الباحثة شذا خليل*
يمثّل بدء عمليات الحفر الكاملة في حقل عكّاس الغازي في العراق خطوة طال انتظارها في مساعي البلاد لتعزيز إنتاجها المحلي من الطاقة، لكن أهميته الجيوسياسية قد تفوق قيمته الاقتصادية. ويقود المشروعَ عملاقُ خدمات الحقول النفطية الأميركي «شلمبرجير» بالشراكة مع شركة نفط الوسط الحكومية، وهو ما فسّره بعض المراقبين على أنه مؤشر على اقتراب بغداد من واشنطن وابتعادها التدريجي عن الاعتماد الطويل على إيران والصين وروسيا. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا عمّا إذا كان عكّاس يمثّل إعادة تموضع استراتيجية حقيقية أم مجرد تعديل مؤقت ضمن سياسة العراق التقليدية القائمة على تنويع الشراكات الخارجية.
اكتُشف الحقل عام 1992، وتُقدَّر احتياطياته المؤكدة بنحو 5.6 تريليونات قدم مكعبة من الغاز. ويركّز التطوير الأولي على رفع الإنتاج سريعًا إلى نحو 100 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا، على أن تستهدف المراحل اللاحقة أربعة أضعاف هذا الرقم. والأهم أن الغاز سيُستخدم لتغذية محطات توليد الكهرباء القريبة وربطه لاحقًا بالشبكة الوطنية، التي اعتمدت لعقود على واردات الغاز والكهرباء من إيران. وتعرض الحكومة العراقية مشروع عكّاس باعتباره تجربة أساسية ضمن استراتيجية أوسع لبناء سيادة غازية وطنية واستقرار قطاع الكهرباء المزمن الاضطراب.
وكان اعتماد العراق على إيران لتلبية جزء كبير من احتياجاته الكهربائية عاملًا رئيسيًا في تشكيل علاقاته الخارجية، إذ اضطرت بغداد مرارًا إلى طلب إعفاءات من العقوبات الأميركية مع تأكيدها في الوقت ذاته أنها تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة. ويرى منتقدون في الولايات المتحدة أن هذا الوضع أتاح لطهران فرصًا للتحايل على العقوبات، لا سيما في الحقول المشتركة على جانبي الحدود حيث يصعب التمييز الجيولوجي بين الإنتاجين العراقي والإيراني. وقد ساعدت هذه الممارسات، إلى جانب عمليات النقل من سفينة إلى أخرى وتغيير وثائق الشحن، على وصول النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية رغم القيود الرسمية، ما عقّد جهود الضغط الاقتصادي الأميركي.
وتتضاعف أهمية عكّاس بسبب موقعه الجغرافي القريب من الحدود السورية في محافظة الأنبار، حيث يقع على طرق استخدمت تاريخيًا لنقل الطاقة والبضائع والمسلحين عبر غرب العراق نحو البحر المتوسط. ويربط محللون هذا الممر بما يُعرف بـ«الجسر البري» الإيراني الممتد من طهران إلى لبنان وسوريا، والذي من شأنه تعزيز قدرات طهران اللوجستية الإقليمية. وعليه، فإن تطوير البنية التحتية في هذه المنطقة يتجاوز مسألة توليد الكهرباء ليطال حسابات الأمن الإقليمي، بما يشمل إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج.
وتفسّر هذه المعطيات سبب اهتمام الصين وروسيا طويل الأمد بالمثلث الطاقي العراقي الممتد من حقل المنصورية قرب الحدود الإيرانية إلى سيبة جنوبًا وصولًا إلى عكّاس غربًا. فبالنسبة لبكين، تندرج المشاريع النفطية والغازية العراقية ضمن أطر أوسع تقوم على تبادل الموارد مقابل تطوير البنية التحتية، بما يتيح تأمين الإمدادات وبناء مراكز نقل وصناعة ومنشآت لوجستية مزدوجة الاستخدام. أما موسكو فترى في العراق جزءًا من قوس نفوذ أوسع يمتد عبر سوريا ولبنان، معززةً بذلك حضورها على سواحل المتوسط ونفوذها السياسي في المشرق.
وفي ضوء هذه الخلفية، يظل قرار بغداد المضي قدمًا في عكّاس مع شريك أميركي بارز خطوة لافتة، لكنه لا يشكّل بعد دليلًا قاطعًا على تحوّل شامل في التحالفات. فقد اعتادت الحكومات العراقية اتباع سياسة موازنة دقيقة بين القوى الكبرى للحفاظ على هامش استقلالها وجذب الاستثمارات من أطراف متنافسة. ومن هذا المنطلق، قد يكون عكّاس تجربة لإعادة ضبط العلاقات أكثر من كونه التزامًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وسيتوقف ما إذا كان عكّاس سيتحول إلى أساس لتحوّل أوسع على قدرة العراق على تحقيق أهداف الإنتاج، وإنجاز البنية التحتية في مواعيدها، والحفاظ على الأمن في بيئة الأنبار الحساسة. كما سيتعين عليه تكرار هذا النموذج في حقول أخرى غير مطورة إذا كان يريد خفض اعتماده على الواردات بشكل ملموس. وفي الوقت ذاته، ستواجه بغداد ضغوطًا مضادة من الأطراف التي قد تتراجع مكانتها إذا توسعت استقلالية العراق الطاقوية، ما يجعل التوافق الداخلي والمرونة الدبلوماسية عنصرين حاسمين.
في الوقت الراهن، يبدو مشروع عكّاس أقل برهانًا على تحوّل جيوسياسي مكتمل، وأكثر دلالة على إعادة صياغة حسابات العراق في مجال الطاقة والسياسة الخارجية. فمن خلال تطوير أحد أكثر حقوله الغازية حساسية بالشراكة مع طرف أميركي، ترسل بغداد إشارة إلى انفتاحها على مسار طاقوي غربي في مرحلة تتصاعد فيها المنافسة الإقليمية. ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الإشارة ستتبلور إلى تغيير استراتيجي دائم أم ستظل حلقة جديدة في سلسلة الموازنات التكتيكية التي طبعت سياسة العراق الخارجية لعقود.
وجدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
