هندسة القرار الأمني الخليجي بين المصالح الوطنية والشراكة الأمريكية (15).

هندسة القرار الأمني الخليجي بين المصالح الوطنية والشراكة الأمريكية (15).

افصحت الأحداث الجارية في منطقة الخليج العربي عن عديد من الظواهر والمعطيات الخاصة بإعادة ترتيب المنظومة الأمنية وإعداد الخطط والمناهج العلمية واستخدام التقنية والتكنولوجيا باعتماد أدوات الأمن السيبراني ووسائل الذكاء الاصطناعي للوصول لبيئة إيجابية أمنية متطورة برؤى حديثة قائمة على المتابعة الميدانية واستحضار جميع انواع الإجراءات الفاعلة وبناء أسس وركائز توحد الأعمال وتجمع الآراء ضمن أطار دائرة من الهندسة الأمنية الخليجية العربية الموحدة.
مهما بلغت القدرة الأمريكية على توجيه الضربات الصاروخية والجوية نحو الاهداف الاستراتيجية والمواقع العسكرية والأماكن الأمنية والمؤسسات الإقتصادية داخل الأراضي الإيرانية، فإنها لا تعيد وحدها تشكيل النظام الإقليمي ولكنها تفتح نافذة مهمة تعتمد في استثمارها على قدرة الفاعلين الإقليميين من اقطار عربية خليجية وإقليمية محيطة بالسواحل المائية والممرات البحرية في مضيق هرمز، على بناء ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية مستدامة.
تأتي الضربات الأمريكية لتعيد صياغة الأوضاع الميدانية في خلق فرص استراتيجية لكنها لا تتحقق بردع أمريكي منفرد ولكنها تستطيع إقامة بيئة أمنية جديدة تكون الأداة الفاعلة فيها هي الأقطار العربية الخليجية، وهنا تبرز أولويات تتقدم على اسلوب الردع العسكري في التعامل والتأثير على السلوك الإيراني تعتمد اسلوب تنقل الشراكات الأمنية الخليجية من التنسيق الظرفية الى منظومات دائمة أساسها التخطيط العلمي والانذار المبكر وإدارة الأزمات بصورة واقعية وايجابية، مع إعطاء أهمية لتكامل القوة الاقتصادية كونها تمثل أهم أدوات التأثير في الخيارات المستقبلية لإيران سواء بالتعاملات التجارية أو الاستثمارات المالية والمشاريع الاستراتيجية للربط الإقليمي، والابتعاد تدريجيًا عن الاعتماد الكامل على التدخل الخارجي بتعزيز الردع الذاتي، والأهم ميدانيًا بناء رؤية سياسية موحدة تجاه إيران توازن بين الانفتاح المشروط والردع القائم وتحديد ما هو مطلوب وما يفترض الإبتعاد عنه وتفعيل الدبلوماسية الإقليمية لابقاء الحوار قائمًا إذا أبدت إيران استعدادًا لتعديل سلوكها، كون البيئة الأمنية بحاجة لقنوات اتصال بقدر حاجتها لأدوات وأساليب للردع المقابل.
ويبرز السؤال الأهم هل تمتلك اقطار الخليج العربي مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا لتحويل آثار الضربات الأمريكية لنظام إقليمي أكثر استقرارًا؟ فإن كانت الإجابة إيجابية سنكون أمام بيئة أمنية تدفع إيران لتفصيل الدولة القادرة على الدولة القائمة على صراع دائم، أما إذا كانت البيئة غائبة فقد تتمكن إيران بعد فترة من التكيف من استعادة ادواتها التقليدية.
أن بناء مشروع خليجي أمني اقتصادي متكامل من شأنه أن يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، تعتمد على كفاءة الدولة والتنمية والاستقرار، وهذه الصياغة تجعل العلاقة ليست دائمة وحتمية ولكنها تجعل صانع القرار السياسي أمام خيار الاستمرار في إدارة الصراع مع تحمل كُلف أعلى أو التكيف مع البيئة الجديدة باعطاء وزن أكبر لكفاءة الدولة والاقتصاد.
أن التطور الحاصل في كيفية أعداد وتأهيل الخطوط الرئيسية لبناء المنظومة الأمنية بتحقيق شراكة موحدة لقدرات خليجية ذاتية وبشراكات دولية ومؤسسات إقليمية فاعلة، وهي العناصر المهمة التي تتجاوز توصيف الأحداث نحو إطار استراتيجي ميداني يسعى لتقديم قدرة من الاعداد والتأهيل والبناء.
الأهداف الأمريكية في الإقليم ستكون ضمن الآليات التي تدعم انشاء الهندسة الأمنية الخليجية ولكنها سوف لا تكون بعيدة عنها، فاستراتيجية الغايات الأمريكية تاريخيًا تقوم على مبدأ التمكين دون الانسحاب، أي تعزيز قدرات الحلفاء والشركاء الرئيسين ليكونوا أكثر قدرة على الدفاع عن أنفسهم مع بقاء واشنطن الضامن النهائي للتوازن الإقليمي، وهنا تكمن قدرة الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق أولوياتها باحتواء القدرات العسكرية الإيرانية بعدم القيام بحروب جديدة، بل إعادة هندسة البيئة الأمنية الخليجية بدمج شبكات الدفاع الجوي والصاروخي وتعزيز السيطرة والقيادة المشتركة وبناء القاعدة الرصينة لتعزيز الأمن البحري في الخليج العربي وبحر العرب، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية ستذهب باتجاه التحفظ على أي صيغة قد تؤدي إلى تشكيل كتلة أمنية خليجية مستقلة استراتيجيًا إذا رأت انها تقلص نفوذها أو تفتح الباب لترتيبات أمنية تقودها قوى دولية أخرى، مع احتفاظ الولايات المتحده الامريكيه بالتمسك في دعم تكامل أمني خليجي مرتبط بالقيادة والقدرات الأمريكية أو اتباع مسارات تعتمد القدرات الذاتية الخليجية بشراكات متعددة مع الولايات المتحدة وأوروبا دون الارتهان بجهة واحدة، أو اتجاه اقطار الخليج العربي لبناء مؤسساتها الأمنية ذاتيًا مع استمرارها بشراكة استراتيجية مع واشنطن.
ويمكن لنا العودة إلى بدايات تأسيس مجلس التعاون الخليجي العربي في كانون الأول 1981، الذي كان استجابة حتمية لاندلاع الحرب العراقية الإيرانية، فإن المواجهة الأمريكية الإيرانية تدفع باتجاه تحديد فكرة ميدانية قائمة على الشراكة والاعتماد على القدرات الذاتية مع الولايات المتحدة الأمريكية في حالة واحدة متأصلة، وهنا تكون العقيدة العسكرية الأمريكية ليست قائمة على احتواء إيران، بل تعمل على هندسة النظام الأمني لما بعد إيران، أي بناء بيئة تقوم فيها الحاجة للتدخل العسكري الامريكي المباشر مع بقاء النفوذ الأمريكي موجودًا في المؤسسات والهيئات الأمنية والشراكات الدفاعية.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتجية