بعد ربع قرن من التأسيس.. تركيا مع العدالة والتنمية طموحها لا سقف له

بعد ربع قرن من التأسيس.. تركيا مع العدالة والتنمية طموحها لا سقف له

معمر فيصل خولي

في الرابع عشر من آب / اغسطس عام ٢٠٠١م، تأسس حزب العدالة والتنمية .. وها هو اليوم حينما يحتفل باليوبيل الفضي لا يحتفل لجهة التأسيس فقط وانما لميلاد نظام سياسي جديد في تركيا.

تعود جذور هذا الحزب إلى تيار «مللي غوروش» الإسلامي الذي أسسه، نجم الدين أربكان. في بداية سبعينيات القرن المنصرم حينما أسس حزب النظام الوطني، وتبنى الحزب سياسة مناهضة للرأسمالية والتوجهات الغربية. وشارك في عدد من الحكومات الائتلافية التي تأسست في تلك المدة التاريخية.

ومع الانقلاب العسكري الثالث بقيادة كنعان افرين في ايلول/ سبتمبر في عام 1980م، وهو أكثر الانقلابات العسكرية دموية في تركيا، تجمدت الحياة السياسية في تركيا من خلال اسقاط حكومة سبيمان ديميريل وتعليق العمل بالدستور وحل المجلس الوطني الكبير” مجلس النواب” وحل الأحزاب، واعتقال قادة الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية، وغيرها من التداعيات.

وفي عام 1983م، سمحت المؤسسة العسكرية التركية بعد تنصيب كنعان إفرين رئيسًا للجمهورية، عادت تركيا للحكم ” المدني” من خلال انتخابات نيابية، وعودة الأحزاب القديمة لكن تحت مسميات جديدة، ومن هذه الأحزاب حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان. وفي الانتخابات النيابية التي أجريت في عام 1996م، تمكن حزب الرفاه بالتعاون مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيلر من تشكيل حكومة ائتلافية وكانت الحكومة برئاسة نجم الدين أربكان، وهي المرة الأولى والأخيرة في تاريخ الحركة السياسية الإسلامية في تركيا.

 ونظرًا لتوجهات الحكومة التي اغضبت المؤسسة العسكرية التي كانت في ذلك الوقت، هي صاحبة الوصاية على النظام السياسي التركي والحامية لمبادىء الجمهورية الستة، ومنها العلمانية، وعدم خضوعه لمطالبها، اجبر أربكان – في الأخير-  على تقديم استقالته من الحكومة فبي 28 شباط/ فبراير عام 1997م، وحلها.ولم تكتف المؤسسة العسكرية بذلك، بل وجهت إحدى أذرعها في الدولة التركية وهي المحكمة الدستورية باصدار حكمًا في 16 كانون الثاني/ 1998، يقضي بحل حزب الرفاه ومنع 6 من قادته، بمن فيهم نجم الدين أربكان، من ممارسة السياسة لمدة 5 سنوات.

ولكن الحزب لم يستسلم لهذا الحكم عاد إلى الحياة الحزبية التركية تحت يافطة حزب الفضيلة. ليكون رابع الأحزاب التي تمثل تيار الرؤية الوطنية، وتولى رجائي قوطان رئاسة الحزب.وشهد المؤتمر العام لحزب الفضيلة في 14 مايو/أيار 2000 تنافسا بين جناحين داخل الحزب، أحدهما يعرف بـ”التقليدي” بقيادة رجائي قوطان، والآخر بـ”التجديدي” بقيادة عبد الله غل، حيث حصل كل منهما على دعم مؤيديه.

  ولم يكن مصير حزب الرفاه يختلف عن مصير حزب الفضيلة حيث أصدرت المحكمة الدستورية حكمًا  بحظر حزب الفضيلة  وحله في 22  حزيران/ يونيو 2001م، ولم يمض على ذلك الحل، سوى شهر واحد، حتى أسس بعض أنصار نجم الدين أربكان حزب السعادة، ليكون خامس الأحزاب ذو المرجعية الدينية والتي تمثل تيار الرؤية الوطنية.

بينما البعض الآخر، ذهبوا إلى تأسيس حزبًا آخر، وهو حزب العدالة والتنمية، بقيادة عبدالله غل ورجب طيب أردوغان في 14 اب/ اغسطس 2001م الذي فاز في الانتخابات النيابية المبكرة في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2002م.

كانت تركيا قبل مجيء هذا الحزب إلى الحكم في عام ٢٠٠٢م، عبارة عن سلسلة من الأزمات السياسية والدستورية والاقتصادية والأمنية التي لا تنتهي، علمانية متوحشة موجهة ضد المجتمع ، وقبضة فولاذية من قبل المؤسسة العسكرية على النظام السياسي، وتردي مستوى الخدمات العامة المقدمة من الحكومات المتعاقبة إلى المواطنين.
لكن بعد ذلك عام، تمكنت تركيا من خلال ذلك الحزب من كتابة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، مكنها في تحقيق العديد من الإنجازات على مختلف الصُعد الداخلية والخارجية. مع هذه الانجازات أصبحت تركيا تمتلك أوراق القوة الناعمة والخشنة. الأمر الذي جعلها في مصاف القوى الإقليمية

 بعد ربع قرن على تأسيس الحزب وممارسته مهام السلطات الدستورية، ومع التحديات والصعوبات والإخفاقات التي مر بها والانجازات التي حققها، فهو لم يعد حزبًا تقليديًا على خارطة الأحزاب السياسية في تركيا، بل أصبح جزءا من الحياة السياسية والاجتماعية التركية، ويتمتع بمكانة استثنائية في الحياة السياسية التركية

يمكن القول أن أفضل هدية استراتيجية قدمت لتركيا المعاصرة منذ نشأتها في عام 1923م، وحتى عام 2002م، وهو مجيء حزب العدالة والتنمية إلى حكم تركيا، الذي حقق لتركيا حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي كانت غابة عنها لعقود، كما حقق نقلة نوعية وخلاقة في المجال الخدمي والبنية التحتية، ومع حزب العدالة والتنمية دخلت تركيا وأصبحت عضوا في نادي مجموعة العشرين ” G 20″، ومعه أيضًا، أصبحت تركيا دولة منتجة لسلاحها التقليدي والنوعي، وأصبحت نشطة دبلوماسيًا، وتتمتع بمجال حيوي ومناطق نفوذ، هذه المعطيات منحت تركيا دورًا إقليميًا وحصنت قرارها السياسي.

واليوم، وبعد مرور ربع قرن على تجربة حزب العدالة والتنمية، تتسيد الحزب رؤيتان، الرؤية الأولى: الوصول إلى ” القوة المركبة” بحلول عام 2053م والتي تتكون من عشر عناصر تترابط مع بعضها البعض: التكنولوجيا، والصناعة، والطاقة، والدفاع، والخدمات اللوجستية، والموارد البشرية، والزراعة، والخدمات، وريادة الأعمال، والدبلوماسية النشطة.

 أما الرؤية الثانية هي رؤية عام 2071م، والتي تعد الرؤية الأولى هي المدخل الحقيقي للوصول إليها، يعني أن تركيا تمكنت من   مشروعها النهضوي الطويل الأمد، هذا المشروع أو الرؤية التي ترتبط مع الذكرى الألفية لمعركة ملاذ كرد التي انتصر فيها القائد السلجوقي ” ألب أرسلان” على البيزنطيين في عام 1071م، وهي محاولة من الحزب بربط ماضي القومية التركية بحاضرها ومستقبلها. خلاصة القول أن تركيا مع حزب العدالة والتنمية طموحها لا سقف له.

وحدة الدراسات التركية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية