تستمر التظاهرات والاحتجاجات الشعبية الإيرانية مع بداية العام الجديد، لتأخد أبعادًا كثيرة ومألات عديدة نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإيراني وأصبحت تثقل كاهله اليومي وتؤثر بشكل فعال على حياته المعيشية، بل أصبحت تنذر بمخاطر واسعة تتعدى جانبها الميداني وترسم ملامح لمستقبل الدولة الإيرانية ونظامها السياسي.
مهما كانت الدوافع الرئيسية التي انطلقت منها شرارة هذه الانتفاضة الشعبية العارمة ومهما فعلت آثارها الاقتصادية بارتفاع نسبة التضخم المالي إلى 40٪ وانخفاض سعر العملة المحلية بحيث أصبح الدولار الأمريكي يساوي (1400) مليون وأربعمائة تومان إيراني وضعف القدرة الشرائية وانهيار التعاملات التجارية في الأسواق الإيرانية، مما شكل اندفاعًا واضحًا في مشاركة كبار التجار في الاحتجاجات التي طالت معظم المدن الإيرانية الرئيسية، إلا أنها تبقى حدثًا مهمًا في التاريخ السياسي الإيراني ورفض شعبي على جميع الأصعدة والجهات المشاركة فيها.
انطلقت التظاهرات في خضم حالة من الصراعات السياسية والخلافات الحزبية في أروقة النظام السياسي الحاكم في طهران، بعد تشديد العقوبات الاقتصادية الدولية وتفعيل سياسة قبضة الزناد والخلاف مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتصعيد في اللهجة الإيرانية والعودة لسياسة التعنت واظهار القوة ورفض المبادرات الدولية والوساطات الإقليمية في إعادة تفعيل المفاوضات والحوار السياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
السياق الأهم في مجمل الأحداث التي رافقت الأوضاع الميدانية في المشهد السياسي الإيراني، أن هذه الاحتجاجات تمثل انطلاقة جديدة وباشكال متباينة تساير الامتداد الطبيعي لحركة القوى الشعبية التي انطلقت في عامي 2018و2019 ثم ما تلاها من أحداث إتسم بالعنف والقتل الاعتقال للجموع المشاركة في المواجهة الشعبية مع النظام في منتصف شهر أيلول 2022، عندما انطلقت شرارة الاحتجاجات الشعبية على أثر مقتل الفتاة الكردية ( مهسا أميني).
وكانت للسياسة الحكومية وعدم اتباعها إجراءات فاعلة في مواجهة الأزمات المجتمعية، الوقع الكبير في فقدان القدرة على مواجهة مظاهر الفساد الاقتصادي الذي أصبح سمة أساسية من سمات المؤسسات والدوائر الخدمية الإيرانية، والتدهور السريع في الانهيار السريع لقيمة العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي، حيث شهدت الأسواق الشعبية والمناطق التجارية حراكًا واغلاقًا للمتاجر واضرابًا واسعًا للتجار، لتشمل اسواق (بين الحرمين وتشار سوق والذهب وجراق برغ وجعفري وسرايات ملي وقائم) في إضراب تام، وانطلقت حناجر المتظاهرين منددة بالنظام و موزه السياسية والدينية.
