الباحثة شذا خليل*
لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل عسكرية فقط، بل تحولت بصورة متزايدة إلى **حرب استنزاف اقتصادي** قد تكون نتائجها على المدى المتوسط أكثر تأثيراً من نتائج المواجهة العسكرية نفسها. فتصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن تراجع عائدات النفط، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتضرر المصانع والمنشآت الإنتاجية، تكشف أن الضغوط بدأت تنتقل من الجبهة العسكرية إلى الموازنة والأسواق والقوة الشرائية للمواطن الإيراني.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: **هل يتجه الاقتصاد الإيراني نحو ضعف حقيقي، أم أن طهران تستخدم خطاب الأزمة ضمن استراتيجية سياسية وتفاوضية أوسع؟**
النفط ليس مجرد سلعة تصديرية
لفهم حجم المشكلة، يجب النظر إلى النفط باعتباره أكثر من مجرد مصدر للإيرادات. فهو أحد أهم مصادر العملات الأجنبية التي تحتاج إليها إيران لتمويل الواردات والمحافظة على قدر من الاستقرار النقدي.
وعندما تتراجع صادرات النفط، أو تصبح عملية بيعها أكثر صعوبة وكلفة، تتراجع معها قدرة الدولة على الحصول على العملات الصعبة. وهذا يضع الريال تحت ضغط أكبر ويرفع تكلفة استيراد الغذاء والدواء والمواد الخام والمعدات ومستلزمات الإنتاج.
ثم تنتقل المشكلة إلى الداخل. فارتفاع تكلفة الواردات يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي زيادة أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية للأسر. وإذا اضطرت المصانع إلى خفض إنتاجها بسبب ارتفاع التكاليف أو الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب، تتراجع أرباح الشركات، وتنخفض معها الضرائب التي تحصل عليها الحكومة.
وهنا تجد الدولة نفسها أمام معادلة اقتصادية صعبة: **إيرادات أقل مقابل نفقات أكبر**. فالحكومة مطالبة بتمويل الخدمات العامة ودعم القطاعات المتضررة وإعادة بناء المنشآت، في الوقت الذي تتراجع فيه مواردها النفطية والضريبية. وبذلك يمكن أن تتحول أزمة تصدير النفط تدريجياً إلى أزمة أوسع تشمل سعر الصرف والتضخم والإنتاج والموازنة العامة.
هل تكشف طهران ضعفها أم تدير الأزمة سياسياً؟
لا ينبغي تفسير تصريحات بزشكيان باعتبارها إعلاناً عن قرب انهيار الاقتصاد الإيراني، كما لا يمكن في المقابل اعتبارها مجرد خطاب سياسي.
فالضغوط الاقتصادية حقيقية، خصوصاً عندما تتزامن صعوبة تصدير النفط مع تضرر المنشآت الإنتاجية وارتفاع تكاليف التجارة والاستيراد.
لكن الإعلان الرسمي عن حجم هذه الصعوبات يمكن أن يؤدي أيضاً وظيفة سياسية مزدوجة. داخلياً، تستطيع الحكومة ربط ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية بتداعيات الحرب والقيود الخارجية. وخارجياً، يمكن لطهران توظيف حجم الخسائر لإظهار أن استمرار المواجهة يحمل تكاليف متزايدة، بما قد يؤثر في شروط أي مفاوضات أو ترتيبات اقتصادية وأمنية مقبلة.
لذلك، فإن الأقرب إلى الواقع أن **إيران تواجه ضغطاً اقتصادياً حقيقياً، لكنها تحاول في الوقت نفسه إدارة هذا الضغط سياسياً وتوظيفه ضمن استراتيجيتها التفاوضية**.
مضيق هرمز… ورقة قوة ذات كلفة مرتفعة
تمتلك إيران ورقة جغرافية شديدة الأهمية تتمثل في موقعها على مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية.
فأي اضطراب في الملاحة عبر المضيق يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويضغط على أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يمنح طهران قدرة على نقل جزء من تكلفة المواجهة إلى خصومها والاقتصاد العالمي.
لكن هذه الورقة قد تتحول إلى **سلاح اقتصادي ذي حدين**.
فإيران نفسها تحتاج إلى الممرات البحرية لتصدير النفط والسلع والحصول على الواردات. وكلما ارتفعت المخاطر في المنطقة، ارتفعت تكلفة التجارة الإيرانية أيضاً. وقد ترتفع أسعار النفط عالمياً بسبب التوتر، لكن إيران لن تستفيد بالكامل من هذا الارتفاع إذا كانت قدرتها على الوصول إلى الأسواق مقيدة، أو إذا اضطرت إلى تقديم خصومات أكبر للمشترين مقابل تحمل مخاطر العقوبات والنقل.
