(من تداعيات أزمة شباط 2026 إلى هندسة الأمن الإقليمي: اتفاق مكة نموذجاً. (19).

(من تداعيات أزمة شباط 2026 إلى هندسة الأمن الإقليمي: اتفاق مكة نموذجاً. (19).

بتاريخ 7 آب 2026 تم الاتفاق بين المملكة العربية السعودية وتركيا والباكستان على توقيع ( اتفاقية مكة) التي أسست في أهم بنودها لدفاع مشترك بين هذه البلدان، تتضمن الاتفاقيات فقرات مهمة تؤسس لعملية تطوير القدرات العسكرية المشتركة وتعزيز الردع الاستراتيجي والتركيز والتدريب وتبادل الخبرات والصناعات الدفاعية وتعتبر ( أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الجميع ) مع الإبقاء على الشراكات والالتزامات الدفاعية الأخرى لكل دولة.
شكل توقيع الاتفاقية عملية لمساعي حثيثة وحوارات مستمرة لعدة سنوات سعت لإيجاد أرضية من العمل المشترك والجهد الفعال والرؤية الاستراتيجية في مواجهة التحديات الأمنية والتهديدات العسكرية وتعزيز التعاون الدفاعي بما يعطي أهمية مشتركة تعزز المصالح العليا لكل من ( الرياض وأنقرة وإسلام آباد) .
أهمية الاتفاق أنه يأتي في مرحلة مهمة يشهد فيه الإقليم تزايد في المخاطر والنزاعات والصراعات التي تهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين، وتحديد أدوات ووسائل الردع المشترك باعتبارها جزءًا مهمًا من المنطلقات الرئيسية لتعزيز حالة الاستقرار والسلم الأمني الإقليمي والدولي.
تمتلك الدول الموقعة من الامكانيات ما تجعل الاتفاق أكثر حضورًا وتأثيرًا في عملية التنظيم والاعداد له، فالرياض تسعى لتوطين الصناعات العسكرية في حين تمتلك أنقرة الخبرة الكافية والاستعداد التام لتطوير القدرات الصناعية الدفاعية ولأسلام آباد قدرتها الفائقة وخبرتها الميدانية العسكرية التشغيلية الواسعة.
هناك مزايا عديدة نقاط رئيسية جعلت أكثر من 360 مليون مواطن ضمن اتفاق واحد أصبح مظلة مهمة أساسية لهم تمتد من الرياض الى أنقرة إلى إسلام آباد، واقتصاد مشترك يبلغ أكثر من (2،5) تريليون دولار تشكل أكبر دوائر الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وقوة صناعية عابرة للقارتين آسيا وأوروبا وسوق واسعة تعتبر من أكثر أسواق آسيا حيوية ونشاطًا وحركة دائمة مع تنمية شاملة مستديمة على جميع الأصعدة.
تعزز الاتفاقية الأهداف الاستراتيجية للبلدان الثلاث الخاصة بالردع المشترك والتنسيق لبناء منظومة ردع دفاعية قوية تتصدى لأي أعمال عدائية تستهدف سلامة أراضي الدول الأعضاء أو مكتسباتها الوطنية، وتسعى لتطوير التكامل العسكري بتوسيع قدرات الجيوش الثلاث وتبادل الخبرات والمهارات في التدريب العسكري المشترك وتوطين الدفاعات وحماية الممرات البحرية وأمن الطاقة وتأمين خطوط الملاحة الحيوية وممرات التجارة البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
يعتبر (اتفاق مكة) خطوة مهمة في العلاقات السياسية بين الدول وركيزة أساسية في تعزيز الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية باعتبارها مركز الثقل الخليجي العربي وأنها لا تدخل طرفًا في الاتفاق يبحث عن حماية أمنية وعسكرية، بل باعتبارها قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية محورية تستطيع تجميع قدراتها للوصول لمفهوم أكثر مساحة للأمن الإقليمي، وباكستان لها بصمتها في رسم ملامح البعد العسكري وحالة الردع بامتلاكها جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية وأن علاقتها وتعاونها العسكري ليس بجديد وإنما هو امتداد للاتفاق الثنائي بينهما الذي وقع في أيلول 2025، أما تركيا فلها اضافتها النوعية التي تختلف تمامًا باعتبارها عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وقدرات جوية ومسيرات وصواريخ وقواعد إلكترونية دفاعية مع تمتعها بموقع جغرافي استراتيجي، وبهذا تكتمل المعادلة التي تجمع بين الثقل الاقتصادي والجغرافي الخليجي السعودي والجانب العلمي التكنولوجي للصناعة الدفاعية العسكرية والعمق الاستراتيجي التركي مع القوة العسكرية والردع الاستراتيجي الباكستاني.
ونرى أن الاتفاق لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الولايات المتحدة الأمريكية وادامة التحالفات معها، بل سيكون له حضوره الفاعل في زيادة قدرة الحلفاء الإقليميين على الدفاع عن أنفسهم بزيادة قيمة الشراكة الأمريكية كونها تمثل الشريك الاستراتيجي للدول الثلاث، وليس من موقع الضامن الوحيد للمنظومة الأمنية، وهذا ما ينسجم وما سبق وأن طرحناه حول (الاستقلال الاستراتيجي) بأنه القدرة على اتخاذ القرار الأمني وامتلاك أدوات تنفيذه مع استمرار الشراكة الأمريكية.
يمتلك ( اتفاق مكة) بُعدًا رمزيًا وسياسياً باختيار (مكة المكرمة) مكانًا لإعلانه، الاختبار ليس تفصيلاً بروتوكوليًا وإنما هو إعلان يعبر عن تحالف دفاعي بين ثلاث دول بأنها تمتلك التعبير الحقيقي عن قدرة الدول الإسلامية على بناء ترتيبات أمنية إقليمية ومنظومة من العمل التكاملي المشترك.
ويبرز سؤال مهم يتعلق بالدور الريادي السعودي في إمكانية تحويل (اتفاق مكة) من إطار دفاعي ثلاثي إلى نواة لشبكة أمنية إقليمية أوسع يكون مجلس التعاون الخليجي العربي مركزها وتركيا وباكستان وغيرها من الدول دوائر دعم استراتيجي لها، ومن هنا تبدأ عملية هندسة المنظومة الأمنية الخليجية العربية باعتبارها إعادة لتوزيع مصادر القوة والردع في المنطقة، خاصة إذا ما تم تحويلها لقيادة مشتركة وتبادل للمعلومات الاستخبارية وتحقيق دفاع جوي وصاروخي متكامل وأمن بحري فعال وتعزيزه بصناعات دفاعية مشتركة، وبهذه الأدوات ستكون واحدة من أهم التحولات في بنية الأمن الإقليمي خلال الأعوام الأخيرة.
إمكانية تحول الاتفاق من تفاهم ثلاثي إلى واقع إقليمي يخدم المشروع الأمني الخليجي ويمكن أن تتبناه الرياض عبر ثلاث نقاط ومسارات متوازنة، أولها المسار السياسي بتحويل الاتفاق لمظلة تشاور إقليمي تمنح دول الخليج العربي قدرة أكبر على تنسيق المواقف مع القوى الإقليمية بدلًا من قيام كل دولة بالتفاوض لوحدها، والمسار الثاني الأمني والعسكري الذي ينتقل تدريجياً من الاتفاق السياسي إلى منظومة عملية لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتأمين مستلزمات الدفاع الصاروخي والجوي وحماية طرق الملاحة والممرات المائية والتنسيق في مواجهة تهديدات الفصائل والمليشيات المسلحة، ويبقى المسار الثالث الاقتصادي أحد أهم نقاط المشروع التعاوني الدفاعي بإمكانية تحويله إلى شراكة صناعية وتقنية عسكرية متقدمة وتعزيز الأمن السيبراني وبناء تنمية اقتصادية واسعة باستثمارات مشتركة لتطوير البنى التحتية في كافة المجالات، سنكون أمام قدرة وإمكانية تجمع بين القوة الاقتصادية التي تدعم القدرة الأمنية التي تحمي البيئة الاقتصادية والاستثمارية.
الاتفاق أعطى المنظومة الأمنية الإقليمية مساحة من الردع والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وعزز مفهوم ( الاستقلال الاستراتيجي) الذي لا يعني الانفصال عن الحليف الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما امتلاك مجلس التعاون الخليجي خيارات أمنية متعددة بحيث لا يصبح أمنه مرهونًا بمصدر قوة واحدة، وأن الرياض تستطيع أن تجعل من الاتفاق نموذجاً للقوة الخليجية الفاعلة، التي لا تعتمد على شراء السلاح بل تجمع بين الدبلوماسية السياسية والردع المماثل وتمتين الصناعات الدفاعية العسكرية وتوسيع دائرة التعاملات والاستثمارات المالية المشتركة وتوفير الحماية للمرات البحرية ولأمن الطاقة العالمية والتجارة الدولية، واذا ما تحققت هذه الأهداف سنكون أمام بداية لهندسة جديدة للأمن الخليجي العربي وليس مجرد إعلان اتفاق لدفاع ثلاثي، تكون خطوته الأولى إغلاق جميع ملفات الخلافات داخل مجلس التعاون وإنشاء آليات تمنع عودة الخلافات للتأثير في القرار الأمني الذي يحتاج لقرار سياسي موحد وتقدير موحد للتهديدات واستجابة موحدة للمواجهة بوجود قدرة ردع مشتركة، وهي المنطلقات التي بُني عليها البيان التأسيسي لمجلس التعاون الخليجي في كانون الأول 1981.
أن ( اتفاق مكة) رسالة موجهة لجميع أطراف الصراع الإقليمي بأن اقطار الخليج العربي ليس مجرد ساحة تتلقى تداعيات ونتائج النزاعات والصراعات القائمة وإنما هي أطراف رئيسية لها مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية ويجب اخذها في الحسبان، وإذا ما تمكنت المملكة العربية السعودية بامكانياتها وحضورها الخليجي العربي من تحقيق وحدة سياسية خليجية وبناء قدرة ردع عسكرية وعلاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، فإن (اتفاق مكة) سيصبح هدف استراتيجي لمشروع خليجي كبير وليس اتفاق بين ثلاث دول وستكون له رسالة سياسية مهمة أن أمن الخليج العربي له قيادات فاعلة قادرة صياغة أمنهم الوطني والقومي دون انتظار ما ستؤول إليه نتائج أي صراعات جانبية لاطراف أخرى.
النص الرئيسي الذي احتواها الاتفاق الثلاثي على اعتبار الهجوم على أي دولة من الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، هو إحدى النتائج غير المباشرة للمواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية التي انطلقت في 28 شباط 2026، والذي جاء في سياق أحداث إقليمية تصاعدية وتوترات متوالية، والتي جعلت التعامل مع التهديدات باعتبارها أحداثاً غير منفصلة عن بعضها، فتهديد طرق الملاحة ليس منفصلة عن أمن الطاقة والاستقرار السياسي للمنطقة والذي بدوره ليس منفصلًا عن القدرة العسكرية التي تحتاج إلى قرار سياسي خليجي موحد.
ونرى أن الرياض أمام فرصة تاريخية، أن تجعل من اتفاق مكة إحدى اللبنات التي خرجت من أزمة شباط ، ولكنها لا تنتهي بانتهاء الأزمة فتربطه بإعادة بناء التوافق الخليجية ثم بالقدرات الدفاعية المشتركة وبالشراكات الإقليمية وبعدها الاقتصاد والأمن البحري والطاقة.
وعندها يمكن بالفعل القول أن المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي انطلقت نهاية شباط 2026 ورغم كلفتها العالية، أنتجت تحولًا إيجابيًا في الوعي الأمني الخليجي وأصبح اتفاق مكة أحد أبرز التعبيرات المؤسسية عن هذا التحول.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط والبحوث والدراسات الاستراتيجة