اياد العناز
مرة أخرى تحاول الدوائر السياسية والأستخبارية الإيرانية فرض إرادتها ورؤيتها الأمنية في معالجة الأزمات التي تمر بها الدولة الإيرانية، عبر اختيار محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي والذي يمثل إشارة واضحة ورسالة ضمنية لحضور واسع للخبرة العسكرية الأمنية في صناعة القرار في وقت يعيش ابناء الشعوب الإيرانية أزمات اقتصادية واجتماعية متزايدة، وهناك مسار سياسي تفاوضي يُقاد في العاصمة العُمانية (مسقط) يرتبط مباشرة بأمن مضيق هرمز ومحاولة تخفيف الضغوط الاقتصادية عن إيران والعمل على وضع آلية ميدانية قانونية السماح لمرور السفن وفتح المضيق.
يمثل القرار الذي اتخذه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بتعيين قيادات أمنية وعسكرية إعادة لهندسة الوضع الأمني في إيران وفق تحولات ميدانية تطال البنية الأساسية لهيكلية النظام الحاكم ورسم ملامح الخطط والبرامج العسكرية في الاستعداد لمواجهة طويلة مع الولايات المتحدة الأمريكية كما ترغب قيادات الحرس الثوري الإيراني التي تحظى باهتمام ورعاية مباشرة من المرشد مجتبى، في ربط محكم لإدارة البلاد نحو أهداف وغايات تجعل علاقة المؤسسة العسكرية بالحكومة أكثر تحكمًا وهيمنة على اقتصاد السوق وفق التطورات القائمة باستمرار العقوبات الأميركية والحصار البحري وانتظار نتائج المسار السياسي التفاوضي مع سلطنة عُمان وما ستفضي إليه الوساطة القطرية الباكستانية من محددات للعودة لمذكرة التفاهم المشتركة وتمديدها ل(60) يومًا بغية تعزيز التفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي.
وهنا هل يقرأ التغيير في القيادات على أنه حالة مؤقتة تتماشى مع الأزمة القائمة بين واشنطن وطهران ،أم أنها انتقال إلى هيمنة مفهوم الدولة الأمنية وجعلها أكثر رسوخًا في توجهات النظام الإيراني؟
أن وضع معادلة منصفة ترتبط بين (الأمن والتفاوض والاقتصاد) يعتبر الاختيار الأنسب والمدخل الأعمق لفهم المرحلة الإيرانية الحالية وليس مجرد جمع ثلاث ملفات رئيسية مهمة.
ان تعيين محسن رضائي في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي يمنح الخبرة العسكرية وزنها المؤثر الذي تسعى إليها الدوائر الأمنية والذي يأتي في وقت يستمر الضغط الاقتصادي بحالة تصاعدية وقرارات أمريكية مستمرة وقادمة مما يشكل حالة من الخلل في صادرات النفط وحركة الملاحة، في وقت وصلت المحادثات الإيرانية – العُمانية لمرحلة متقدمة مع بقاء مشكلة قائمة حول إعادة فتح مضيق هرمز والضمانات والقيود الاقتصادية التي تمثل نهج وقلب النزاع في المنطقة.
تحاول إيران تحويل القوة الأمنية لمكاسب سياسية واقتصادية عبر إطالة أمد المفاوضات وتحديد سقف زمني لها ولكنها تقف أمام حالة تفرضها الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الإيراني وبدأت تلقي بظلالها على طبيعة الأوضاع العامة ومنها الأمنية التي يقع على على عاتقها تحديد مفهوم القوة التي ترغب فيها أو تسعى إليها.
ان استمرار الضغط القائم في مضيق هرمز لا يشمل واشنطن واقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، بل يسبب ضغطًا سياسيًا واقتصاديـًا على إيران أيضًا، فحركة العبور انخفضت بصورة كبيرة وواشنطن أعلنت استعدادها لأدامة الحصار البحري والضغط الاقتصادي، بينما لا زالت طهران تصر على ربط إعادة فتح المضيق بتنازلات أمريكية.
تتداخل الدوائر الثلاث ( الأمنية والسياسية والاقتصادية) في طبيعة المشهد العام في إيران، فالدائرة الأمنية تهتم بإعادة تشكيل مركز الأمني والعسكري ودعم الدور الميداني للحرس الثوري في مرحلة أولية للانتقال لمسار الدولة الأمنية وتشكيلاتها، في حين تعمل الدائرة الاقتصادية على إيجاد الحلول المناسبة لمواجهة الآثار التي خلفتها ولا تزال العقوبات الاقتصادية والحصار البحري واعتماد فرضية أن الاقتصاد أصبح عاملًا مهمًا في تحديد خيارات المؤسسة العسكرية بعد أن كان الأمن هو الذي يفرض أولوياته على الاقتصاد، وتعتبر الدائرة السياسية من أهم الأدوات التي قد تستخدمها إيران في إبداء القدرة الأمنية على تعطيل عملية فتح مضيق هرمز لتحسين شروط التفاوض، بعد أن أيقنت أن التفاوض أصبح ضرورة اقتصادية تحد من قدرتها على الاستمرار في التصعيد.
إيران تريد إعادة صيغة ترتيب العلاقة بين القوة والأمن والاقتصاد لتعريف قدرة المنظومة الأمنية في صناعة القرار الإيراني ومدى قدرتها على المحافظة على قوتها العسكرية دون انهيار الأساس الاقتصادي الذي يمولها وأن تدخل التفاوض من موقع قوة دون أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى عامل يفرض عليها التنازل.
أولوية إيران المرحلية هي ( الأمن أولًا ثم التفاوض ثم الاقتصاد كنتيجة محتملة للتفاوض)، وهذا ما يتناسق مع التغيير الأخير في مسؤولية المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي أتى في مرحلة مهمة من مفاوضات الاتفاق حول مسار العمل في فتح مضيق والاليات المعتمدة فيه، وهو ما يعني أن إيران تريد أن يبقى القرار التفاوضي محكومًا بالحساب الأمني والعسكري.
أن من أولى مهام القيادة الأمنية العسكرية الإيرانية الجديدة، هي تأمين الأمن الداخلي وتهيئة جميع مستلزمات الإحاطة به وأحكام السيطرة عليه ضمن محاولاتها في إعادة ترتيب المنظومة الأمنية، بمنع انتقال آثار الحرب والضغط الاقتصادي إلى أزمة سياسية اجتماعية، بحيث تصبح المؤسسة الأمنية هي الضامن الأساسي لاستمرار بقاء الدولة الإيرانية ودورها، في الحفاظ على حساباتها في إدارة المواجهة الخارجية، واعتماد التفاوض حالة ( أمنية اقتصادية) وهنا تبرز أهمية المفاوضات القائمة في مسقط مع الجهود السياسية القطرية، والتي بدأت تتعارض نتائجها مع موقف القيادات العسكرية في الحرس الثوري التي تؤكد دائمًا أن (إعادة فتح هرمز لا تتوقف على المفاوضات مع عُمان وحدها، بل على استجابة واشنطن للشروط الإيرانية) ، وهذا ما يضعف الدور السياسي الذي تطمح آلية مسقط والدوحة في العودة لطاولة المفاوضات والتفاهم المشترك.
أما ما تطمح إليه إيران فهو تحقيق مكاسب اقتصادية وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عبر خفض عمليات التصعيد باستعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز وتخفيف الخسائر المالية المتعلقة بمرور النفط وتصديره والذي سيحقق لإيران تدفق العملة الأجنبية لها وتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تجاه حكومتها ومنح الدولة الأمنية مساحة أوسع لإعادة ترتيب الوضع الداخلي.
إيران لا تتفاوض لأنها اختارت الاقتصاد بديلاً عن الأمن، بل أنها تفاوض لكي تمنح منظومتها الأمنية الوقت والموارد لإعادة بناء الداخل، وهذا ما يجعل التفاوض حول المضيق غاية في الاهتمام، لأن استمرار انخفاض حركة السفن يضغط على إيران والعالم سوية، في حين تربط إيران إعادة فتح المضيق برفع العقوبات وإنهاء الضغوط الأمريكية.
