اياد العناز
اعطت العقوبات الأمريكية الواسعة التي طالت النظام الإيراني وجميع مؤسساته واصوله المالية والمصرفية وعمليات التصدير والتوريد والتعامل مع الشركات التجارية والصناعية، صورة واضحة ودقيقة للاجراءات الأمريكية والاساليب المتبعة في تعقب جميع التعاملات التجارية لإيران على الصعيد الدولي والإقليمي.
أن طبيعة العقوبات التي اقرتها الخزانة الأمريكية واطلقها الرئيس دونالد ترامب لا تستهدف الاقتصاد الإيراني بوصفه حالة موجودة، بل تضرب قدرة الدولة وامكانياتها على إدارة الشؤون الاقتصادية بتضييق شبكات توريد الطاقة من النفط والغاز والتعاملات المالية والسيولة النقدية عبر الشركات الوسيطة وتشديد الضغط الاقتصادي على الدول والجهات ذات العلاقة التي تشكل منافذ خلفية لدعم حاجة إيران في مواجهة العقوبات الأميركية، مما يعني الانتقال بالازمة القائمة من مستوى الضغط الخارجي إلى المستوى الذي تعلن فيه إيران عن عجز داخلي في إدارة الموارد المالية وقدرتها على احتواء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الإيراني وامكانياتها في احتوائه والتقليل من اعبائه ومكابداته اليومية.
الوضع الاقتصادي الذي يعانيه المواطن الإيراني تتسع اثاره بفرض العقوبات الأمريكية الجديدة ويتمحور في ارتفاع التضخم المالي بنسبة 69٪ وزيادة اسعار المواد الغذائية بنسبة 105٪ مع انخفاض كبير في العملة المحلية بحيث أصبح الدولار يعادل (مليوني) تومان إيراني وزيادة في حجم البطالة بلغت 39٪، أذن تأتي العقوبات في وقت يعاني فيه المواطن الإيراني من حمل اقتصادي ثقيل وتضخم مرتفع وتراجع في القدرة الشرائية وتضرر في الإنتاج والتجارة بفعل الآثار التي ألت إليها المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية التي ابتدأت في 28 شباط 2026 واستمرار الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، وهو مايزيد من مضاعفة الأزمات القائمة ويجعلها أكثر تأثيرًا على حياة المواطن الإيراني واستقرار حياته ومستقبل عائلته.
تفصح الآثار الجانبية المؤثرة للعقوبات عن إصابة النظام السياسي الإيراني بالتآكل باضعاف الأدوار الاجتماعية والادوار الخدمية الطبية والتربوية والتأثير على البنية التحتية للمؤسسات والوزارات التي تعنى بالشؤون التجارية والمالية، والذي كان يعالج أزماته الداخلية باعتماد التأثير الأيديولوجي والعاطفي الشعبوي في منح الشرعية السياسية للنظام وبقائه مع توسيع دائرة الإجراءات الأمنية وضبط إيقاع حركة المواطنيين ومنع أي حالة ميدانية تؤدي إلى تصعيد في مواجهة السلطة بالتظاهرات والاحتجاجات والمسيرات الشعبية المناهضة لسياسة النظام وإدارته لشؤون الدولة وتسخير إمكانياتها المالية لدعم الدوائر الأمنية و قواعدها وشبكاتها وتحقيق مصالحها ومستقبل مشروعها وأهدافها العليا.
جاءت العقوبات الجديدة لضرب الإرادة الأساسية والمرتكز الرئيسي الذي اعتمدته الدولة الإيرانية في تسويق مشاريعها السياسية بإيقاف وتراجع الموارد المالية، مما يجعل السيطرة الأمنية أكثر كلفة ويصبح الحفاظ على تماسك مؤسسات السلطة أصعب.
الإدارة الأمريكية تهدف من تعزيز العقوبات ليس إسقاط النظام الإيراني بصورة مباشرة، بل إضعاف قدرته بإدامة سيطرته على مقاليد الحكم ثم جعل تغيير السلوك أو إعادة بناء الدولة من الداخل أقل كلفة من استمرار المواجهة، وهو ما ينسجم مع التحول في الغايات والثوابت الأمريكية من توسيع الضربات العسكرية إلى تكثيف الضغط الاقتصادي والحصار البحري.
وكلما طالت عملية الضغط الاقتصادي، تحرك الداخل الإيراني في مواجهة أدوات النظام وإضعافه، أن العقوبات بدأت تضرب القاعدة الاقتصادية التي تستند إليها الدولة الأمنية الجديدة، َكلما اتسع التأثير الميداني للعقوبات دون أي انفراج اقتصادي، انتقل الخطر الذي يواجه مؤسسات النظام الأمنية والعسكرية من أزمة اقتصادية إلى أزمة قادرة على إدارة الحكم والاستمرار في توجيه مؤسساته بما يخدم الطبيعة الأمنية للنظام وتثبيت وجوده.
المعادلة السياسية تشمل إطلاق حزمة العقوبات لإضعاف دور المؤسسات الاقتصادية والخدمية الإيرانية لكي يتم تراجع في قدرة الدولة ومؤسساتها على إدارة المجتمع مما يؤدي إلى اتساع دور الأجهزة الأمنية والاستخبارية وتشديد قبضتها وتضييق الحال على جميع الأصعدة مما يخلق ردود أفعال سياسية واجتماعية توصل إلى حالة من اتساع الشرخ والتصدع داخل أروقة النظام الإيراني.
تبدأ صورة التعامل اليومي الذي تتبناه القيادات الأمنية والعسكرية الجديدة في عجزها عن المعالجات الجذرية للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والخدمية باللجوء إلى التعويض عنها بتوسيع دائرة الإجراءات والمواجهات الأمنية بزيادة فعالية الأجهزة ودورها في التصدي لأي محاولات شعبية لمواجهة النظام ومنع حالة الانفجار الأمني في المدن الإيرانية الرئيسية وانتقالها إلى الاقضية والنواحي، وأن تمكنت من إيقاف بعض الفعاليات الشعبية بالقوة والتسلط والاعتقال إلا أنها ستؤدي إلى مزيد من تراكم ظاهرة الغضب وزيادة الخوف والاحتقان في المدى الزمني المستمر، الذي سيتحول بمرور الوقت من مرحلة الاحتجاجات الشعبية لتحقيق مطالب وتغييرات اقتصادية إلى رفض واسع للسياسات الداخلية والأدوات الحاكمة للبلد.
ستظهر آثار العقوبات الاقتصادية بتضرر المؤسسات الخدمية والاقتصادية وتراجع المقدرة الميدانية والكفاءة الإيجابية على تقديم الخدمات للمواطن الإيراني، ليتحول الضغط الشعبي في تصاعد وتيرة الضغوط المعيشية الى احتجاجات شعبية لقطاعات واسعة من أبناء الشعوب الإيرانية ( العمال والتجار والمتقاعدون والموظفون)، ومع تزايد حدة الاضطرابات الداخلية تتوسع مساحة الإجراءات والأدوات الأمنية واتساع حالات الخوف والتوتر والهواجس المجتمعية.
كلما توسع النظام في الإجراءات الأمنية، ازدادت حاجته إلى موارد مالية لتمويل الدولة الأمنية، فإذا كانت العقوبات تقلص الموارد في الوقت نفسه، فإن النظام يدخل في معادلة صعبة تتشكل من ( اقتصاد ضعيف متهالك يحتاج لقوة أمنية، وإجراءات أمنية تحتاج لموارد اقتصادية أكثر قدرة على التمويل).
الوضع الامني يسرع في انتقال النظام الإيراني من أزمة قابلة للإدارة إلى أزمة شرعية وانقسام وصراع وهو أخطر المراحل التي تمر بها أجهزة النظام قبل سقوطه، وهنا تبرز حالة المواطن الذي يحتج بسبب ظروف الحالة المعيشية وضراوتها وصعوبة الحصول على القدر الكافي لمتطلبات حياة عائلته، فيتحول لرافض للنظام عندما تبدأ اجهزنه الأمنية باستخدام القمع والقهر الاجتماعي والظلم والتعسف في المواجهة، وهو ما يساهم في تصعيد حالة المساندة من جميع قطاعات المجتمع الإيراني لتشكيل قوة ضاربة ضد النظام ومؤسساته وأجهزته الأمنية والاستخبارية.
