اياد العناز
أتت العقوبات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة لتعطي مساحة أوسع وبتأثير أكبر في مواجهة النظام الإيراني والضغط عليه سياسيًا واقتصاديًا للعودة للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي واقراره بضرورة احترام القانون الدولي وحرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع أي محاولات عديدة للتوسع في مواجهة خطوط وامدادات الطاقة الدولية والتجارة العالمية.
جاء تصريح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في 23 آب 2026 خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الأمريكية (واشنطن) بأن الهدف من العقوبات هو (قطع كل شريان اقتصادي يبقي النظام الإيراني، وهو أيضًا قطع كل شريان اقتصادي يدعم هذا النظام المستبد حتى تصبح طهران وحيدة).
تستهدف العقوبات الواسعة قطاعات الذهب والتكنولوجيا والطيران والشحن البحري والأصول الرقمية، ومحاصرة قنوات تهريب النفط وشبكات الوسطاء الماليين، ومنها الضغط على المشترين والوسطاء في الخارج لوقف التدفقات التجارية نحو إيران.
توعد بيسنت بأن أي جهة أو دولة تساعد طهران في عمليات غسل الأموال أو الالتفاف على القيود (ستُستبعد بشكل دائم من نظام الدولار الأمريكي)، وأن (لا أحد بمنأى عن نطاق العقوبات الأمريكية) محذرًا الدول والجهات التي تواصل علاقاتها التجارية والمالية مع إيران بالقول (إما التعاون مع طهران، أو الحفاظ على وصولها إلى الولايات المتحدة والنظام المالي العالمي).
العقوبات والقيود الاقتصادية لا تواجه نظامًا سياسيًا قائمًا فقط، بل تعمل على توسيع الضغط الاقتصادي في مواجهة منظومة أمنية وعسكرية جديدة بعد التغييرات التي اقرها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي في قيادات الحرس الثوري والباسيج الإيراني، والتي أظهرت عملية ظهور صعود قيادات أكثر التصاقًا بالمؤسسة الأمنية والحرس وأصبح مركز الثقل السياسي أكثر تركيزاً في اعتماد أي قرار تصدره القيادات الأمنية.
تعتمد الشخوص التي احتوت قائمة التغيير وإهمها اناطة مسؤولية أمانة مجلس الأمن القومي الإيراني بالجنرال محسن رضائي الذي كان أحد المسؤولين الاوائل الذين ساهموا في تأسيس قيادة الحرس الثوري في ثمانينات القرن الماضي، على قدرتها وخبرتها الميدانية في إدارة المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن العقوبات الاقتصادية الأخيرة تضعها في دائرة الاختبار الأكثر تأثيرًا وحضورًا في المشهد العام الإيراني، كونها أمام منظومة اقتصادية منهكة وضعف في تأمين الموارد المالية وإجراءات أمنية صارمة ضد أي محاولات للاحتجاج الشعبي والظاهر السلمي واعتماد وسائل وأدوات سليمة للحفاظ على تماسك النظام ومنع أي حالة من الانقسام والتردي في أروقته وهياكله التنفيذية، وهذا يتطلب موازنة وترابط حيوي بين الكفاءة العسكرية والتوافق العلمي السياسي والاقتصادي.
تحتاج القيادات الحالية إلى إثبات قدرتها على حماية الدولة وليس السلطة ومواقعها ومؤسساتها وأدواتها ، وستكون امام مهمة عمل كبيرة في مواجهة تصاعد نسب التضخم المالي مع تأثير العقوبات الاقتصادية وتراجع في تقديم الخدمات وتأمين الحالة المعيشية للمواطنين، فهي ستتحمل المسؤولية الكاملة في وقت تشهد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية حالة من التردد والسوء الداخلي.
ومن الممكن ظهور عدة اتجاهات داخل الدولة الأمنية في كيفية مواجهة جميع هذه الوقائع والأحداث داخل المجتمع الإيراني، فهناك من سيدفع باتجاه المزيد من الإجراءات الأمن والوسائل الاستخبارية في تأمين الحالة الأمنية الداخلية ومواجهة أي عمليات تصاعدية للرفض الشعبي والتمرد القومي، في حين سيذهب رأي ميداني يرى ضرورة حماية الدولة وتوفير الخدمات وتحسين الأصوات المعيشية والاقتصادية ووقف أي حالة من التصادم مع أبناء الشعوب الإيرانية تجنبًا لأي انفجار للأمن الداخلي، وقد يذهب اتجاه آخر براغماتي يعمل على تحقيق تسوية سياسية خارجية تحفظ ما تبقى لإيران من موارد اقتصادية ومالية وتساهم في الحفاظ على النظام إقليميًا ودوليـًا.
كلما اشتدت العقوبات، زادت الحاجة إلى الأمن، وكلما زادت كلفة الأمن تعرضت القيادات الجديدة لضغط اقتصادي وسياسي أكبر، وإذا فشلت في إدارة هذا التوازن،ة انتقل الصراع إلى داخل القيادة الأمنية نفسها.
لهذا أعتقد أن أثر العقوبات على القيادات الأمنية الجديدة سيكون أهم من أثرها على الاقتصاد وحده، لأنها ستُضع أمام مسؤولية مزدوجة هي حماية النظام وفي الوقت نفسه منع انهيار الدولة التي يقوم عليها هذا النظام.