الهدف الإيراني المركزي تحقيق حزمة من المكاسب في رفع العقوبات أو تخفيفها بصورة تدريجية والإفراج عن جزء من الأموال المجمدة وضمان عدم العودة للمواجهة العسكرية واستهداف النظام والدعوة لاسقاطه، إضافة للحصول على موقع في إدارة أمن وملاحة مضيق هرمز بحيث لا تتحول عملية إعادة فتح المضيق إلى إخراج إيران من المعادلة البحرية وعدم خسارتها لأهم ورقة ضغط بعد أن أصبحت أهم أدواتها في الحوارات والمفاوضات، وأما الولايات المتحدة فموقفها يتمثل في فتح كامل للمضيق وطرق الملاحة فيه دون أي شروط سياسية إيرانية وعدم تحول طهران لجنة تمنح الموافقة في المرور بفرض رسوم على مرور السفن والناقلات البحرية.
وهذا ما يجعل صعوبة مفاوضات مسقط في معالجة المشكلة الاقتصادية الإيرانية لكنها قد تتمكن من معالجة الملاحة وإدارتها، وهذا ما اراد توضيحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحه عن العقوبات القاسية أكثر أهمية، لأنه يستهدف الجزء الذي لاتمتلك مسقط وحدها حله، مع استمرار انخفاض حركة مرور السفن في المضيق فإنه يزيد الضغط على إيران نفسها.
أن القيادة العُمانية بدأت تشعر بأن وسائل وساطتها بدأت تضيق بعد التصريحات الأمريكية بالتوسع القاسي للعقوبات، ومسقط لا ترغب بأن تكون أداة لنقل التحذيرات الأمريكية لإيران، بل ترغب بالوصول لترتيبات قابلة للتنفيذ، بعد أن تم التوصل لمراحل متقدمة في وضع آليات خاصة بالملاحة البحرية في المضيق وإعادة فتحه وتحقيق مسارات إيجابية لتخفيف العقوبات وإيجاد الضمانات الإقليمية والعربية في إعادة الثقة بين واشنطن وطهران في عدم العودة لأي مواجهة وضربات عسكرية أخرى.
الضغط الأمريكي يتحدد بايصال رسائل لطبيعة المفاوضات الجارية في مسقط، بأن الوساطة لاتعني إطالة المفاوضات ولكن ضرورة الإسراع في إيجاد نتائج إيجابية وهذا ما يجعل إيران أمام حالة من الضغط السياسي والحصار الاقتصادي، وعليها تحديد أولوياتها في جعل المفاوضات لا تنخصر في فتح مضيق هرمز وإنما في تحقيق معادلة الأمن الإيراني مقابل تخفيف الضغط الاقتصادي.
ان تعزيز عملية التفاوض بالوصول لحلول إيجابية يوصل لنتائج إيجابية تحدد خطوات رئيسية في ضبط الوضع الأمن الداخلي الإيراني ووقف التصعيد الإيراني وضمان الملاحة وتخفيف العقوبات، ليصبح الاقتصاد ذات أهمية كبيرة ونتيجة حتمية لنجاح المفاوضات، وتعزيز الدور البراغماتي للقيادات الأمنية العسكرية الجديدة التي إن اقتنعت بأن الأولوية هي تثبيت الأوضاع الداخلية وتأمين الحماية للنظام، فقد يكون لها الاستعداد لتقديم تنازلات تكتيكية خارجية في مسقط، ليس لأنها تراجعت عن رؤيتها الاستراتيجية، وإنما لأنها تريد شراء الوقت لإعادة تنظيم البيت الأمني والاقتصادي.
إيران ستقرأ العقوبات الاقتصادية الجديدة أنها اختباراً لقدرتها على الاستمرار في إدارة الداخل الإيراني أمنيًا، والتي من مهامها الرئيسية وضع الأمن الداخلي أولوية في نهجها القيادي وسلوكها الميداني، ومن بعده اعتماد التفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي طريقًا لتخفيف الضغوط الاقتصادية ومسارًا لرفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإيراني.
