اياد العناز
إيران أمام مواجهة خطيرة ونتائج كبيرة في خطواتها للتعامل مع آثار الحصار الاقتصادي والعقوبات التي اقرتها الإدارة الأمريكية وأعلنها الرئيس دونالد ترامب في 21 آب 2026، وأوضحت الخزانة الأمريكية تفاصيلها عبر حزمة عقوبات جديدة استهدفت أفرادًا على صلة بالحرس الثوري وحزب الله،
وتحدث وزير الخزانة سكوت بيسنت (إن العزلة الاقتصادية ضد إيران ستكون هي الأكبر في التاريخ متوعدا بأن تؤدي العقوبات إلى انهيار النظام الإيراني)
وشملت القائمة شبكات ومستشارين يسهلون الالتفاف المالي ونقل الأموال لصالح الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، واستهدفت السفن والشركات التي تساهم في تشغيل (أسطول الظل) المخصص لتهريب النفط الإيراني، كما توعدت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض عقوبات على أي دول أو أطراف خارجية ومنها (الصين) في حالة تواصلها بإجراء معاملات تجارية أو مالية مع إيران.
المواجهة الإيرانية اعتمدت ارسال عدة رسائل تضمنت خطوات ومسارات حذرت فيها من أن جميع مسارات الطاقة في الإقليم، سواء القريبة من الخليج العربي ومضيق هرمز أو امتدادها حيث مضيق باب المندب والبحر الأحمر وحتى سواحل البحر الأبيض المتوسط والتي تستخدم لنقل النفط والغاز إلى الدول الاوربية، ستكون في مرمى استهداف صواريخها البالستية وطائراتها المسيرة وتوجيه شركائها وحلفائها من المليشيات والفصائل المسلحة بالقيام بعمليات تعرضية تساهم في دعم النشاط والردع العسكري للقيادات العليا في الحرس الثوري الإيراني، وهو ما اكده نائب وزير الخارجية الإيراني ( غريب آبادي) في 19 آب 2026 أنه ( في ظروف الحرب ستفرض إيران سيادتها على مضيق هرمز، لكن في ظروف السلام ستكون الملاحة للجميع)، وهذا دليل على موقف إيران من اي اتفاق قادم وحتى أن وضعت آليات له في إدارة وتنظيم المرور داخل مضيق هرمز، فإنها ستبقى تحتفظ بالقدرة على سيطرتها والتحكم بمرور السفن والناقلات مع إبقاء حالة التأثير على مجمل الأوضاع المتعلقة بالتجارة الدولية والطاقة العالمية، وهو ما يضمن لها العودة لتعطيل الملاحة في الممرات المائية واستمرار تعاملها والاستفادة مما تحقق لها (الجغرافية السياسية)، وتمنحها سيطرة أوسع على حركة الملاحة داخل المضيق وهو ما لم يكن عليه واقع الحال قبل تاريخ بدأ الضربات الجوية الصاروخية الأمريكية الإسرائيلية في 28 شباط 2026.
ووصف بيان الخارجية الإيرانية حول العقوبات الأمريكية بأنها (إرهاب اقتصادي) معتبرة أنها تعكس عجز واشنطن عن تحقيق أهدافها، وهذا ما تعمل على مواجهته القيادات الأمنية والعسكرية الجديدة التي سبق لها وأن اعتمدت مبدأ الدفاع المتقدم بالتعاون مع الفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وقدراتها من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، إلا أنها الان أصبحت ترى في مضيق هرمز أنه أهم أدواتها في الردع المقابل لاجراءات الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات المستمرة والحصار البحري والاقتصادي وورقة ضغط لها على جميع الأصعدة.
تسعى إيران للتمسك برؤيتها في التعامل الإقليمي والدولي معها أنها (قوة إقليمية) مؤثرة لها القدرة على التحكم في أمن الطاقة العالمي وخطوط الإمدادات وهو ما تراه يعطيها أهمية بالغة في متغيرات وتوجهات النظام الدولي الجديد، والولايات المتحدة الأمريكية تدرك هذا التوجه الإيراني لهذا عملت على تسير دوريات بحرية عديدة واوقات مستمرة وتحقيق تفوق في مساحة التواجد البحري في مضيق هرمز والذي بدأت طهران تفقد بعض من خاصيها في التحرك بحرية فيه كما كانت في بداية الأزمة .
اعتماداً على ما نشرته شركة (كبلر) التي تعتبر إحدى أبرز الشركات العالمية المتخصصة في توفير بيانات تتبع السفن، وتحليلات التجارة العالمية، والذكاء البحري. تأسست في عام 2014، وتعتمد على شبكة ضخمة تضم أكثر من 13,000 مستقبل لنظام التعرف الآلي (AIS) لمراقبة حركة السفن لحظياً حول العالم، فإن أكثر من 80٪ من السفن العابرة لمضيق هرمز خلال الأسابيع الماضية قد سلكت المسار العُماني، وهو الممر الملاحي المعتمد من منظمة الأمم المتحدة والذي تعارض استخدامه إيران وتحاول القيام بالأعمال الاستفزازية والعدائية فيه، لأنها تفتقد عملية فرض قدرتها على استحصال الرسوم المالية عن عبور السفن كما كانت تفعل في بداية آذار 2026.
وجاء تأكيد (دان بيكر ينغ) المؤسس، والرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة (بيكر ينغ إنيرجي بارتنرز) حول الرفض الدولي والإقليمي التصرفات الإيرانية بالقول (أن مسألة مطالبة إيران بفرض رسوم عبور هي أمر لا ترغب معظم الأطراف في الشرق الأوسط القيام به ولم يسبق لهم فعله)، لهذا سيبقى المسار العُماني هو الخيار الأكثر حضورًا.
أهم نتائج المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، إن مضيق هرمز أصبح جزءًا مهمًا من معادلة أوسع من مسألة حرية الملاحة ودخل في حسابات المواجهة والردع والتفاوض والعقوبات الاقتصادية والبحرية وإعادة تشكيل سلاسل الإمدادات الإقليمية والدولية.
منحت إيران الجغرافية السياسية في مضيق هرمز القدرة على مواجهة الامكانيات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المتقدمة علميًا وتكنلوجيًا في سلاح القوة الجوية والبحرية والقدرات اللوجستية، وهو التعويض الذي يشكل حزءمن الاختلال في ميزان القوى بين جهات الصراع الثلاثي، ولكنها إذا ما استمرت في سياسة الإغلاق التام فإن هذه الفرصة قد تسبب لها عواقب استراتيجية في علاقتها الدولية والإقليمية، لأنها ستمنح الولايات المتحدة الإمكانية في تشكيل تحالف دولي ضد السياسة والسلوك الإيراني الخليج العربي لأنها بدأت تهدد بشكل كامل ومباشر مصالح الدول في تجارتها الاقتصادية وصولها المالية واستثماراتها النقدية ومشاريعها التنموية، وتعمل على البحث عن بدائل تكفيها عملية الحفاظ على مصالحها العليا.
تسعى طهران للوقوف بشكل تام أمام الولايات المتحدة الأمريكية ليست في موازاتها عسكريًا، بل بقدرتها على البقاء في حالة من الثبات والصمود وأنها أن تمكنت من إعادة اصلاح البنية التحتية المتضررة وإعادة توجيه حركة السلع والطاقة والحفاظ على قدر من الاتصال مع الأسواق الخارجية، فإن الضغوط العسكرية لن يجعلها تتحول لحالة من الانكسار والاستسلام السياسي، وحماية حالة الإمداد القادمة من بحر قزوين وأي خلل ومشكلة فيه فإنها تشكل ضربة لخطة البدائل التي انتهجتها إيران وتسعى لتطويرها، وأي محاولة أمريكية إسرائيلية لضرب البدائل الإيرانية، فإن الحرس الثوري لديه من الخطط الميدانية في تحريك شبكاته من الوكلاء في باب المندب لضرب المصالح الأمريكية، لأن الأزمة الاقتصادية الاجتماعية تتعاظم لدى أبناء الشعوب الإيرانية وتنذر بعواقب وخيمة في استعادة القدرة الشعبية على القيام بالتظاهرات والاحتجاجات، بعد أن شهدت عائدات النفط تراجعًا كبيرًا وانخفاضًا في الإيرادات العامة وصعوبة الوصول الى احتياطات النقد الأجنبي، مع استمرار العقوبات الأقتصادية وارتفاع نسب التضخم المالي والاشكاليات المستمرة في القطاع المصرفي.
وهنا أدركت إيران أنها لا تتمكن من إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول وإنما تستطيع أن تجعل بقاءه مفتوحًا جزءًا من معادلة أمنها ومصالحها الوطنية.
والحسابات الخاطئة هي التي تحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى ورطة استراتيجية تستنزف القوة والوقت والاقتصاد،وتدفع صاحب القرار في النهاية إلى البحث عن مخرج تفاوضي بعد أن تكون كلفة الحرب قد تجاوزت التقديرات الأولى.
المشكلة ليست في فتح مضيق هرمز، وإنما من سيديره بعد الاتفاق على فتحه أمام الملاحة البحرية، وهي النقطة التي ستحدد في النهاية إن كانت جولة المفاوضات العُمانية الإيرانية في مسقط ستنجح في إنتاج تسوية وسطية، لأن إيران لا تريد التضحية بالمضيق باعتباره القوة الداعمة لها، وواشنطن لا تقبل بهيمة إيرانية على المضيق..
من هنا يمكن أن يكون الحل المحتمل في حالة اتفاق الأطراف جميعًا هو ( إدارة الملاحة بصورة مشتركة ومنظمة تقنيًا) مع بقاء السيادة الساحلية ولكن من دون حق أي طرف في تعطيل المرور التجاري أو فرض رسوم ماليه عليه.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
