اياد العناز
بتاريخ 24 آب 2026 أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية حزمة من العقوبات الاقتصادية واقرت مجموعة من الإجراءات والوسائل التي تهدف إلى تشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني، في مسار جديد وفعال لزيادة حالة الانحدار والتفاقم في المنظومة الاقتصادية وإيقاف أي من الأدوات الإيرانية للاتفاف على العقوبات الأمريكية.
سبق لإيران وأن قامت بإجراءات واسعة في سعيها للتغلب على العقوبات الاقتصادية ببناء شبكة معقدة بتهيئة ما اصطلح عليه ب(ناقلات الظل) لعدد من الشركات الوهمية التي يديرها الحرس الثوري الإيراني عبر مؤسسة (خاتم الأنبياء) ولكنها تتميز بارتفاع كلفتها المادية وتزيد من اعتماد إيران على مجموعة من الوسطاء والدول الحليفة معها وتحديدًا (الصين ) كونها الأكثر اعتمادًا على النفط الإيراني والذي تنقله على متن أسطول من الناقلات العاملة التي تتغير أسماؤها وأعلامها وملكيتها بين الحين والآخر، ويتم الحصول على النفط الإيراني بأسعار رمزية، ولكنه يمنح واشنطن دلالة يمكن استخدامها في أي تفاوض قادم مع الصين وروسيا.
يتيح عمل شركات الصرافة والحسابات الخارجية والشركات الوهمية تحريك عائدات النفط أو إنفاقها من دون أن تمر الأموال بالضرورة عبر إيران، ويستخدم الحرس الثوري هذه المنظومة لتوليد إيرادات بالعملات الصعبة لزيادة موارده مع تراجع قيمة الريال الإيراني، وضمن الإجراءات الأمريكية الدقيقة والمتابعة المستمرة فقد وثق (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي) نقل شحنات من النفط الإيراني بين سفن عدة وعلى مراحل قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية، وتعمل إيران على إخفاء مصدر تسويق نفطها ومنتجاتها البترولية وتسويقها على أنها قادمة من دول أخرى.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن الشبكة المالية المرتبطة ب( محمد حسين شمخاني) ويعرف بأنه قطب نفط ورجل أعمال إيراني بارز يقوم بإدارة (أسطول الظل الإيراني)، وهو نجل المسؤول الأمني والعسكري الإيراني علي شمخاني الذي قتل في آذار 2026 أثر الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت إيران حينها، وتشير التقارير الدولية ومنها (بلومبيرغ) أنه يسيطر على شبكة شركات واسعة، أبرزها (مجموعة ميلافوس المحدودة) ومقرها دبي، وحققت هذه الشبكة مليارات الدولارات من خلال تسهيل وبيع النفط الخام الإيراني والروسي والالتفاف على العقوبات الأميركية عبر أسطول يضم عشرات الناقلات وسفن الشحن،
وشملت العمليات الخاصة للشبكة عن نقل معدات الصواريخ البالستية ومكونات الطائرات المسيرة عبر شركات شحن تابعة له، مما أدى إلى خصوعه
لعقوبات مشددة ومتلاحقة، حيث فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات موسعة شملت أكثر من 50 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بشبكته، كما فرضت عليه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات مماثلة لتجفيف منابع تمويل نظامي طهران وموسكو،وتعتمد أيضًا على شبكات تعمل في مدن منها ( هونغ كونغ وجزر مارشال) مع اعتماد مبدأ تبديل مشغلي السفن ومديريها من دون الإخلال بالنشاط التجاري المشروع لها.
تعلم واشنطن جيدًا أن مبيعات النفط الإيراني للصين، تدر مبالغ كبيرة من العملة المحلية الصينية (اليوان) لطهران، والتي تستخدم في تمويل وارداتها وتسوية التزامات لها مع جهات أخرى من دون الحاجة إلى إعادة الأموال إليها أولا، ولكن إيران تتحمل أعباء وتكاليف مالية واسعة، فكل التفاف على العقوبات يؤدي إلى بيع النفط الإيراني بخصومات كبيرة لتعويض المشترين عن المخاطر التي قد تلحق بهم نتيجة تعاملهم المخالف لبنود العقوبات الأميركية، وتدفع أموال للوسطاء مقابل إخفاء المعاملات وتحريك الأموال.