ويبرز السؤال الأهم (إلى متى تستطيع الأجهزة الأمنية تمويل القمع وإدارة المجتمع والحفاظ على أدوات القوة في آن واحد؟).
العقوبات الجديدة لا تضغط على المجتمع والدولة فقط، بل تُدخل البيت السياسي الإيراني في صراع على تفسير الأزمة وإدارتها وتوزيع كلفتها، عندها يصبح الخلاف الداخلي أكثر من مجرد تنافس بين تيارات سياسية، بل صراعًا على تحديد مستقبل النظام وطريقة بقائه.
وهنا تبدأ المؤسسات والقوى النافذة في النظام( الحرس البوري والباسيج واطلاعات) في التنافس على التمويل والامتيازات وآولوية الإنفاق، مع اتجاه يدعو إلى تخفيف المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية وفتح المجال التسوية (وهذا ما أفصح عنه الرئيس الإيراني
الأسبق محمد خاتمي في 22 آب 2026 عبر رسالة أوضح فيها دعمه لمسار التفاوض واستثمار الفرصة الدبلوماسية الراهنة)
وتزامنت مع دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للتهدئة الفورية والمطالبة بإنهاء المواجهة مع واشنطن ، في وقت تتمتع طهران بموقع من القوة والصمود ، ودافع عن مذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت الولايات المتحدة الأمريكية واشنطن، مشددًا على أنها خالية من أي استسلام وأن الالتزامات تقع على الطرف الآخر).
صراع الموارد من أهم النقاط الخلافية التي تبدأ بصراع بين أطراف الحكم، فعندما تتقلص الموارد بفعل العقوبات لا ينخفض الإنفاق بالتساوي على جميع مؤسسات الدولة الإيرانية، ويبدأ السؤال من سيحصل على أولويات الإنفاق والمال، وتبدأ الأجهزة الأمنية والعسكرية بتقديم نفسها كأولوية ثم الوزارات والخدمات العامة وتليها محافظات المدن ثم باقي الاقضية والنواحي، واخيرًا ما يتعلق بتقديم المساعدة للدعم الاجتماعي والسلع الأساسية، وقد تمتد عملية الإنفاق السياسي الإيراني للموارد نحو التحالفات الإقليمية من الشركاء والوكلاء.
أهم آثار العقوبات وتوسعها ميدانيًا أنها تؤسس لقاعدة جوهرية ملامحها أنه كلما (ضعفت الدولة احتاج النظام إلى أمن أكثر، وكلما زاد الإنفاق على الأمن تراجعت قدرة الدولة على معالجة اسباب الأزمة)، وهو ما يسبب صراع بين القيادات الأمنية ومتطلباتها وبين المؤسسات الخدمية والقائمين عليها في توجيه الموارد المحدودة لحماية النظام أم لإصلاح شبكات الكهرباء ومحطات المياه ووسائط النقل العام وتحسين الخدمات الصحية، وإذا تقدمت مصلحة النظام على تأمين مستلزمات المعيشة المجتمعية توسعت دائرة الاحتقان الشعبي والصراع بين مؤسسات الدولة ومراكز القوة فيها.
تشدد الأوضاع الداخلية الإيرانية لتكون أكثر خطورة ليس بسبب العقوبات ومظاهر الفقر والتضخم، بل باضطراب التوازن المالي الذي حافظ طويلاً على توازن القوى داخل النظام، وهو العامل الأهم والأخطر في الصراع داخل البيت السياسي الإيراني.
كلما اشتدت العقوبات، زادت الحاجة إلى الأمن، وكلما زادت كلفة الأمن، تعرضت القيادات الجديدة لضغط اقتصادي وسياسي أكبر، وإذا فشلت في إدارة هذا التوازن انتقل الصراع إلى داخل القيادة الأمنية نفسها.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
