دول شرق البحر المتوسط… القدرات الاستراتيجية وحدود المشاركة في دعم الأمن الخليجي (16).

دول شرق البحر المتوسط… القدرات الاستراتيجية وحدود المشاركة في دعم الأمن الخليجي (16).

تعتمد المواجهة الأمريكية الإيرانية في تاثيراتها الميدانية على العمق الاستراتيجي الذي بدأ يتأخذ ابعاده الحقيقية ومساراته الواقعية عبر عديد من الهجمات الحرية والصاروخية الأمريكية على مواقع وأماكن وقدرات عسكرية وأمنية إيرانية ومخازن العتاد الثقيل وللصواربخ البالستية والطائرات المسيرة ومنصات الدفاع الجوي وحصار بحري تام على السواحل الإيرانية والممرات المائية، والملامح الجديدة أنها اتسمت بانطلاق جزء من هذه العمليات العسكرية من أراضٍ لعواصم عربية خليجية تحمل دلالات ذات مهمة تتحاوز البعد العسكري، كونها تمس طبيعة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأقطار دول مجلس التعاون الخليجي العربي.
ويمكن ملاحظة هذا التطور النوعي العسكري من عدة زوايا مهمة تتعلق بهندسة المنظومة الأمنية الخليجية أهمها الانتقال من سياسة الدفاع عن القواعد والمنشآت العسكرية والمدنية والاقتصادية إلى سياسة الردع الجماعي، بمعنى أن أي استهداف إيراني للقوات الأمريكية أو البنى التحتية الخليجية، سيكون عبر رد متناسق مشترك يبتعد عن الرد الفردي والردع المحسوب ويسعى لتقليص القدرة الهجومية الإيرانية بالتصدي المباشر لها وليس مواجهتها باعتراض صواريخها وطائراتها المسيرة، وهذا ما يعني الإسراع في تطوير المناحي الأساسية للمنظومة الأمنية وجعلها أكثر تكاملاً وحضورًا ميدانيًا مؤثرًا وشمولية واسعة للتعامل الجاد مع منظومة الدفاع الجوي والصاروخي وتعزيز القدرات الاستخبارية العربية الخليجية والتنسيق المشترك وتبادل المعلومات ذات الأهمية القصوى وإعطاء القيادة والسيطرة المشاركة دورها الفاعل والميداني المستمر بالتنسيق مع الجانب الأمريكي كونه الضامن الرئيسي لكل العمليات الحربية.
التطور الحاصل في الأسلوب المتنامي لردع القوة الإيرانية يزيد من مستوى المخاطر والمواجهة والردع المقابل، فإيران قد تعتبر الأقطار التي قدمت دعمًا لوجستيًا جزءًا من مسرح المواجهة مما يزيد من استخدامها لأدواتها وفعالية شركائها من المليشيات والفصائل المسلحة للقيام بهجمات عسكرية أو استخدام الفاعليات السيبرانية وتهديد طرق الملاحة الدولية وصادرات الطاقة.
اتخذت وسائل المواجهة بين واشنطن وطهران مفاهيم ميدانية اعتمدت الانتقال من مفهوم الردع الدفاعي إلى الردع الوقائي المشترك وهي انعطافة بارزة في هندسة الأمن الخليجي للأيام القادمة، والتي ستغيير من طبيعة المعادلة الاستراتيجية وسنكون أمام نتيجتين محتملتين من جهة تعزيز الردع المشترك لقدرة الولايات المتحدة الأمريكية واقطار الخليج العربي على منع وإيقاف أي هجمات مستقبلية إذا رأت إيران أن التكلفة المادية للتصعيد أصبحت أعلى على جميع الأصعدة، وأخرى قد تدفع إلى توسيع نطاق الرد المقابل ضمن ساحات أخرى إذا احست إيران باتساع التحالف العسكري ضدها، وهو احتمال قائم ووارد في العقيدة الأمنية العسكرية ومشروعها السياسي الإقليمي، وإمكانية أن تشمل ساحات الردع القادم (العراق) باستهداف القوات الامريكية ومواقعها ومصالحها ونقل التهديد البحري إلى سواحل وممرات البحر الأحمر مع احتمالية القيام بعمليات قد تشمل دول شرق البحر الأبيض المتوسط، وتصعيد العمل العسكري عبر مضيق باب المندب في محاولة إيرانية لربط الصراع القائم في مضيق هرمز وجعله امتدادًا نحو خليج عدن وباب المندب مع وجود أهداف قادمة في زيادة التهديد عبر قناة السويس، وهذا ما حصل عبر رسالة واضحة للاصابات المباشرة التي احدثتها الطائرة المسيرة نحو دمياط، والردع الإيراني سيشمل فعاليات أمنية تستهدف المجال السيبراني والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للطاقة والاتصالات، وهو ما تراه طهران أقل كلفة وأكثر قابلية للاستخدام والمواجهة الميدانية.
التحالفات المشتركة بين الولايات المتحده الامريكيه واقطار مجلس التعاون الخليجي تتطلب انتقالًا وتحركًا موازيًا نحو إدارة جماعية للتصعيد، فأي تحالف لا يتحدد بتنسيق الضربات، بل يحتاج إلى آليات مشتركة لضبط حدود المواجهة ومنع انزلاقها إلى نزاع إقليمي واسع، وهنا تبرز نقطة مهمة أن القادم من الأحداث لا تعتمد على قدرة المنظومة الخليجية بتنفيذ الردع بل قدرتها أيضًا على التحكم في تحديد مديات التصعيد، فإذا تمكنت من الربط الإيجابي بين الردع والانضباط السياسي فقد تؤدي الى رؤية أمنية جديدة، وإذا انفك عرى الربط فقد تمتد المواجهات إلى ساحات وأماكن أخرى تمتلك فيها هامشًا أوسع للمناورة، ومن الممكن أن تكون دول شرق البحر الأبيض المتوسط هي الساحات القادمة التي تتداخل فيها اعتبارات سياسة وعسكرية دولية أكثر حضورًا، ولكن إيران ستلاحظ خطورة نقل مواجهتها واستخدامها للردع المباشر من منطقة الخليج العربي والعراق إلى دول شرق البحر المتوسط بسبب وجود قوى دولية وإقليمية فاعلة فيها مما يزيد من مخاطر سوء التقدير واتساع نطاق النزاع والتصعيد العسكري والأمني ويوسع من دائرة الأطراف المشاركة في المواجهة الأمريكية الإيرانية وزيادة الاحتكاك مع قوى أخرى ، ولكنها ستكون ورقة قادمة قابلة للاستخدام إذا ما تطورت المواجهة لمرحلة أكثر شمولية واكبر تكلفة.
منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ليست مجرد دائرة لعمليات عسكرية مستقلة، بل هي فضاء ترتبط فيه مصالح عدد من الدول بعلاقات أمنية واقتصادية واستراتيجية وثيقة مع الخليج العربي، فأي تحول في هذه المنطقة سيكون له دلالاته وانعكاساته على الأمن الخليجي عبر الممرات البحرية وطرق الملاحة وأمن الطاقة والشراكات الدفاعية، وستكون عواقبه تجاه العلاقات الاستراتيجية التي بنتها اقطار الخليج العربي خلال السنوات الماضية، وهنا تمتد أهمية هندسة منظومة الأمن الخليجي من حماية الحدود الجغرافية إلى حماية دوائر النفوذ والشراكات وخطوط الإمدادات الاستراتيجية.
تعدد واجهات الدعم والعمل الميداني لدول شرق البحر الأبيض المتوسط لتشمل الدعم السياسي والدبلوماسي وتنسيق المواقف في المحافل الدولية وتبادل الرسائل السياسية ودعم المبادرات لاحتواء التصعيد في الاقليم وتنشيط الدعم الاستخباري والأمني بتبادل المعلومات والانذار المبكر والتنسيق في مجال الأمن البحري والجوي مع إعطاء الدعم اللوجستي أهميته في تسهيل حركة القوات وطرق الإمدادات باستخدام الموانئ والمجالات الجوية وفق الاتفاقيات الدولية والثنائية وتعزيز الدعم العسكري الذي سيكون المستوى الأكثر تأثيرًا لارتباطه بقرارات سيادية وملامح لطبيعة التصعيد الميداني والالتزامات الدولية لكل دولة.
تتجه الأهداف الرئيسية للربط الإيجابي حول إيجاد توافق في الرؤى الأمنية بين اقطار الخليج العربي ودول شرق البحر الأبيض المتوسط للوصول لقناعة مشتركة بأن أمن الخليج وشرق المتوسط يشكلان فضاءً استراتيجيًا مترابطًا وبموجبها ستشهد المنطقة انتقالًا من التعاون عبر شركات ثنائية إلى شبكة إقليمية مشتركة.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة