إيران… بين مسار سياسي واستحضار عسكري

إيران… بين مسار سياسي واستحضار عسكري

أقرب ما تكون منطقة الشرق الأوسط لمواجهة شبه حتمية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وأمام هذه التطورات الميدانية والاستحضارات العسكرية تنطلق المبادرات الإقليمية والعربية لاحتواء الأزمة القائمة عبر الاتصالات التي تقوم بها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان في مسعى لإيجاد حالة من التفاهم والحوار الدبلوماسي السياسي الذي من الممكن أن يؤدي إلى التخفيف من عملية التصعيد العسكري والاتجاه نحو طاولة المفاوضات والاتفاق على صيغ فاعلة تؤدي إلى تفاهمات سياسية تفضي لاتفاق دائم حول العديد من النقاط الرئيسية التي وردت في الشروط الأمريكية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة والدور الإقليمي ودعم الفصائل المسلحة من قبل الإيرانيين، وتسعى دول مجلس التعاون الخليجي العربي التي تستضيف على أراضيها قاعدتين أميركيتين رئيستين، منع أي حالة رد من الممكن أن تحدث أثناء بدأ المواجهة ( الأمريكية الإيرانية) بإطلاق عدد من الصواريخ البالستية والقيام بهجمات بطائرات مسيرة من قبل إيران أو من بعض وكلائها المتحالفين معها ومنهم ( الحوثيين) تجاهها، وحماية المضايق الدولية والممرات المائية التي تمثل خطوط التجارة العالمية والطاقة الدولية.
وعملت القيادة التركية إلى الدخول لمسار التفاوض السياسي بين واشنطن وطهران عبر المقترح الذي قدمه الرئيس التركي طيب رجب أردوغان للرئيس دونالد ترامب بعقد لقاء عبر الفديو مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والذي سيكون احد المحاور المهمة في المبادرة التركية التي سيتم مناقشتها مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في زيارته لأنقرة في الثلاثين من كانون الثاني 2026، مع إمكانية وضع حلول مناسبة للبرنامج النووي الإيراني ترضي جميع الأطراف وتخفف من تأثيرات الأزمة القائمة.
ومع الجهد السياسي والتحرك الدبلوماسي تتواصل التعزيزات العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتصريحات وزيرالخارجية ( روبيو) بوجود (30) ألف جندي في الإقليم ولابد من تعزيزات لحمايتهم، وهذا يعني تحشيد آخر للوجود الأمريكي الذي بدأ بتوجه الأسطول البحري الذي قال عنه الرئيس ترامب ( أنه أسطول ضخم يتحرك بسرعة وقوة وعزبمة واصرار نحو إيران)، وهي عبارة تعني التهديد والتحذير من عملية عسكرية قادمة واصرار أمريكي على التنفيذ الميداني مع وصول حاملة الطائرات ( إبراهام لينكولن) التي يمكن استغلال قدراتها مع السفن البحرية المرافقة لها والتي تمتلك صواريخ كروز لشن الهجوم الأمريكي المحتمل ، مالم تستجيب القيادة الإيرانية للشروط الأمريكية لعقد اتفاق نووي يراه ترامب ( عادل ومنصف).
وأمام المبادرات الخليجية العربية فإن الولايات المتحدة الأمريكية من الممكن قيامها باستخدام قاعدة ( دييغو غارسيا) في إطلاق الصواريخ أو انطلاق الطائرات الحربية تجاه العمق الإيراني، وستعمل على تصعيد آخر يتخذ من سياسة الحصار البحري أداة أخرى في تطويق التحركات الإيرانية وزيادة حجم المعاناة الاقتصادية عبر منع مرور أي ناقلات أو بواخر تحمل النفط الإيراني أو كل ما يتعلق بالصادرات الواردات الإيرانية وأحكام السيطرة على المنافذ البحرية على السواحل الإيرانية عبر إنزال بري للسيطرة على المساحة الكلية للساحل الغربي لمياه الخليج العربي وجميع الموانئ التي تشكل الشريان الأساسي للاقتصاد الإيراني ، مما قد يؤدي إلى تصعيد الاجراءات العسكرية والمواجهات الإيرانية التي تؤثر على طبيعة الأحداث في منطقة اقتصادية مهمة تتعلق بالمصالح الدولية والإقليمية، فالمسؤولين الإيرانيين يعتبرون أن