الباحثة شذا خليل*
لا تكمن خطورة العقود النفطية طويلة الأمد في حجم الأموال التي تحصل عليها الشركات الأجنبية في سنة واحدة، بل في القيمة التراكمية للثروة والقرار الاقتصادي الذي قد ينتقل من الدولة إلى الشريك الأجنبي عبر عشرات السنين. ومن هنا فإن النقاش حول الشراكة مع القطاع الخاص في العراق يجب ألا يُختزل في سؤال: كم ستستثمر الشركة؟ بل يجب أن يبدأ بسؤال أكثر أهمية: كم سيبقى للعراق من قيمة موارده، ومن سلطة القرار عليها، بعد عشرين أو خمسين أو مائة عام؟
المثال الوارد بشأن فنزويلا، والذي يشير إلى حصول الجانب الأمريكي على 55% من إنتاج مشروع وامتياز يمتد مائة عام واحتياطات مرتبطة بالمشروع تبلغ نحو 63 مليار برميل، يكشف حجم المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تتحول الحاجة إلى الاستثمار إلى تنازل طويل الأجل عن جزء كبير من القيمة الاقتصادية للثروة.
وفي العراق تصبح القضية أكثر حساسية؛ لأن النفط ليس قطاعاً اقتصادياً عادياً، وإنما هو العمود الرئيس لمالية الدولة. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإيرادات النفطية العراقية بلغت نحو 128.7 تريليون دينار في 2024 من إجمالي إيرادات حكومية قدرها 140.4 تريليون دينار، أي أكثر من 90% تقريباً. وهذا يعني أن أي خلل هيكلي في إدارة الثروة النفطية لا يصيب وزارة النفط وحدها، وإنما يصيب قدرة الدولة على تمويل الرواتب والصحة والتعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
المشكلة ليست الاستثمار الأجنبي.. بل شروط الاستثمار
العراق يحتاج إلى التكنولوجيا ورأس المال والخبرات الدولية، ولا يمكن بناء صناعة نفط وغاز حديثة بمنطق الانغلاق الاقتصادي. ولذلك فإن الدعوة إلى حماية الثروة الوطنية لا تعني طرد الشركات الأجنبية.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الشركة من مقاول أو مستثمر يحصل على عائد عادل مقابل رأس المال والتكنولوجيا والمخاطر إلى شريك يمتلك قدرة طويلة الأمد على التحكم بالثروة نفسها أو بالقرارات الاستراتيجية المتعلقة بها.
ولهذا يجب التفريق بوضوح بين ثلاثة أشياء: ملكية المورد الطبيعي، وتمويل المشروع، وإدارة وتشغيل المشروع.
يمكن للعراق أن يستورد أفضل التكنولوجيا في العالم، وأن يمنح المستثمر عائداً مجزياً، وأن يتعاقد مع شركات دولية عملاقة، من دون أن يتنازل عن سيطرته الاستراتيجية على النفط والغاز الموجودين تحت أرضه.
ماذا لو وضع العراق خطة إصلاح؟
الحل ليس رفض الاستثمار، وإنما إنشاء نظام سيادي للشراكات النفطية والغازية يقوم على مجموعة قواعد حاكمة.
أولها أن تبقى ملكية النفط والغاز والاحتياطات للدولة بصورة غير قابلة للنقل.
وثانيها منع أي عقد يمنح المستثمر الأجنبي سيطرة تصويتية تمكّنه منفرداً من اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
وثالثها تحديد مدد العقود وربط تمديدها بالأداء، بدلاً من منح امتيازات شديدة الطول تجعل أجيالاً عراقية لاحقة ملتزمة بقرارات اتخذها جيل واحد.
ورابعها إلزام كل مشروع كبير بإجراء تحليل للقيمة مقابل المال Value for Money قبل توقيعه، يجيب عن سؤال بسيط: هل تنفيذ المشروع بهذه الصيغة أفضل فعلاً للعراق من تمويله أو تشغيله بصيغة أخرى؟
وخامسها نشر القيمة الإجمالية للعقد، ونسب الأرباح، والكلف القابلة للاسترداد، والالتزامات الحكومية، والتعديلات اللاحقة على العقد، والمستفيد الحقيقي من الشركات المتعاقدة.
وسادسها وضع سقوف واضحة للكلف التي تستطيع الشركات تحميلها على المشروع، لأن ارتفاع الكلفة القابلة للاسترداد يمكن أن يخفض عملياً حصة الدولة حتى عندما تبدو النسب الاسمية جيدة.
وسابعها إنشاء جهاز متخصص ومستقل للتدقيق في العقود النفطية الكبرى يضم خبراء في النفط والاقتصاد والقانون والمحاسبة الدولية.
السؤال الأهم: كم يمكن توفيره؟
هنا تظهر ضخامة القضية.
تقدّر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إيرادات العراق من صادرات النفط الخام بنحو 75 مليار دولار لعام 2025. وهذا الرقم يسمح بإجراء سيناريو حسابي مبسط لفهم قيمة الإصلاح، وليس باعتباره توقعاً مؤكداً.