وعندها ستكون القيادات الأمنية التي استحكمت سيطرتها على سياسة النظام وقراراته أمام معادلة تتضمن الحفاظ على السلطة وتأمينها باجراءات رادعة في محاولة للتقليل من الاحتجاجات الشعبية والتظاهرات الجماهيرية وحماية الموارد الاستراتيجية.
بدأت تظهر بوادر اختلاف داخل أروقة النظام الأمني الإيراني حول الهدف النهائي من المواجهة والتفاوض، رغم حرص الجميع على إظهار توافق سياسي موحد، إلا أن هناك تيارات تدعو لتسدد ومواقف أكثر صرامة في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، بينما ترى أخرى أن الضغوط العسكرية والاقتصادية يجب أن تستخدم في الوصول لتسوية تخفف الكلفة عن إيران.
كلما اشتدت العقوبات وارتفعت كلفة إدارة الداخل سنكون أمام تساؤل أكثر حضورًا داخل القيادات الأمنية الجديدة مفاده (هل نحمي النظام ولو على حساب الدولة، أم نحمي الدولة لنخافظ على النظام؟).
العقوبات الاقتصادية الأمريكية قد لا تضعف القيادات الأمنية الجديدة، ولكنها ستدفع بها إلى إعادة تعريف دورها الميداني، من أن تكون أداة لحراسة وحماية النظام إلى أن تكون في قيادة الدولة ومسؤولية عن قراراتها والتمسك بتوجهاتها وأساليبها الأمنية حتى لو أدت هذه الإجراءات لإضعاف الدولة.
هنا سيبرز دور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في تقديم رؤيته وأدواته التي تختلف عن الرؤية الأمنية ذات الطابع المحكم، والذي بدأ يتحدث بشكل علني وواضح معترفاً بتراجع الإيرادات النفطية وتضرر المصانع وتراجع قدرة الدولة على تحصيل الضرائب، وهي مؤشرات تمنحه أساسًا عمليًا لتقديم رؤية حكومية ذات أبعاد اقتصادية لإدارة الأزمة التي تحيط بالنظام وتؤثر على بقائه في ظل تصاعد الضغط العسكري والاقتصادي الأمريكي.
أن رؤية بزشكيان تقوم على حماية النظام ليس من باب زيادة الإجراءات الأمنية بل من منع انهيار قدرة الدولة على إدارة المجتمع،وهو ما يعني عمليًا إعطاء الأولوية لتحسين الخدمات ومواجهة انهيار الموارد المالية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن الإيراني، واتخاذ خطوات عملية في تقليص الإنفاق ومراجعة الأولويات الخارجية واعتماد أي تسوية وتفاوض لتخفيف آثار الحصار البحري والعقوبات الأمريكية والضغوط العسكرية.
توجد بعض من المؤشرات التي تشير إلى انقسامات حديثة داخل القيادة الإيرانية، بين تيار أكثر اهتمامًا بتخفيف الازمة الاقتصادية عبر التفاوض، وتيار أمني أكثر تشددًا في شروط المواجهة.
سيجد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نفسه أمام فرصة سياسية مركبة، فإن قام بتقديم مشروعه حول إنقاذ الدولة الدستورية قبل الدولة الأمنية بالكامل، فإذا نجح في رؤيته بتحويل الأزمة الاقتصادية لبرنامج وطني بإعادة ترتيب الأولويات، فقد يحقق دعمًا داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع ويشكل ثقلًا سياسيًا أمام القيادات الأمنية، أما إذا رُفضت رؤيته ( وهذا احتمال واسع وقائم) فسيتحول الخلاف إلى دليل واضح على أن المؤسسة الأمنية تدير النظام بينما تتحمل الحكومة مسؤولية فشل الدولة.
الاتجاه البراغماتي للقيادة الأمنية الإيرانية الجديدة، قد تسمح للرئيس بزشكيان بتقديم رؤيته، لكنها لن تسمح بأن تتحول لمشروع مستقل ينافس القرار الأمني، ولكنها ستنظر في حاجتها لتحديد مسؤولية بزشيكان في إدارة اقتصاد الدولة وامتصاص الضغوط الشعبية بعد أن اعتمدها اساس في عمله وتوجهاته بطرحه مفهوم ( الوحدة الوطنية) في مواجهة العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية، والعمل باتجاه موافقة الحرس الثوري على تخفيف أصول الأزمات التي يعاني منها المجتمع الإيراني، لكنه سيرفض أي رؤية تعمل على تقليص مركزية المؤسسات الأمنية في القرار السياسي الإيراني وعدم المساس بالموارد والشبكات الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوة.
الآراء التي يحملها الرئيس الايراني مسعود بزشكيان تدعو إلى (أن حماية الدولة والمجتمع يجب أن تتقدم على توسيع الدولة الأمنية، وإن التسوية الاقتصادية شرط لبقاء النظام)، فإذا ما تمسك بهذه الأفكار، فستتجه رؤيته إلى تحد مباشر لأولويات الحرس الثوري وعقيدته ورؤيته في حماية النظام أمنيًا وتعزيزه اقتصاديًا.
وهنا ستظهر قوة العقوبات الاقتصادية الأمريكية وتأثيرها على النظام الأمني الإيراني الجديد، كونها ستجعل قيادات الحرس أكثر حاجة للحكومة واقل استعدادًا لمنحها استقلالاً يحتاجها لإدارة الموارد الاقتصادية وامتصاص النقمة الشعبية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