الصين وروسيا: منع الانهيار لا يعني صناعة النمو
تستطيع إيران تخفيف جزء من الضغوط من خلال علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا وشركاء آخرين، إضافة إلى استخدام قنوات تجارية ومالية بديلة.
لكن هناك فرقاً أساسياً بين **منع الاقتصاد من الانهيار وبين بناء اقتصاد قادر على تحقيق نمو مستدام**.
فالقنوات البديلة قد تسمح لطهران ببيع جزء من النفط والحصول على بعض احتياجاتها، لكنها لا تعوض بسهولة الاستثمارات والتكنولوجيا والتمويل التي يحتاج إليها اقتصاد كبير لإعادة بناء منشآته وتحديث قطاعاته الإنتاجية.
كما أن الاعتماد المتزايد على عدد محدود من المشترين يمكن أن يضعف الموقف التجاري لإيران. فكلما تقلصت خيارات البائع، ازدادت قدرة المشتري على المطالبة بخصومات وشروط أكثر ملاءمة له. وهذا يعني أن إيران قد تستمر في بيع جزء من نفطها، ولكن بعائد اقتصادي أقل مما يمكن تحقيقه في سوق أكثر انفتاحاً.
# إلى أين يتجه الاقتصاد الإيراني؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول هو الوصول إلى **تسوية سياسية تخفف القيود على النفط والتجارة**. وهذا هو السيناريو الأفضل اقتصادياً، لأنه قد يعيد جزءاً من تدفقات العملات الأجنبية، ويخفف الضغط على الريال والتضخم، ويفتح المجال أمام الاستثمار وإعادة الإعمار.
الثاني هو استمرار حالة **لا حرب شاملة ولا تسوية شاملة**. وفي هذه الحالة قد يستطيع الاقتصاد الإيراني الاستمرار، ولكن بثمن مرتفع يتمثل في ضعف الاستثمار، واستمرار التضخم، وتراجع مستوى المعيشة، وزيادة الاعتماد على قنوات التجارة البديلة.
أما المسار الثالث والأكثر خطورة فهو عودة التصعيد العسكري بالتزامن مع تشديد القيود على صادرات النفط والتجارة. وعندها قد تتطور الأزمة من انكماش اقتصادي إلى **أزمة مالية ونقدية واجتماعية أوسع**، خصوصاً إذا تزامن انخفاض الإيرادات مع أضرار إضافية في البنية الإنتاجية.
# الاقتصاد قد يحسم ما لم تحسمه الصواريخ
إيران لا تبدو أمام انهيار اقتصادي فوري، لكنها تواجه معادلة تزداد صعوبة كلما طال أمد المواجهة.
لقد أظهر الاقتصاد الإيراني قدرة كبيرة على التكيف مع سنوات طويلة من العقوبات، لكن القدرة على التكيف لا تعني غياب التكلفة. والسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت الدولة قادرة على الاستمرار، بل **كم سيدفع المواطن والقطاع الخاص والاقتصاد الإيراني مقابل هذا الاستمرار؟**
واشنطن تراهن على أن خفض الإيرادات النفطية والضغط على التجارة وتدفقات العملات الأجنبية سيزيد التكلفة الاقتصادية إلى مستوى يؤثر في حسابات طهران. في المقابل، تراهن إيران على قدرتها على الصمود، وعلى موقعها الجغرافي، وشبكاتها التجارية، وعلاقاتها مع القوى الآسيوية لامتصاص جزء من الضغوط ورفع تكلفة المواجهة على خصومها.
وفي النهاية، لن تحدد الصواريخ وحدها اتجاه هذه المواجهة. **سعر الريال، وحجم صادرات النفط، ومعدلات التضخم، وقدرة المصانع على العودة إلى الإنتاج، ومستوى الإيرادات الحكومية** قد تكون أكثر أهمية في تحديد قدرة إيران على الصمود على المدى الطويل.
ويبقى السؤال الأهم: **هل تستطيع إيران تحويل الصمود العسكري إلى صمود اقتصادي، أم تتحول الضغوط المالية والنقدية إلى عامل يفرض عليها إعادة هيكلة أولوياتها الاقتصادية والسياسية؟*
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