إذا أدت الحوكمة الأفضل للعقود، وضبط التكاليف، ومنع الشروط المجحفة، وتحسين الرقابة إلى المحافظة على 1% فقط من قيمة الإيرادات التي كان يمكن فقدانها، فإن الأثر النظري يعادل:
750 مليون دولار سنوياً.
وإذا بلغت الحماية أو الوفر 3%:
2.25 مليار دولار سنوياً.
وعند 5%:
3.75 مليار دولار سنوياً. أما إذا استطاعت منظومة الإصلاح حماية ما يعادل 10% من القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تضيع بين شروط تعاقدية ضعيفة وكلف مرتفعة وسوء إدارة وتسربات مالية، فنحن نتحدث حسابياً عن:
7.5 مليارات دولار في سنة واحدة. وعلى عشر سنوات، ومن دون احتساب تغير أسعار النفط أو الإنتاج أو القيمة الزمنية للنقود، يصبح السيناريو النظري:
75 مليار دولار. وهنا تتضح الفكرة الأساسية: في دولة تعتمد بهذا الحجم على النفط، نقطة مئوية واحدة ليست رقماً صغيراً.
من النفط الخام إلى تعظيم قيمة البرميل لكن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على منع الخسارة.
هناك فرق بين دولة تسأل: بكم نبيع البرميل؟ ودولة تسأل: كم قيمة اقتصادية نستطيع استخراجها من كل برميل قبل أن يغادر البلاد؟
التكرير والبتروكيماويات والغاز والأسمدة والصناعات المرتبطة بالطاقة تستطيع تحويل جزء أكبر من المورد الطبيعي إلى وظائف وقيمة مضافة داخل العراق.
وبذلك تصبح السياسة النفطية جزءاً من السياسة الصناعية، وليس مجرد عملية استخراج وتصدير.
كما أن استثمار الغاز المصاحب يمثل نموذجاً واضحاً: المورد الذي يمكن تحويله إلى كهرباء ومواد أولية للصناعة يجب النظر إليه كأصل اقتصادي، لا كنتيجة جانبية لإنتاج النفط.
صندوق للأجيال لا لخزينة سنة واحدة النفط مورد ناضب. لذلك فإن بيع برميل من النفط ليس إيراداً عادياً بالمعنى الاقتصادي الكامل؛ إنه أيضاً تحويل أصل موجود تحت الأرض إلى مال.
ولهذا يمكن أن تتضمن خطة الإصلاح إنشاء صندوق سيادي للأجيال تودع فيه نسبة ثابتة من صافي الإيرادات النفطية.
ولو افترضنا، للتوضيح فقط، تحويل 5% من إيرادات نفطية مقدارها 75 مليار دولار سنوياً إلى الصندوق، فهذا يعني:
3.75 مليارات دولار سنوياً. وعلى عشر سنوات، حتى قبل احتساب أي عائد استثماري، تصبح:
37.5 مليار دولار.بهذه الطريقة لا يستهلك الجيل الحالي كامل قيمة مورد يملكه أيضاً أبناؤه وأحفاده.
قاعدة ذهبية للعقود
يمكن تلخيص فلسفة الإصلاح بقاعدة واحدة: رأس المال الأجنبي مرحب به، والتكنولوجيا الأجنبية مرحب بها، والخبرة الدولية مطلوبة؛ لكن ملكية الثروة والسيطرة على القرار الاستراتيجي والعائد العادل للشعب العراقي خطوط لا ينبغي تجاوزها.
فالاستثمار الناجح ليس العقد الذي يجعل الشركة الأجنبية تربح أقل ما يمكن؛ المستثمر يحتاج إلى الربح حتى يأتي ويبقى ويطور المشروع.
العقد الناجح هو الذي يجعل العراق والشركة يربحان، من دون أن تتحول حاجة العراق الحالية إلى تنازل عن حقوق الأجيال القادمة.
الخطر الأكبر ليس ما نخسره اليوم إذا خسر العراق مليار دولار نتيجة عقد سيئ، فهذه خسارة مالية يمكن قياسها.
أما إذا منح عقد طويل الأجل طرفاً خارجياً قدرة على التأثير في مستوى الإنتاج، واتجاه الاستثمار، وتوقيت تطوير الحقول، والكلف والأرباح لعقود طويلة، فإن الخسارة تصبح أعمق من الحساب المالي المباشر؛ لأنها تمس المرونة الاقتصادية والسيادة على القرار.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق توقيع أي اتفاق نفطي أو غازي كبير ليس:
كم سيدفع المستثمر اليوم؟ وإنما:ما القيمة الكاملة التي سيأخذها طوال مدة العقد، وما القيمة التي ستبقى للعراق؟
وعند الإجابة عن هذا السؤال بشفافية، قد نكتشف أن أفضل خطة إصلاح ليست تلك التي تجلب أكبر مبلغ سريع إلى الخزينة، وإنما التي تحقق أفضل توازن بين الاستثمار والتكنولوجيا والعائد المالي وخلق الوظائف، مع إبقاء القرار الاستراتيجي والثروة في يد العراقيين.
العراق لا يحتاج إلى الاختيار بين الاستثمار والسيادة. ما يحتاجه هو عقود تجعل الاستثمار أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية، لا ثمناً للتنازل عنها.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
