التوجيهات والتعليمات الخاصة التي يشرف عليها قيادات الحرس الثوري وفيلق القدس، وجاءت عملية انشاء ودعم وإسناد المليشيات والفصائل المسلحة في العديد من اقطار الوطن العربي، وكان أبرزها ما تم الاعداد له بشكل استراتيجي ورؤية سياسية تدعم المشروع الإقليمي الإيراني في ( العراق وسوريا ولبنان واليمن) وكانت له اثاره ونتائجه على كافة الأصعدة في التدخل المباشر واعتماد أسس وركائز في التوجيه والإرشاد للفصائل والمليشيات بالانخراط في العمل السياسي ودعم سياسة إيران الإقليمية وإيجاد قواعد تنظيمية تسليحية وبنية تحتية للاستثمارات المالية والاقتصادية لمساندة الفعاليات ودعم الاتجاهات السياسية والأمنية الإيرانية وادامة تواجد الفصائل واستمرار تأثيرها وفعالياتها.
أصبحت أعمال وتوجهات قيادات الحرس الثوري الإيراني ذات أبعاد إقليمية ودولية وبدأت تؤثر على المصالح العليا لبلدان العالم وخاصة الدول الاوربية والولايات المتحدة الأمريكية في قيامها بالعديد من التدخلات السياسية وتنفيذ الفعاليات الأمنية وتهديد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وكان لقرار الاتحاد الأوربي بتصنيف الحرس الثوري (منظمة إرهابية) أثرًا بالغًا وتحولًا استراتيجيًا في التوجه الأساسي للسياسة الأوربية تجاه إيران، واتخذ الاتحاد إجراء عملية عديدة في مواجهة الأخطار التي تشكلها الخلايا والتنظيمات المسلحة التي تتلقى الدعم من قيادات الحرس الثوري، بتصعيد حالات التعامل مع ايران بنفوذ فعلي وتحديد لنشاطهم وفرض عقوبات رادعة ضدهم ومتابعة تحركاتهم عبر قنوات مؤثرة ومسارات واضحة لإيقاف تحركاتهم وتوجهاتهم.
لم تكن سياسة الدول الاوربية والغربية هو تغيير سلوك الحرس الثوري مباشرة، بل إرسال رسائل ردع مباشرة ورفع الكلفة القانونية في مواجهة فعالياتهم وخططهم وتوضيح آثار الأساليب القمعية التي تعتمدها عناصر الحرس الثوري في مواجهتها الاحتجاجات الشعبية بالاعتقال والاضطهاد القسري والتوقيف والمراقبة الدائمة ومتلاحقة شبكات النفوذ والتمدد المرتبطة بالحرس وقياداته الأمنية.
نتيجة الأدوار التي اعتمدتها القيادات الفاعلة للحرس الثوري بعد المواجهة الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية التي ابتدأت في 28 شباط 2026، لم تعد هذه القيادات في البعد السياسي الأوروبي والأمريكي مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبحت تشكل محورًا أساسيًا في التعريف بطبيعة النظام الإيراني، بعد هيمنتها على القرار السياسي وتحكمها بالاوضاع الأمنية وهيمنتها على اقتصاد الدولة بكل انواعه ومؤسساته واستثماراته.
والسؤال الذي بدأ يفرض نفسه على الواقع السياسي الإيراني، هل يمكن التوصل لاتفاق مع الدولة الإيرانية من دون معالجة نفوذ الحرس الثوري في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية ودوره الإقليمي في المنطقة؟
أن أهمية الحرس الثوري أنه يُقدم نفسه الحامي الأساسي للنظام و الجهة المسؤولة عن تامين الحالة الأمنية في الداخل الإيراني، وهوما سبق وأن تناولناه في عدة دراسات ومقالات بانتقال إيران من مفهوم الدولة الثورية إلى الدولة الأمنية في مراحلها السياسية وتكوينها الأيديولوجي منذ شباط 1979.
وهناك تبرز أداة ميدانية فاصلة في مواجهة نشاطات الحرس الثوري والحد منها باجراءات عقابية، فكلما اشتدت العقوبات وتحددت التصنيفات التي تستهدف شبكات الحرس الثوري، ازداد التداخل بين الضغط الخارجي والصراع الداخلي على طبيعة الدور الريادي والوجود المعنوي للدولة الإيرانية ومركز القرار فيها، وهو ما يعني التأثير على سلوك النظام واستخدام الحرس الثوري لأدواته وشركائه وحلفائه من الفصائل والمليشيات المسلحة في التنفيذ والتوسع والتمدد لبرنامجه السياسي الإقليمي وتهديد الأمن والسلم الدولي والإقليمي.
أن الوكلاء الإيرانيون ليسوا فقط أدوات لتوسيع النفوذ، بل يمكن أن يؤدوا وظيفة في توسيع المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية من دون نقل المواجهة مباشرة إلى العمق الإيراني، وهنا يمكن أن نحدد ثلاث مستويات لدور وفعالية المليشيات المسلحة، عبر سياسة النفوذ التي تمنح إيران حضورًا سياسيًا وأمنيًا خارج حدودها، بما يجعل النفوذ الإيراني قائمًا حتى دون تدخل إيراني مباشر، وتحقيق مستوى من الردع والضغط تستطيع طهران خلاله من رفع تكلفة السياسة الأمريكية واستهداف مصالحها وعلاقتها مع شركائها الإقليميين، خاصة في مجال إمدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية والملاحة البحرية بعد الإجراءات والسلوك الإيراني بغلق مضيق هرمز، مما خلق حسابات جديدة واوجد اوضاعًا ميدانية إضافية أمام القرار الأمريكي، وهذا يمكن مشاهدته في الربط بين الهجمات التي قامت بها المليشيات المسلحة العراقية وجماعة الحوثيين اليمنية باستهداف المنشآت والخطوط النفطية السعودية والتصعيد الاخير في مضيق باب المندب، ثم هناك مسارات التفاوض الدبلوماسي والحوار السياسي الذي يمنح إيران اوراقًا يمكن أن تدخل ضمن حسابات التفاوض في إمكانية قيام إيران بفتح جبهات أخرى للمواجهة، وهذا ما يدخل في حسابات الإدارة الأمريكية عند تحاورها مع طهران، فهي لاتفاوضها على النشاطات النووية وتفكيك البرنامج النووي وتوسعها في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ودورها السياسي الإقليمي مقابل رفع العقوبات عنها وإطلاق أموالها المجمدة وإيقاف الحصار البحري، بل ترى امكانياتها في إيجاد أدوات وتوجيه شبكات متعددة في تعزيز دورها الميداني.
كلما اتسعت فعاليات شبكة الوكلاء المحليين، اتسعت قدرة إيران على توزيع الضغط خارج حدودها، لكن كلما أصبحت هذه الشبكة أكثر تأثيرًا على المصالح الأمريكية والخليجية العربية، أصبحت جزءًا من الحساب الأمريكي تجاه إيران، فالولايات المتحدة الأمريكية تعلم جيدًا ان العمليات العسكرية المليشيات والفصائل المسلحة أصبحت تمس مصالحها مباشرة، وهي لذلك تتحول من أداة لنفوذ إيراني إلى عامل اساسي له حضوره في الحسابات الامتية والسياسية الأمريكية، فعندما تستهدف فصائل عراقية منشآت أو طرق تصدير النفط داخل الأراضي السعودية، وقيام جماعة الحوثيين بتهديد طرق الملاحة في البحر الأحمر، فإن الآثار لا تبقى إيرانية عربية، بل أن لها آثارها على أمن الطاقة والملاحة وتهدد مصالح الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة الأمريكية، أي أن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للتحرك بسبب نشاط جماعة مسلحة ترتبط بالحرس الثوري الإيراني وتتلقى الدعم المباشر منه عسكريًا وماديًا، وهو ما يجعل هذه المليشيات ذات قيمة استراتيجية لإيران يمكنها توسيع مساحة ضغطها السياسي في أي متغيرات سياسية أو تحولات ميدانية، وعندما تتزامن الضغوط تصبح واشنطن أمام مسألة توزيع قواتها ومصادرها واهتماماتها السياسية والعسكرية بفعل الضغوط التي تخلقها تعدد الجبهات الإيرانية من وكلائها بالضغط على القدرات الأمريكية العسكرية، وهنا يصبح الوكلاء جزءًا من معادلة التفاوض، فشبكة الوكلاء الإيرانيين لا توسع النفوذ الإيراني، بل توسع مساحة الاحتكاك بالمصالح الأمريكية وحلفائها، فتحول الصراع من مواجهة ثنائية إلى شبكات جبهات متعددة.
وهذا ما يؤدي إلى زيادة الدور الأمني والسياسي للحرس الثوري ويكون له تأثير في تراجع قدرة الحكومة الإيرانية على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لأن أدواتها مرتبطة بتوفر العملة الصعبة، وهذا لا يتم إلا عبر تحقيق نتائج متقدمة في التفاوض مع واشنطن وهذا ما ترفصه وتعيق تنفيذه قيادات الحرس الثوري، وهو ما يمكن أن يدفع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لطلب تسوية سياسية والحصول على تخفيف للعقوبات وإطلاق جزء من الأموال الإيرانية المجمدة لمعالجة الأوضاع الداخلية، وهو ما يدفع الحرس الثوري لتشديد السيطرة على الموارد المالية والاستثمارات الاقتصادية واعتبار الأزمة حصارًا وجوديًا، في وقت تمتلك قيادات الحرس شبكات اقتصاد غير رسمية باعتبارها أكثر خبرة في التهريب والالتفاف على العقوبات الاقتصادية والقيود الأمريكية.
أن الإمكانية التنظيمية التي تمتلكها عناصر الحرس الثوري جعل اقطار الخليج العربي تعيش مرحلة من التوتر والاستهداف الأمني لم تشهدها منذ عقود من الزمن، تداخلت فيها آثار المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية مع كشف لخلايا سرية داخلية تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني، في صراع بدأ يدور على جبهات عديدة من المواجهة العسكرية إلى التفاوض المتعثر ثم عمليات القصف المباشر والمستمر من قبل وحدات الحرس الثوري مستهدفة منشآت اقتصادية ومواقع سكنية ومحطات للطاقة النفطية ومشاريع تنموية ليصل تأثيره نحو النسيج الداخلي الخليجي العربي عبر شبكات وخلايا مرتبطة بالحرس الثوري وحزب الله اللبناني، وتجاوزت الشبكات المرتبطة بإيران وأذرعها مجرد كونها أدوات تخريبية لتصبح وحدات استخباراتية وتوجيهية تنتقل من عمل الخلايا النائمة إلى تنفيذ عمليات مباشرة تهدف لتشتيت الجهد الدفاعي وإرباك المنظومة الأمنية والاقتصادية لاقطار مجلس التعاون الخليجي العربي.