وبدأت الأوساط السياسية الإيرانية تتحدث بشكل واضح وصريح عن الأحداث الميدانية وتصاعد حدة الممارسات الحكومية والتي بدأت تظهر بصورة علنية عبر أحاديث وتصريحات تتعلق بما آلت إليه الأوضاع في المدن الإيرانية، ومما لفت الانتباه إليه ما أعلنه النائب السابق في البرلمان الإيراني (غلام علي جعفر) بقوله ( أشعلنا العالم ضد أنفسنا والأوضاع ستزداد سوءًا ولن تتحسن، لإنقاذ الثورة والنظام يجب أن نفعل شيئًا، الناس مكتئبون وغاضبون ومتعبون ومنزعجون، يعانون ضغوطًا شديدة)، وهذا دليل على مدى المعاناة الحقيقية التي يعيشها أبناء الشعوب الإيرانية وضنك العيش وصعوبة الحياة، بسبب سوء الإدارة والإجراءات التعسفية التي تقدم عليها الأجهزة الأمنية والاستخبارية في تعاملها مع المتظاهرين، بعد انضمام العديد من طلبة الجامعات والمعاهد إلى الحراك الشعبي الذي بدأه التجار الإيرانيين في العاصمة (طهران)، الأمر الذي جعل الرئيس ( مسعود بزشكيان) يدعو للاستماع للمطاليب المشروعة المتظاهرين والحوار معهم.
وأخذت الجموع الطلابية بالانطلاق من جامعات ( بهشتي وخواجة نصير وشريف وأمير كبير) وجامعة العلوم والثقافة وجامعة العلوم والتكنولوجيا والجامعة التكنولوجيا في أصفهان.
أن الاحتجاجات الشعبية وإن أخذت منحى بسبب ما يواجه الاقتصاد الإيراني من انهيار وهشاشة بسبب عدم وجود الرؤية السياسية الواضحة في كيفية التعامل مع العقوبات الدولية والاستماع إلى المناشدات السياسية بضرورة العمل ضمن سياسة الحوار الدبلوماسي للوصول إلى صيغ ونتائج تؤدي إلى رفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة ومعالجة الأزمات الاجتماعية وما يعاني المواطن الإيراني من سحة في تقديم الخدمات الأساسية وتوفير المياه والكهرباء ورفع القدرة الشرائية والتصدي لظاهرتي البطالة والتضخم المالي،الذي كان سببًا في ارتفاع أسعار العملات الأجنبية والذهب وتدهور سعر الريال الإيراني التي أدت إلى استقالة ( محمد رضا فرزين) محافظ البنك المركزي الإيراني.
تحاول الحكومة الإيرانية واجهزتها الاستخبارية والأمنية أن تحول الانظار عن طبيعة الأحداث والوقائع الميدانية التي أدت إلى اتساع التظاهرات وتسويق الأقاويل عن وجود جهات دولية إقليمية تعمل على استغلال الاحتجاجات لزعزعة حالة الاستقرار الداخلي ورفع الشعارات المناهصة لسياسة النظام ورموزه الحاكمة.
وأكد مركز الإحصاء الإيراني في تقرير حديث له ( أن معدل التضخم السنوي على أساس نقطي تجاوز 52٪ بارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 72٪، وزيادة أسعار السلع الصحية والطبية بنسبة 50٪، عن ما كانت عليه في العام الماضي).
أن تصاعد التظاهرات أصبح حالة قائمة تؤرق حياة النظام وتساهم في زعزعة وجوده بل تسارع في نخره من الداخل، عبر تصدع العلاقات بين اركانه وزيادة حدة الخلافات والصراعات بين تياراته السياسية التي بدأت تنقد سياسة القيادة الإيرانية وترى ضرورة إيجاد الحلول المناسبة لإعادة صياغة الأوضاع الداخلية وتحسين الحياة المعيشية للمواطنين والنظر بصورة إيجابية التظاهرات والتعامل معها بدقة دون الأضرار بحياة المتظاهرين، ولكن ما حدث أن عناصر الأجهزة الأمنية بدأت باستخدام أساليب التعسف والمطاردة الأمنية وحملات الاعتقالات بين صفوف المتظاهرين، مما أدى إلى إصابة العشرات ومقتل العديد منهم.
أن على النظام واجهزته أن يدرك أن أبناء الشعوب الإيرانية قد انطلقت ولا يمكن إيقافها مهما تعدد أساليب وأدوات المواجهة، فالاصلاح والتغيير عنوان للجهد والعمل المتواصل من أجل حياة حرة كريمة وغد مشرق لإيران.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