و تستهدف واشنطن الشبكات المالية الإيرانية وبنيتها الخارجية تجارياً، عبر المصارف المالية وشركات التأمين وسجلات أعلام السفن ومقدمي خدمات الموانئ وموردي وقود السفن وتجار السلع وشركات الصرافة وصولًا إلى مشتري السلع الإيرانية.
تبقى الصين هي المستفيدة الأولى من جميع الإجراءات والأدوات الإيرانية، لأن معظم النفط الإيراني يباع لها مع عدم قيام الصين بتطبيق معظم ما اتفق عليه في الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها مع إيران عام 2021، ولكن إيران لا زالت ترى في الصين أنها الحليف الدولي المساند لها سياسيًا واقتصاديًا والمساعد لها على الصمود الداخلي في مواحهة ازماتها الاجتماعية والاقتصادية، في الوقت الذي تستفاد بكين من الإجراء الذي تعتمده واشنطن بعدم استهداف المصارف الصينية الكبرى وشركات التكرير والمؤسسات التجارية في محاولة منها بعدم وقوع تداعيات على العلاقات الأمريكية الصينية وعلى الاقتصاد العالمي، بانتظار اللقاء القادم في 24 آيلول 2026 بين الرئيسين الأمريكي والصيني لمناقشة جميع المحاور ومنها المقايضة السياسية الاقتصادية بين الدولتين فيما يتعلق بتطور الأحداث في الخليج العربي والموقف من إيران.
وأمام هذه التطورات الميدانية والمعاملات الاقتصادية واثار العقوبات الأميركية وتداعياتها، يأتي الدور السياسي الصيني الذي أصبح المنفذ الرئيسي الذي اختطه الرئيس الصيني شي جينبينغ بإعلانه استعداد بلاده لرعاية وضمان الاتفاق بين واشنطن وطهران، بعد الاخفاق في الالتزام الإيراني بمذكرة التفاهم المشتركة التي وقعت في العاصمة الباكستانية (إسلام آباد) وعدم وجود ضمانات حقيقية تقدم لواشنطن وتقنعها بعودة إيرانية للتفاوض السياسي والحوار الدبلوماسي.، وأن موقف الإدارة الأميركية أصبح واضحاً بعدم الرغبة في العودة لبنود مذكرة التفاهم والذهاب لاتفاق جديد يعيد حالة التوازن السياسي في أي تسوية مع إيران.
ولكن المنظومة الأمنية التي يديرها الحرس الثوري الإيراني ويتولى مجلس الأمن القومي التعبير عنها، تروج لإستراتيجية ثنائية، تعمل احداهما على استغلال حاجة واشنطن لنوع من الهدوء قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني 2026، والأخرى تسعى لاستنزاف الإدارة ورفع تكاليف ألمواحهة العسكرية حتى نهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.
المناورة الإيرانية سياسيًا واقتصاديًا بدأت تضيق أمام رغبتها في العودة لمذكرة التفاهم وأن الخيارات المتاحة أمامها في حال قررت واشنطن العودة للمسار التفاوضي، لن تكون قريبة من هذه المذكرة، بل أكثر تشددًا وخطورة.
ثم جاء الإجراء الأمريكي بتضيق الخناق سياسيًا على إيران ومحاصرتها دوليًا بحرمان نائب رئيس الجمهورية لشؤون الطاقة النووية ( محمد إسلامي) من المشاركة في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خاصة وأن مجلس الحكام سبق وأن أصدر قرارًا يدين إيران ويتهمها بعدم التعاون الواضح بخصوص أنشطتها النووية، وهو ما يجعل الطريق مفتوحًا أمام إحالة الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن الدولي، ويضعف من تأثيراتها إقليميًا ودوليًا وعدم تمكن حلفائها من التدخل المباشر في إيقاف أي قرارات خاصة ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ويزيد من محنتها وانحسار طموحاتها في سعيها إلى إعادة تفعيل المسار التفاوضي بالحد الأدنى من الشروط الأميركية.
شكلت الاستراتيجية الأمريكية في تنفيذ العقوبات الاقتصادية والحصار البحري موقفًا ثابتًا في تحويل عملية الخنق الاقتصادي إلى إستراتيجية شاملة لا تقتصر على تنفيذ عقوبات شاملة وخانقة للاقتصاد الإيراني، بل العمل على توسيعها لتشمل عملية تفكيك كل القنوات السياسية والدبلوماسية التي قد تشكل منفذًا للنظام الإيراني.
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