مضيق هرمز هو أحد الأوراق الأساسية لاهميته وأنه الشريان الرئيسي لمنافذ الطاقة في منطقة الخليج العربي، ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية فإن نحو ما يزيد عن (20) مليون برميل من النفط تمر يوميا عبر المضيق، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 35٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وستعمل إيران على تحريك أدواتها وكلائها من الحوثيين للقيام بدور ميداني عند مضيق باب المندب وخليج عدن للتأثير على الملاحة الدولية واستهداف السفن الأمريكية والغربية.
ولهذا تتجه الانظار نحو الخيارات الأمريكية في تحديد الأهداف المهمة والاستراتيجية داخل العمق الإيراني، والتي أشارت جميع التوقعات إلى أنها وحسب ما رسمتها الدوائر الاستخبارية والعسكرية الأمريكية ستكون ضمن محاور استهداف القيادات السياسية والعسكرية لدى النظام الإيراني واماكنهم ومقراتهم الرسمية، ثم القواعد العسكرية ومراكز التحكم والسيطرة القيادية وقواعد إطلاق الصواريخ ومنصاتها ومراكز تصنيعها، وتحديد مراكز إطلاق وتصنيع الطائرات المسيرة وطرق الإمدادات اللوجستية لحركة القوات الأرضية لتوسيع دائرة التدمير الشامل للمؤسسة العسكرية والأمنية وإصابتها بالشلل التام وعدم القدرة على التوجيه والحركة.
وتتسارع الأحداث ويضيق الوقت في مسارين اثنين، هما تعزيزات وحشود أمريكية وتحضيرات واستعدادات إيرانية مع تحرك سياسي ودبلوماسي لايقاف عمل عسكري وضربة محتملة أمريكية تجاه ايران، والعمل ضمن منظور توافقي للتحاور حول الشروط الأمريكية بتفكيك البرنامج النووي الإيراني والاعلان عن المخزون الرئيسي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ والبالغ (400،4) كغم وتحديد مديات الصواريخ البالستية ووقف عمليات تطويرها وتصنيعها والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فتح جميع المنشآت والمواقع النووية للتفتيش والمراقبة الدائمة وإيقاف الدعم والحماية للمليشيات والفصائل المسلحة المرتبطة بالمشروع السياسي الإيراني الإقليمي وعدم التعرض للتظاهرات والاحتجاجات الشعبية ومواجهتها بالقمع والقتل والاعتقال.
والأبرز في العمل الدبلوماسي والحوار السياسي، زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان لواشنطن في التاسع والعشرين من كانون الثاني 2026 وعقده عدة لقاءات مع المسؤولين الامريكان في الدوائر العسكرية والاستخبارية والوقوف على أخر المواقف والاجراءات الأمريكية في منطقة الخليج العربي وإمكانية إيقاف العمليات العسكرية ومنع التوترات الإقليمية وحل المسألة والمعضلات عبر الخطاب والحل السياسي الدبلوماسي،
واعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله للعاصمة التركية ( أنقرة) استعداد بلاده للعودة إلى المفاوضات النووية ضمن مسارات (معنوية ومنطقية ومنصفة) ، شرط احترام المصالح المشروعة لإيران، مشددًا على أن السلاح النووي (لا مكان له في العقيدة الدفاعية الإيرانية، وأن الأنشطة النووية لطهران ذات طابع سلمي)، ثم الترحيب بجميع المبادرات التي تدعو لايقاف الأعمال العسكرية وحماية الأمن الإقليمي من أي توترات أو ارهاصات سياسية، وعبر وزير الخارجية التركي(هاكان فيدان)
عن أمله في ألا تشن الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا على إيران، وأن (السلام والاستقرار في إيران مهمان لتركيا).
ما بين الاستعداد العسكري والمسار السياسي التفاوضي، محطة للالتقاء أمام على طاولة الحوار في ميدان القتال، وكلاهما لهما نتائجهما وآثارهما على مجمل المصالح الإقليمية والدولية والاوضاع الميدانية والمتغيرات السياسية.

وحدة الدراسات الإيرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة