معمر فيصل خولي
لم تأت إدارة امريكية إسرائيلية الهوى منذ تأسيس إسرائيل في آيار/مايو عام 1948م، كما هي الإدارة الأمريكية الحالية، فنتياهو وغيره من الساسة الإسرائيليون يرون فيها فرصة استراتيجية للانقضاض على إيران التي تعد الركن الثاني من أركان نظرية الاحتواء المزدوج بعدما تم القضاء على الركن الأول وهو العراق باحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في التاسع من نيسان/ إبريل عام 2003م.
يمكن القول إن إسرائيل ما قبل السابع من أكتوبر ليس هي كما بعده، وأن ما يسمى بمحور المقاومة ما قبل السابع من أكتوبر ليس كما هو بعده. فكفة القوة الضاربة تميل بكل وضوح لصالح إسرائيل سواء في غزة أو لبنان أو سوريا، والدور الآن على إيران. لذلك سواء اجرت الولايات المتحدة الأمريكية مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إيران فإن هذه المفاوضات هي بالأساس تمثل مطالب إسرائيل من إيران، ويمكن القول بأن المطلب الأول لإسرائيل قد تتحقق من خلال تقهقر أذرع إيران الإقليمية وخاصة حزب الله.
أما المطلب الثاني فيتمثل بأن تتوقف إيران نهائيا عن تخصيب اليورانيوم والقضاء على برنامجها النووي بشكل كامل، وأن ادعاء إيران بأن برنامجها هو فقط للأغراض السلمية إدعاء غير قابل التصديق أمريكيًا وإسرائيليًا.
أما المطلب الثالث والذي يقلق إسرائيل بشكل كبير وبدى ذلك واضحًا خلال حرب ال 12 يونيو/ حزيران عام 2025م، هو امتلاك إيران قوة صاروخية لا يستهان بها، تستطيع هذه الصواريخ أن تصل إلى قلب تل أبيب خلال 10 دقائق لا أكثر، لذلك على إيران تفكيك هذه المنظومة الصاروخية.
فما يجري بين الايرانيون والأمريكيون بالنيابة عن اسرائيل ليست مفاوضات بمعناها التقليدي وإنما املاءت ” أوامر” أمريكية للموافقة على تلك المطالب، هناك من يرى أن على صانع القرار السياسي الإيراني أن يستجيب لتلك المطالب كي يتجنب ويلات الحرب الأمريكية بينما الايرانيون يرون بتلك المطالب هي عبارة تنازلات أو استسلام للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية.
ومع تعزيز الولايات المتحدة الأمريكية لقواتها العسكرية النوعية من حاملة الطائرات والمدمرات وطرادات مزودة بأنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة في الشرق الأوسط الحشود العسكرية الأمريكية بالاضافة إلى وصول 5700 جندي أمريكي إضافي إلى نطاق عمليات ” سنتكوم”، ناهيك عن الأسلحة السيرانية السرية وغير مرئية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية، وناهيك أيضًا عن الخلل الهائل في موازين القوة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
على ضوء ذلك، يعيش صانع القرار السياسي في إيران في حيرة من أمره، حيث يجد نفسه “يسير على حد السكين” نظرًا لخطورة الموقف وحساسيته. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: هل يبادر صانع القرار السياسي في إيران إلى توجيه ضربات عسكرية استباقية ضد الحشود الامريكية المتمركزة في الإقليم؟
وأرى أن هذه الضربات قد تكون بعيدة جدا أو شبه مستحيلة عن عالم الواقع،لأن الرد الأمريكي على ذلك سيكون أضعاف ذلك الرد على اليابان. ففي سياق الحرب العالمية الثانية، شنت القوات البحرية التابعة للأمبراطورية اليابانية في صباح السابع من كانون الأول ديسمبر عام 1941م، غارة جوية مدمرة على قاعدة ” بيرل هاربر” العسكرية الأميركية الواقعة على جزيرة ” أواهو” في هاوي في المحيط الهادي أثناء الحرب العالمية الثانية وكانت النتيجة النهائية لذلك الهجوم الاحتلال الأمريكي لليابان. وقد يتكرر هذا المشهد إذا كان هناك سوء تقديرات ايرانية للموقف. ولا أظن أن هذا الواقعة التاريخية غائبة تمامًا عن بال صانع القرار السياسي في طهران.لذلك على صانع القرار السياسي في إيران أن يركن إلى خيار الديبلوماسية دون القيام بأي عمل عسكري استباقي، فهي أقل كلفة وأقل خطرًا.
صانع القرار السياسي في إيران يعيش فوق بركان يغلي ولا يعرف متى ينفجر، والأمريكيون من جانبهم يمارسون ضده سياسة حافة الهاوية من أجل تقديم المزيد من التنازلات التي تصل إلى مستوى الاستسلام، والسؤال الذي يطرح في هذا السياق: إلى أين تسير الأمور بينهما؟ إلى تسويات سياسية كأزمة كوبا عام 1962م، أو حرب مفتوحة كما حدث مع العراق في عام 2003م أو ربما تلجأ الإدارة الأمريكية إلى الاستعانة بالنموذج الفنزويلي أو، ونظرًا لما تمتلكه الإدارة الأمريكية من قدرات سيبرانية وتكنولوجية وعسكرية فائقة القوة قد تعتمد على طريقة جديدة في التعامل مع النظام الايراني، طريقة تفاجأ الجماعة الدولية بها، كما فاجأتنا في فنزويلا!.
