من 45% إلى 12%: الغاز الروسي ومعركة أوروبا لفك الارتباط بموسكو

من 45% إلى 12%: الغاز الروسي ومعركة أوروبا لفك الارتباط بموسكو


الباحثة شذا خليل*

45%، 152 مليار متر مكعب، ثم 12% فقط. هذه الأرقام تختصر واحداً من أكبر التحولات في خريطة الطاقة الأوروبية خلال عقود. ففي عام 2021، كانت روسيا توفر نحو 45% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، بكميات قاربت 152 مليار متر مكعب. وبحلول عام 2025، انخفضت الواردات الروسية إلى نحو 36 مليار متر مكعب، وتراجعت حصتها إلى قرابة 12%.

لكن خلف هذا الانخفاض الكبير معركة أكثر تعقيداً من مجرد تغيير مورد للغاز. أوروبا تريد إنهاء اعتماد استمر لعقود على الطاقة الروسية، بينما تحاول موسكو الحفاظ على أسواقها وإعادة توجيه جزء متزايد من صادراتها نحو الشرق.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نجحت أوروبا في التحرر من الغاز الروسي، أم أنها أعادت فقط توزيع اعتمادها على موردين وأسواق أخرى؟

من 45% إلى 12%.. انقلاب في خريطة الطاقة

على مدى عقود، قامت العلاقة بين روسيا وأوروبا على معادلة اقتصادية واضحة: روسيا تمتلك الغاز وشبكات الأنابيب، وأوروبا تمتلك السوق والصناعة والطلب الكبير.

لكن الحرب الروسية الأوكرانية قلبت هذه المعادلة.

بدأ الاتحاد الأوروبي بتنويع مصادره، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على موسكو.

لكن الغاز الروسي لم يختفِ فوراً.

ففي عام 2024 ارتفعت حصة روسيا مجدداً إلى نحو 18.8% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، كما شكّل الغاز الطبيعي المسال الروسي نحو 17.5% من وارداته من الغاز المسال.

وهنا ظهرت مفارقة لافتة: السياسة كانت تتحرك نحو القطيعة، بينما استمرت السوق في شراء الغاز الروسي.

2027.. الصفر الروسي

في يناير/كانون الثاني 2026، انتقل الاتحاد الأوروبي من تقليل الاعتماد إلى قرار أكثر حسماً، باعتماد تشريع للتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي.

وبموجب الخطة، يجري إنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي أولاً، ثم وقف الغاز الروسي عبر الأنابيب خلال عام 2027.

إنه تحول استراتيجي يهدف إلى إنهاء علاقة طاقة بُنيت على مدى عقود.

لكن إغلاق الباب أمام الغاز الروسي يفتح سؤالاً أكبر: من سيملأ الفراغ؟

45% غاز مسال.. اعتماد جديد؟

بدأت خريطة موردي أوروبا تتغير بسرعة.

ففي 2025، جاءت نحو 31% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز من النرويج ونحو 26% من الولايات المتحدة، إضافة إلى إمدادات من شمال أفريقيا وأذربيجان وقطر.

أما التحول الأكبر فكان في الغاز الطبيعي المسال.

ارتفعت حصته من إجمالي واردات الغاز الأوروبية من نحو 20% عام 2021 إلى قرابة 45% في 2025.

وهذا يمنح أوروبا مرونة أكبر، لأن ناقلات الغاز تستطيع الوصول من عدة دول، بخلاف خطوط الأنابيب التي تربط المستهلك بمورد محدد.

لكن هذه المرونة ليست مجانية.

فالغاز المسال يتأثر بأسعار السوق العالمية وتكاليف النقل والمنافسة مع آسيا. وبالتالي قد تكون أوروبا قد خفضت اعتمادها على روسيا، لكنها أصبحت أكثر ارتباطاً بسوق عالمية متقلبة.

أوروبا ليست جبهة واحدة

كما أن تكلفة القطيعة لا تتوزع بالتساوي بين الدول الأوروبية.

الدول التي تمتلك موانئ ومحطات للغاز المسال تستطيع تنويع مصادرها بسهولة أكبر، بينما تواجه الدول غير الساحلية والمعتمدة تاريخياً على الأنابيب الروسية خيارات أكثر صعوبة.

ولهذا برز اعتراض المجر وسلوفاكيا على التخلص الكامل من الطاقة الروسية، وسط مخاوف من ارتفاع تكاليف البدائل وتأثيرها في الصناعة والاقتصاد.

وهكذا أصبحت معركة الغاز اختباراً لوحدة أوروبا نفسها، وليس فقط لعلاقتها مع موسكو.

روسيا تنظر شرقاً

في المقابل، خسارة جزء كبير من السوق الأوروبية تفرض على روسيا البحث عن أسواق بديلة، وفي مقدمتها الصين وآسيا.

لكن إعادة توجيه الغاز ليست عملية سهلة.

فالنفط يمكن نقله بحراً وتغيير وجهته بصورة أكثر مرونة، بينما تعتمد كميات ضخمة من الغاز على خطوط أنابيب وبنية تحتية صممت لأسواق محددة.

لذلك تحتاج موسكو إلى استثمارات ضخمة وخطوط جديدة وعقود طويلة الأجل إذا أرادت تعويض السوق الأوروبية.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: كلما ازدادت حاجة روسيا إلى الصين، ازدادت القوة التفاوضية لبكين.

وبذلك قد تنجح موسكو في تحويل اتجاه صادراتها، لكنها تخاطر بالانتقال من اعتماد كبير على أوروبا إلى اعتماد متزايد على مشترٍ آسيوي ضخم.

من يملك القوة: الغاز أم السوق؟

هذه هي المعركة الحقيقية خلف الأرقام.

روسيا تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الغاز في العالم، لكن امتلاك الغاز لا يكفي إذا تقلص عدد المشترين أو أصبحت طرق الوصول إليهم أكثر تكلفة.

وفي المقابل، تمتلك أوروبا سوقاً ضخمة، لكن قدرتها على رفض الغاز الروسي تعتمد على وجود بدائل مستقرة وبأسعار لا تضعف صناعاتها.

فالطاقة لا تصنع النفوذ بسبب وجودها تحت الأرض فقط، بل بسبب القدرة على إنتاجها ونقلها وبيعها والوصول بها إلى السوق في الوقت والسعر المناسبين.

الاختبار الحقيقي

بحلول نهاية 2027، قد تكون أوروبا قد أغلقت واحداً من أهم فصول علاقتها الاقتصادية مع روسيا.

لكن النجاح لن يقاس بوصول حصة الغاز الروسي إلى الصفر فقط.

سيُقاس بقدرة أوروبا على تأمين الطاقة بأسعار تحافظ على تنافسية صناعاتها، وبقدرة روسيا على إيجاد أسواق بديلة دون تقديم تنازلات كبيرة في الأسعار والشروط.

ختاماً.. من 45% إلى 12% ثم نحو الصفر المستهدف بحلول 2027، تبدو الأرقام وكأنها قصة تراجع للغاز الروسي في أوروبا، لكنها في الحقيقة قصة إعادة تشكيل لخريطة الطاقة العالمية.

أوروبا تحاول تحويل أمن الطاقة إلى استقلال استراتيجي، وروسيا تحاول تحويل غازها من الغرب إلى الشرق، بينما تتقدم الولايات المتحدة والنرويج وموردون آخرون لملء الفراغ.

لذلك فإن معركة الغاز لن يحسمها من يملك أكبر احتياطي، بل من يستطيع الوصول إلى أكبر عدد من الأسواق بأقل تكلفة وأكبر قدر من الاستقلال.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية